ما يجري في المنطقة من تداعيات بفعل تجاذبات وتداخلات أجنبية تملك القوة والقدرة على تسيير دفة الأحداث وفق رؤاها ما يمكنها من أن تتحكم بزمام الأمور بما يخدم مخططاتها بافتعال صراعات تتسم بالديماغوجية والفوضى بين شرائح مجتمعية داخلها ، كل منها تحمل أجندات خارجة عن توجهات قاطنيها حيث يتم توجيه بوصلتها لخدمة أهداف تسعى القوى الخارجية المتسلطة عليها تفكيك النسيج البنيوي لها وتشتيتها وإصابتها بالشلل الدماغي الذي يفقدها القدرة على التفكير والتمييز بين الغث والسمين وبالتالي فقدانها لهويتها وسط زحام الأمواج العاتية التي تعصف بها لكي تسهم بتناقضات أعتقد جازماً أنه يجري برمجتها خارجياً لفقدان الثقة بين كافة مكونات المجتمع نتيجة الصراع الحاصل فيما بينها لمنعها من التوصل إلى الحد الأدنى من التفاهمات التي قد تمكنها من الخروج من حالة العبث التي تلم بها إلى بر الأمان .. هذا هو الحال الذي تعيشه منطقتنا العربية منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى الكل يعتقد أنه يجتهد لكنه لا يعلم أنه يزيد الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد في كل قطر من أقطاره وأصحاب الأقلام الرفيعة والأفكار النيرة يستغلون تلك الأقلام والأفكار لخدمة مصالحهم الآنية التي لا تلبث أن تزول أو ترد عليهم بالوبال في حال تغيرت الأحوال كما كان يحصل مع شعراء التكسب ...
ما أود الوصول إليه من هذه المقدمة هو التحذير من استمرار الأحداث التدميرية التي تجري في المنطقة العربية منذ التحالف الأممي الذي تم في العقدين الأخيرين من القرن الماضي حيث شكلت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفاً لخدمة أهدافها الاستراتيجية من أجل تفكيك الاتحاد السوفييتي أولاً ومن ثم تفكيك الأقطار العربية قطراً قطراً .. لقد ابتدأت الإدارة الأمريكية ذلك المخطط بإعلان ثورة كارتر الإسلامية في أفغانستان من البيت الأبيض وتَدافعَ العرب وتنافخوا حينها بدعم تلك الثورة بالمال والرجال والسلاح حيث أنفقوا على تلك الثورة الأمريكية باسم الإسلام مليارات الدولارات والتي تفوق عشرات المرات ما قدموه من دعم لقضية فلسطين والقدس لتخليصها من براثن الصهاينة منذ عام 1948 وحتى اليوم .. وقد أسهمت تلك الثورة بانهيار الاتحاد السوفييتي اقتصادياً وبالتالي تمت فكفكته وبأيد عربية لتتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة العالم ، وأمام هذا الهوس .. خشيت تلك الدولة من تشكل قوة قد تكون منافسة لها في العالم فاعتقدت أن من كانوا معول الهدم للاتحاد السوفييتي ربما يكونون هم تلك القوة التي قد تتشكل واستباقياً ولمنع تحقق ذلك أظهرت القاعدة ودعمتها بالمال والسلاح وحمَّلتها مسؤولية ما جرى في 11 سبتمبر من تدمير برج التجارة العالمي في نيويورك ومن ثم اختلاق أزمة الخليج فجيشت الجيوش وأنشأت تحالفاً ضم دولاً عربية من أجل احتلال العراق لإسقاط نظام الحكم فيه وحل جيشه وتركه يشهد صراعات إثنية وطائفية لا نهاية لها وبمباركة جامعة الدول العربية التي أعتقد جازماً أن دورها المرسوم كان هذا ثم دعوة اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية للفوضى الخلاقة التي عمت لاحقاً عدداً من الدول العربية فدمرت ليبيا والتي ما زالت ماثلة أمامنا حتى الآن وتهدد استقرار الدول المجاورة لها ونشرت فوضى في مصر لكن الجيش هناك حسم الموقف وأعاد الهدوء والأمن فيها لكن ما زال هناك خطر من خبث تلك الإدارة وتدخلاتها في الشأن المصري أما في سوريا فقد جرى تجنيد القاعدة وقوى تكفيرية أخرى من أمثال النصرة وداعش للعمل على هدم هذه الدولة العربية التي ما زال جيشها يمسك بزمام الأمور فيها وانقسم العرب تجاه تلك الدولة العربية إلى عدة فرقاء كل له توجهاته لكن السمة الغالبة على تلك التوجهات هي إشعال حرب طائفية فيها في الوقت الذي لم تتحرك فيه آية دولة لنصرة الشعب العربي في غزة ضد العدوان الصهيوني عليها وكأن الدولة العبرية ليست طائفية أو عنصرية أو أعداء لهذه الأمة ولا تشكل خطراً علينا كعرب ..
بقي لي قول كلمة أخيرة هنا وهي أنه إذا كانت الحروب الصليبية لبلاد الشام بما فيها ارض فلسطين وكذلك لأرض الكنانة قد قامت بها الممالك الأوروبية باسم الصليب فاكتسبت هذه التسمية تبعاً لذلك فإن ممالك أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية قد استبدلت حربها ضدنا بتوطين اليهود في منطقتنا بأرض فلسطين ، فالنهج والهدف من ذلك واحد ، ولكن اختلف الأسلوب والمسمى والله من وراء القصد.
الصراعات الديماغوجية والفوضى في الوطن العربي.. من وراءها؟!
2014-09-05
بقلم عبدالحميد الهمشري
