2026-09-13 02:43 ص

بعد فشل أوباما في سورية والعراق ....فأين وجهة فشله التالية؟

2014-08-17
بقلم: الدكتور خيام الزعبي*
بعد خمس سنوات من حديث أوباما في جامعة القاهرة 2009 الذي قال فيه إنه يبحث عن بداية جديدة بين أمريكا والمسلمين حول العالم، تحطمت الآمال التي رفعها وتناثرت على الأرض، فقد تعرضت مصالح أمريكا في المنطقة لأخطار لم تتعرض لها منذ نصف قرن، فالإحتقار لأمريكا هو الشعور السائد بين من حضر أوباما لإرضائهم، بينما لا يثق حلفاء أمريكا في أوباما، وزيادة على ذلك فأغلبية ساحقة من الأمريكيين قد فقدوا الثقة في سياسته الخارجية، وفي إطار ذلك إن فشل سياسة أوباما وصل قمته حالياً في العراق، ولكن خسارته الإستراتيجية بدأت في سورية بعد أن شعر بخيبة أمل كبيرة وتبددت أحلامه وتحطمت إنجازات حلفائه للإطاحة بنظام الأسد. أن الأوضاع المتدهورة في المنطقة تظهر بشكل لم يعد يقبل الشك بفداحة الأخطاء الخطيرة التي إرتكبها المجتمع الدولي وفي مقدمته واشنطن في الشرق الأوسط والتي خلفت عدم إستقرار وسفك للدماء وتحوّل دول إلى دول فاشلة نتيجة سياساتها الخاطئة وغزوها للعراق ووضعه في دوامة رهيبة من العنف والإرهاب والحرب الأهلية، وعدم إتخاذها المواقف الحاسمة إزاء قضايا كانت تستلزم الحسم. واليوم فشلت السياسات التي تتبعها الإدارة الأمريكية في معالجة الأزمات في الشرق الأوسط و مواقفها في التعامل مع الأزمة في سورية والعراق خاصة بعد تفاقم خطر التنظيمات الإرهابية وإجرامها في المنطقة، وهذا لا يغيّر الجدل الدائر حول المسؤولية عمّا يجري في سورية والعراق من حقيقة أن إدارة أوباما هي من يواجه نتائج هذا الفشل، فالعراق يقف على أبواب حرب أهلية، قد تفضي إلى الإنقسام على أسس طائفية وقومية، خصوصاً بعدما دعا رئيس إقليم كردستان، إلى إجراء إستفتاء على الإستقلال في الإقليم الكردي، ومن هنا يحاول أوباما إستعادة هيبة أميركا في المنطقة عبر ضربات جوية يوجهها إلى داعش في العراق، مثل هذه الضربات صارت بدلاً عن ضائع، ليس إلّا، في ضوء ما حصل في سورية فكان تراجع أوباما عن توجيه ضربة إلى النظام السوري نقطة تحوّل في المنطقة، فقرار أوباما بتوجيه ضربات جوية واسعة النطاق ضد داعش ربما يغير موازين القوى لكنه لن يمنح الرئيس الأميركي شعبية جديدة و خاصة مع تزايد الوضع المأساوي وتهجير عشرات الآلاف من المسيحيين والأقليات الدينية وفرارهم خوفاً على حياتهم وقلقهم من نفاد الماء والغذاء وحاجتهم الماسة للمساعدة بشكل جدي. في إطار ذلك يمكنني القول إن أسباب تدهور الأوضاع في كلا البلدين "سورية والعراق" يعود إلى تقصير كل من واشنطن والغرب في العمل لإيجاد حل سلمي ما سمح بخلق أجواء مكنت من إزدياد نفوذ الإرهابيين على الأرض وسيطرتهم على بعض المناطق والسماح لهم بالتخطيط لقيام ما يسمى "خلافة إسلامية" تهدد المنطقة بأسرها عبر إنتهاجها إستخدام العنف والقتل والتهجير، ومن الواضح أن واشنطن لا تريد لأي من طرفي النزاع أن يحسم الموقف - وهذا مطلب إسرائيلي- وأن عدم الحسم هذا إذا انتهى إلى تقسيم سوريا إلى عدة دويلات فإن الغرب لن ينزعج من ذلك, حتى لو كانت إحدى تلك الدويلات دويلة إسلامية على طريقة القاعدة, لأنه من الواضح أن هذه الدويلات ستبقى في حال تنافر وحرب مع الدويلات المجاورة لفترة قد تطول عشرات السنين، وهو أمر ترغب فيه إسرائيل التي ستكون بوضع يجعل الجميع يحاول تجنب مواجهتها, لأنه مشغول في معاركه مع جيرانه الجدد. فالرئيس الأمريكي يظهر بسبب سورية والعراق في وضع سيء، وبحسب الإستطلاع الذي أجرته جامعة كوينينغباك، يعتبر أوباما أسوأ رئيس أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية، وفي إشارة إلى تراجع الدعم للرئيس إختار واحد من كل ثلاثة أمريكيين أوباما ، كما أظهر الإستطلاع مستوى من الخيبة لدى الناخبين في الإدارة الأمريكية، وأهم القضايا التي أنتقد فيها الأمريكيون أوباما كانت إدارته للإقتصاد 55% فيما لم توافق نسبة 57% على الطريقة التي تعامل بها مع أزمة العراق وسوريا وأوكرانيا، وهنا أستطيع القول بأن أمريكا خسرت الكثير دولياً وقد تحتاج إلى سنوات عديدة لترميم ما دمره أوباما في فترة حكمه من وصول هيبة وسمعة أمريكا الى الحضيض، ومن سوء القدر أن الشعب السوري أول من دفع ضريبة هذه السياسة الفاشلة وكانت الضريبة باهظة جداً. في إطار ذلك يمكنني القول إن شعوب المنطقة تدرك جيداً أن نفوذ الولايات المتحدة أصبح في تراجع مستمر والسبب هو عدم قدرة واشنطن على تولي القيادة وتعزيز شعبية الولايات المتحدة على مختلف المستويات في المنطقة، فقد رأينا إدارة أوباما في عدّة قضايا تصّعد ثم تتراجع دون حساب دقيق عند التصعيد أو عند التراجع، إذ فقدت أمريكا مصداقيتها عند حلفائها لا سيما ممن إعتمدوا عليها لحمايتهم وتحقيق مصالحهم، فإمتلاك روسيا زمام المبادرة في الأزمة السورية، أو ما برز من أزمة أمريكية سعودية، أو حلحلة الملف النووي الإيراني، أو إرتباك السياسة الأمريكية تجاه الثورات العربية في مصر وتونس أو في ليبيا واليمن، فضلاً عن إهتزاز علاقاتها بالدول الأوروبية نفسها، كل هذا دليل على عجز المخطط الأميركي من التقدم بسياسات مدروسة ومتماسكة. وأخيراً أختم مقالتي بالقول، إن الأوضاع في سورية والعراق اليوم تستلزم تحركاً سريعاً لوضع حد نهائي لمثل هذه الفوضى التي بدأت تهدد الأمن والسلم الدوليين مع الأخذ بالإعتبار التطلعات الشعبية لمختلف الأطياف وعدم إهمالها كي لا تعود للإشتعال مرة أخرى وإشعال الدول المجاورة والانزلاق نحو الفوضى نتيجة سياسات خاطئة، كون أن الأحداث والوقائع التي عصفت بسورية والعراق، أكدت فشل الحلول العسكرية والأمنية، وأن السبيل الوحيد لإنقاذهما من التقسيم وطناً وشعباً، هو الحلول السياسية، الكفيلة بالمحافظة على وحدة البلاد، وتجنيبهما دواعي التقسيم وإغلاق الباب على التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للدول التي حولت الساحة السورية والعراقية إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.