2026-09-13 12:41 م

خاطرة في مشروع القرار الفرنسي الأخير في مجلس الامن الدولي

2014-05-26
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا الى مجلس الامن في الأمم المتحدة لإحالة الملف السوري الى محكمة الجنايات الدولية، يأتي ضمن سلسلة من المشاريع والتآمر التي لم تنقطع منذ بدء الازمة السورية، وذلك بغرض إستهداف الدولة السورية شعبا وجيشا وقيادة سياسية، والدور الذي لعبته وتلعبه على الساحة الإقليمية والدور الذي تلعبه الان في نهوض وتعزيز التعدد القطبي على الساحة الدولية، وكسر الهيمنة والتسلط والتفرد الأمريكي على هذه الساحة، وذلك منذ انتهاء الحرب الباردة وتفسخ الاتحاد السوفياتي والانهيار الذي شهده المعسكر الاشتراكي منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي. ولا يسع المراقب الا ان يستخلص انه مع كل انعطافه في مجرى الصراع على الساحة السورية التي يتحقق عندها تحقيق تقدم على الارض السورية للجيش السوري، أو تقدم على الجبهة السياسية وافتضاح حقيقة ما يدور من تآمر كوني عليها، والذي بدأ يستتبعه تقدم على مستوى المصالحة الوطنية، تزداد شدة الهجمة والتي عادة ما يتغير طابعها وهويتها. فتارة تثار قضية تسليح المعارضة بأسلحة أكثر فعالية ومزيد من التجنيد والتدريب على أيدي الخبراء المأجورين واقامة معسكرات لتدريب المرتزقة من هنا وهناك، وتارة بإثارة قضية الأسلحة الكيماوية وأن الدولة السورية لم تقم بتسليم جميع الأسلحة الكيماوية المتواجدة لديها، وتارة توجيه الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيماوية من قبل الجيش السوري، وتارة اثارة معاناة الشعب السوري وضرورة القيام بإرسال المعونات الإنسانية وايصالها الى المناطق المحاصرة وإيجاد ممرات آمنة، وتارة بارتكاب المجازر من قبل الجيش السوري وضرورة تقديم الدولة السورية الى محكمة الجنايات الدولية وهو اخر ما حرر لغاية الان على يد فرنسا صاحبة الجرائم التي لا تعد ولا تحصى في افريقيا، وأول دولة قامت باختطاف الطائرات في الخمسينات عندما اختطفت الطائرة التي كان على متنها قيادات من جبهة التحرير الجزائرية، بالإضافة الى استخدام الأراضي الجزائرية لتجارب نووية وهذا مثبت بوقائع وأدلة دامغة، ومجازرها التي ارتكبت بحق الشعب الجزائري. نقول ان كل تجليات الهجمة وتنوعاتها تهدف الى الحد من الانتصارات التي تتحقق على ارض الواقع السورية سواء في المجال العسكري، أو السياسي، أو على نطاق المصالحات التي تتم تباعا، أو على تعاظم الدور السوري وحلفائه الاوفياء على المستوى الإقليمي أو الدولي. من كل ما سبق نستطيع أن نتفهم الهستيريا التي يبديها الطرف المعادي لسوريا بكل تشكيلاته ومكوناته، الذي بدأ يتلقى الضربة وراء الأخرى وخاصة بعد سقوط القصير ولغاية الان. والهم الذي يحملوه الان ويسعون من أجله هو العمل وبكافة السبل لوضع العراقيل أمام الاستحقاق الرئاسي القادم لا محالة، لان هذا الاستحقاق سيضع سوريا بجميع مكوناتها الاجتماعية والسياسية وكدولة ومؤسسات في موقع أكثر قوة وتماسكا، ويضع البلد برمته على طريق إعادة الاعمار لما دمر وهو الكثير، ويعمل على تشجيع كل من ترك البلاد قسرا او هربا من الحرب الدائرة الى العودة الى الوطن، ليحيى حياة الكرامة بدلا من الحياة القاسية والمذلة في أغلب الأحيان في مخيمات الشتات نتيجة تعرضهم الى الاستغلال بجميع صوره. الفيتو المزدوج من قبل روسيا والصين ضد القرار المقدم، يأتي ليعكس مرة أخرى تنامي المعسكر الدولي الرافض للهيمنة والاستئثار الأمريكي على الساحة الدولية ويشكل صفعة قوية لقوى الاستكبار العالمية، كما انه يأتي ليسقط كل الرهانات التي كانت تعتقد ان روسيا بدأت تلين من موقفها حيال الازمة السورية، وذلك نتيجة الاحداث في أوكرانيا والتهديدات الجوفاء في تقديرنا التي تطلقها الإدارة الامريكية وبعض الببغاوات من دول الاتحاد الاوروبي بإتخاذ مزيد من الإجراءات والعقوبات على روسيا بما فيها العقوبات الاقتصادية. ومما لا شك فيه ان توقيع الاتفاقية الجديدة بين روسيا والصين والتي بموجبها ستقوم روسيا بإمداد الصين 38 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا وعلى مدار 30 سنة تبدأ من 2018 والتي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، سيعزز الشراكة التجارية والمشاريع المشتركة بين البلدين ويعزز من العلاقة الاستراتيجية بين البلدين والتي بالضرورة سيكون لها أثر كبير على المستوى الدولي. ولا شك ان هذه الاتفاقية، والى جانب استعداد الصين لاستثمار ما يقرب من 20 مليار دولار في روسيا لتحديث البنى التحتية لقطاع استخراج الغاز وخطوط الانابيب التي ستمد من روسيا الى الصين سيجعل روسيا في موقف أكثر قوة وصلابة مقابل الابتزازات الامريكية والأوروبية التي قد تتعرض لها، كما انه يشكل عامل أمان للصين بالنسبة لإمدادات الغاز عن طريق الانابيب وليس عن طريق الشحن البحري وخاصة مع تنامي الاساطيل الامريكية في طرق النقل البحري، والتي قد تشكل تهديدا مستقبليا لهذه الامدادات. نأتي الان على تصويت الولايات المتحدة لصلح القرار الفرنسي، لنقول إن ماهية هذا التصويت يشكل وقاحة متناهية. فالولايات المتحدة كانت وما زالت من أشد الدول المعارضة لمحكمة الجنايات الدولية التي يريد القرار إحالة الدولة السورية اليها. ولقد امتنعت الولايات المتحدة عن التصديق على دستور المحكمة أو الاعتراف بشرعيتها وذلك لان هذه المحكمة ببساطة لن تخضع للفيتو الأمريكي وبالتالي الى السيطرة الامريكية وتسييرها بالشكل الذي تريده، ولان المحكمة سيكون لديها القدرة والسلطة القضائية على ملاحقة الجنود أو الضباط او القادة في الادارة الامريكية للجرائم التي ارتكبت في العراق أو أفغانستان أو في دول أمريكا اللاتينية أو اية بقعة في العالم، وهي كثيرة. ولم تكتفي الولايات المتحدة بالامتناع عن التصديق على دستور المحكمة وسلطتها القضائية، بل عمدت على ابرام اتفاقيات ثنائية مع بعض الدول لمنعها من تسليم رعاياها من الامريكيين الى المحكمة أو حتى محاكمة الجنود الامريكيون الذين قد يرتكبون مجازر على أراضي هذه الدول بمعنى أن هذه الدول توقع على إعطاء الحصانة القانونية والقضائية للأمريكي المجرم، وتتعهد بعم ملاحقته وتقديمه للقضاء على أراضيها. وذهبت الولايات المتحدة الى أبعد من ذلك، حيث قامت بإصدار قانونا يقضي بمعاقبة الدول التي ترفض توقيع مثل هذه الاتفاقية الثنائية معها، وهذا القانون الامريكي يقضي بإعطاء الولايات المتحدة الحق في التدخل العسكري لمنع تسليم رعايا أمريكيين الى المحكمة الجنائية الدولية، وقانون آخر يقضي بعدم تقديم المعونات USAID الى الدول التي ترفض توقيع هذه الاتفاقية. ولا بد من طرح السؤال هنا لماذا هذا التخوف الهستيري من هذه المحكمة؟ على ما أظن ان الجواب واضح حتى للبسطاء ونحن منهم. والوقاحة ان تصوت لتقديم دولة لمحكمة أنت بالأساس لا تعترف بها وتعادي وتحارب كل من يتعامل معها بأي شكل من الاشكال. في النهاية نود أن نؤكد من ان محور المقاومة بات يتقدم ويحقق الإنجازات على الصعيد العسكري في الميدان السوري وغيره بالإضافة الى الميدان السياسي إقليميا ودوليا. الى جانب ذلك نشهد تبلور وتنامي محور عالمي ركائزه الأساسية روسيا والصين، والذي بات يقف حائلا ومتصديا للهيمنة والاستئثار الأمريكي على الساحة الدولية الذي أصبح ينحسر رويدا رويدا. ان الصراع صعب وقاسي والمخاض عسير ولكن المستقبل يحمل في طياته النصر للحق والعدالة للشعوب المكافحة من اجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والإنسانية بكل ابعادها.