2026-09-13 08:02 م

الجغرافيا الصهيونية.. بين الرؤى الفيدرالية والقومية المجزأة

2014-03-08
بقلم: يحيى ركاج
تشكلت الخريطة التفتيتية لمنطقتنا العربية في بدايات القرن الماضي ونهايات القرن الذي سبقه في ظل ظروف دولية مشابهة تماماً لما تمر به المنطقة في هذه الأيام, وكان معيار التفتيت والتقسيم أنذاك هو مقدرة اللاعبين الكبار في السيطرة على ثروات المنطقة والعالم والتفرد بصنع قراراته. في حين لم تكن مساهمة أجدادنا وأسلافنا بقدر كبير من الذكاء والحنكة السياسية ليتمكنوا من قراءة الوضع الدولي الذي جعل منهم كرة تتدحرج بين أقدام الطامعين في توسيع مناطق نفوذهم. فكان ما كان من تقسيم وتفتيت سهل بقاء الاستعمار في بلادنا لفترة ليست بالقصيرة, رافقها غباء سياسي كبير يصفه البعض تجملاً بالبساطة والصدق الذين لا يعرفهما علم السياسة قط.‏ ولعل عبارة التاريخ يعيد نفسه بعيدة عن الدقة بعض الشيء مقارنة بأن التاريخ المستند على الجغرافيا يحافظ على دعائم الأحداث والأفعال, فما حدث في الماضي يحدث في هذه الأيام بثوب أكثر حداثة, منسجماً مع التوسع في الخيارات المكونة لمتطلبات الحياة والتكنولوجيا التي يسخرها الكيان الصهيوني للمحافظة على استمراريتها باغتصاب أرضنا العربية المحتلة.‏ فقد استطاع الكيان الصهيوني أن يحقق من المكاسب خلال أحداث الربيع المزعوم ما عجز عن تحقيقه جيشه وقادته الذين تباهى بهم طيلة السنوات الطويلة الماضية, بل واستطاع أن يحقق نقلة قوية نحو الأمام في أسلوب المواجهة مع الدول العربية من خلال الانتقال من الحفاظ على الظهور بمظهر الكيان القومي الموحد, من خلال التركيز على التاريخ الذي يحافظ له على هذا الظهور, إلى مرحلة التلاعب والتدخل بالكتل القومية التي تواجهه وتحاربه, فقد استطاع هذا الكيان أن يزرع الفكر الفيدرالي في نفوس الشعوب العربية على أنها التجربة الناجحة للحكم العادل, في حين كان يسعى إلى اختراق هذه الفيدراليات ودعم عصيانها واعتداءاتها فيما بينها, كما في كردستان العراق, وأيد انفصال بعض الدول تحت شعار الحريات ومن ثم أخذ يلتهم مفاصل الحكم الرئيسية فيها , كما في دولة جنوب السودان المزعومة وتغلغله فيها, وتتمة الدول على الطريق نفسه إن بقي العرب على هذه الحالة من التفرد والانقسام.‏ ولعل الحدث الأخطر في هذه الأحداث التي تشهدها منطقتنا العربية والمسماة بالربيع, هو بروز التيارات ذات التوجهات القومية المجتزأة في مواجهة الفكر الصهيوني المغتصب, حيث لا يخفى على أحد دعم الصهاينة لهذه الكتل والتيارات السياسية وأهدافها.‏ فلو أسقطنا على سبيل المثال دعم الصهاينة للإرهابيين في سورية من خلال تقديم الدعم والعون لداعش باعتبارها كيان أو إمارة سوف يبني دولة على حدود الكيان الصهيوني- دون التطرق إلى حقيقة الجماعات الإرهابية القائمة على تدمير مكونات صمود الدولة السورية, ودون إضفاء أية مشروعية عليها. لوجدنا مصلحة كبرى للكيان الصهيوني بهذا التنظيم الذي إن افترضنا أنه لن يتوسع بعد حدود خريطته المعلنة والتي تضم عدداً من الدول المتجاورة وصولاً إلى صحراء سيناء, أو أنه سوف يبقى عدد لا بأس به من السنوات التي تلي سيطرته على رقعة الأرض التي يطمح بها في توطيد حكمه وتوسعاته, فإننا نجد أن عداوة الكيان الصهيوني من قبل فكر مقيد محدود من حيث المكان الافتراضي, أو من خلال توحيد جهود مجموعة محدودة من الدول في مواجهته, أيسر وأفضل بكثير لمفكري ومنظري الكيان الصهيوني من عداوته من قبل الفكر القومي العربي الشمولي الذي يرفعه حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية, وباقي الأحزاب المنادية بالقومية العربية في باقي الأقطار العربية الأخرى, لأن الفكر القومي الشمولي لحزب البعث العربي الاشتراكي يكرس دعم معاداة أي انسان ينطق باللغة العربية, أو يعتنق الديانتين الإسلامية والمسيحية في منطقتنا والعالم للكيان الصهيوني المغتصب لأراضينا ومقدساتنا, والأمر نفسه فيما يتعلق بالتيارات والأحزاب الاخرى التي وجدت على الساحة السياسية نتيجة الأحداث التي تشهدها المنطقة تحت مسميات الربيع الدجال.‏ فهل تتحول أمة المليار, أو أمة العرب, أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم بفعل تحالف العقلية المخابراتية الغربية الصهيوأمريكية مع الجهل السياسي العربي إلى أمة المئة جماعة وتنظيم وولاية, أم إلى أمة المليار مذهب طامع في السيطرة والوصول إلى الحكم تطبيقاً لحكم الله. أم تتوحد هذه الأمة تحت راية الأمة العربية الواحدة تجسيداً لمقولة « العربية جسد والدين هو الروح».‏

الملفات