في كلمته بمناسبة أداء اليمين الدستورية رئيساً للجمهورية أفرد الرئيس الأسد جزءاً مهماً من تلك الكلمة لجهة الحديث عن الفساد بكافة أنواعه الأخلاقي والمالي والإداري وقدم سيادته رؤية استراتيجية من أجل معالجته والحد من تداعياته الكارثية على الدولة والمجتمع منوهاً لضرورة اجتثاث الفساد من جذوره وعدم إضاعة الوقت في تقليم الفروع .
لاشك في أن الوصول إلى مكافحة حقيقية للفساد والشروع الفاعل بالإصلاح الاقتصادي والإداري وتقزيم البيروقراطية إلى حدودها الدنيا وتالياً تحقيق مستويات متقدمة من التنمية الاقتصادية , كلها عناوين كبيرة تحتاج لتضافر الجهود الرسمية لجهة التخطيط السليم والتنفيذ الدقيق للسياسات التي من المفترض أن تكون مرسومة وفق برامج إصلاحية نوعية مدروسة ومخطط لها على أسس علمية قادرة على معالجة المشكلات الاقتصادية من خلال جملة من الحلول الجذرية وعدم تكرار السياسات السابقة التي كانت ترتكز في كثير من معالجاتها على الحلول الإسعافية , فاليوم عند الحديث عن اجتثاث جذري لظاهرة أو خلل ما في بنية الاقتصاد لايمكنناإلا الحديث عن الحلول الجذرية وإلا فإن إضاعة الوقت والدوران في حلقة مفرغة يغدو أمراً حتمياً وبدهياً .
وعليه فإن الحكومة الجديدة مدعوة اليوم وأكثر من أي وقت مضى ولاسيما في هذه المرحلة الاستثنائية التي تمر بها البلاد إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية والوطنية للارتقاء بالواقع الاقتصادي وتحسين المستوى المعيشي واتخاذ جملة من الإجراءات الحاسمة للحد ما أمكن من الفساد المتغلغل بكثافة والضرب بيد من فولاذ على كل مواطنه ولاسيما بعد سيل من الإفرازات المقيتة والممارسات السلبية التي خلفتها الحرب القذرة على سورية لجهة تكثيف الفوضى وغياب مفاعيل القوانين والمحاسبة الاقتصادية , الأمر الذي كرس جملة من التحركات الاقتصادية العشوائية المنفلتة خارج الأطر القانونية, وحدود اللامعقول, وعليه فإن وطأة تلك الإفرازات والوضع الأمني الاستثنائي وتصدر الدولة لأولوية مكافحة الإرهاب يجب أن لايثني العزائم عن مكافحة الفساد والتخطيط الشامل لنهضة حقيقية جوهرها التجديد والتغيير وصولاً لسورية الجديدة المتجددة , فالإصلاح الاقتصادي والسياسي وجهان لعملة واحدة لاينفصلان على الإطلاق فلايمكن لأي عملية سياسية أن تؤتي مفاعليها المرتجاة من دون استقرار اقتصادي وكذلك لايمكن تهيئة مناخ اقتصادي واستثماري فاعل من دون استقرار سياسي .
ولما كان جوهر التنمية هو البحث وخلق المزيد من الموارد كي تكون الأسلوب الناجع لتحقيق العدالة الاجتماعية والوصول إلى الجودة المطلوبة في الخدمات المقدمة للمواطنين , فإن غياب مبدأ المحاسبة والعقاب, وتهميش البعد الاجتماعي عن أجندات أي تنمية اقتصادية , تصبح عنده هذه الأخيرة ( أي التنمية) مجرد تراكم اقتصادي وتجميع عبثي سلبي يؤدي بالضرورة إلى خلل في التوازن الاقتصادي للمجتمع ويهدد تماسك ووحدة النسيج الاجتماعي الذي لايحتمل مزيداً من الانقسامات والشروخات التي استولدتها الحرب في سورية وعليها.
مهام جسيمة تنتظر الحكومة الجديدة , وعنوانين كبيرة تحتاج لجهد " فوق العادة" كي تصبح واقعاً ملموساً ,يكون الكفيل بتصفية الأخطاء والتركات الثقيلة , وإنهاء كل الأدوار والسلبيات التي طفحت بها سلوكيات الانتهازيين والخارجين على القانون ,والأساس في تكريس تنمية اقتصادية اجتماعية تلبي طموحات وآمال الشعب السوري العظيم .
* كاتب فلسطيني مقيم في سورية

