2026-09-12 11:14 م

الناتو الداعشي ...

2014-09-09
بقلم : محمد بكر*
لم تخرج قمة دول حلف شمال الأطلسي " الناتو" التي اختتمت أعمالها في ويلز ببريطانيا بأية نتائج " نوعية " ,إذ لاتزال الإرادات الحقيقية للغرب غائبة عن التطبيق الفاعل لأي خطة واضحة المعالم لمواجهة مايسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام " داعش", كذلك فإن الآليات الناظمة لما أعلنت عنه دول الناتو لجهة تشكيل ائتلاف دولي واقليمي ضد "داعش" لاتزال قيد التدارس والتباحث , وجل ذلك الحراك الغربي كان في إطار " الثقة والأمل " في نجاح المهمة الدولية, تلك المشاعر التي طغت بقوة على كلام أوباما عندما أكد أن بلاده ستنتصر على " داعش " كما انتصرت على تنظيم القاعدة ,وقد تناسى " الامبراطور العتيد" أن منتجه القاعدي لايزال يتغلغل ويفتح ذراعيه على امتداد جغرافيا المنطقة من دون أي رادع وعلى مرأى من العيون الأميركية الملبدة بالإرهاب, كيف لا وهو الذي أعلن أي " تنظيم القاعدة " قبل أن " تسخن المقاعد" من تحت المجتمعين في ويلز عن إنشائه فرعاً جديداً في الهند . على المقلب الآخر غابت علامات" القلق الغربي " عن الوجه الإسرائيلي الذي بدا طافحاً بالنشوة والسرور لانتشار المجموعات المسلحة " المولود التوأم لداعش " على جبهة الجولان, لا بل سارع لفتح أبواب مشافيه على مصراعيها لاستقبال جرحى تلك المجموعات, ومن دون أدنى حرج ,أدى وزير الطاقة سيلفان شالوم واجب الزيارة في مشفى بوريا في طبريا ,مصافحاً بحرارة أيادي المسلحين يشد من أزرهم ويثني عليهم لمواصلة الأداء المثالي لأدوارهم في مسلسل الحرب على سورية. إن كل الجهود الحثيثة التي يعمل الغرب على تظهيرها لجهة حشد الطاقات وتوحيد الإرادات في وجه الإرهاب والقلق من تداعيات ارتداداته إلى أراضيه, لن يغادر في اعتقادنا أطر العناوين البراقة , في حين مايحاك خلف الكواليس وما يدار من تحت الطاولة ومايختبىء في تفاصيل القضية, هو الشيطان بعينه ,وفي ذات السياق فإن كل ماتم تظهيره إعلامياً لجهة عنونة "مواجهة داعش" كعنوان عريض لقمة الناتوكان غائباً عن المضمون الرئيس لتلك القمة الذي تمحور في اعتقادنا حول تدارس الإجراءات التي تحد من الحضور الروسي الفاعل على الساحة الأوكرانية إذ تبدو لعبة المحاور على أشدها والكباش السياسي الروسي في ذروة عناده . مايثير الريبة تجاه نظرة الغرب " الجديدة" للإرهاب والتحول الطارئ على سلوكه هو تلك التجزئة للموقف من "داعش" وعدم تبنيه لنظرة موحدة تجاه الإرهاب, وإلا كيف نفسر ما سماه الغرب مرحلة ثانية للمهمة الدولية المتعلقة بمواجهة داعش في سورية, في حين عدّ مواجهته لذات التنظيم في العراق مرحلة أولى " ومن دون إرسال قوات برية " إضافة لذلك فلماذا تستثنى إيران من التحالف الدولي المزمع إنشاؤه ضد داعش؟؟ وكذلك لماذا تستبعد سورية المعني الأول والأكثر تعرضاً لويلات وحمم ذلك الإرهاب منذ أكثر من ثلاث سنوات, من أي ائتلاف دولي؟ وهي التي أعلنت غير مرة أنها في قلب أي تحالف أو ائتلاف دولي لمواجهة الإرهاب , ومن هذه الزاوية نتلمس عدم الجدية الغربية في التعاطي مع ظاهرة " داعش " التي تغدو اليوم الورقة السياسية التي تستخدمها الولايات المتحدة في فصول حربها الباردة مع روسيا في نسخة غير معدلة على الإطلاق عن ورقة تنظيم القاعدة التي تم استخدامها في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي . في اعتقادنا أن التحالف الدولي الذي تسعى الولايات المتحدة الأميركية لإحيائه وإن كان عنوانه العريض مكافحة الإرهاب هو استكمال للعبة المحاور وتصنيع الأحلاف لمواجهة ذلك الثقل الذي أفزرته الكتلة الدولية والإقليمية الجديدة الممتدة من لبنان إلى روسيا في محاولة حثيثة لكسر التوازن في ميزان القوى الدولي, تماماً كما فعل الاتحاد السوفييتي في خمسينيات القرن الماضي وتحديداً في العام 1955 عندما سارع لصياغة حلف وارسو مع المجر وبولندا وألمانيا الشرقية وبلغاريا وألبانيا ورومانيا لمواجهة التهديدات الناشئة عن حلف شمال الأطلسي ولاسيما بعد انضمام ألمانيا الغربية له , ولمن يريد أن يدرك ذلك فعليه أن ينظر فقط إلى جغرافيا الاستهداف التي يتحرك ضمنها " داعش " ,وإلى مناطق تغلغله ليتلمس حقيقة ما أسلفناه , أما فيما يتعلق "بالتلكؤ" الغربي أو تأخير تبني استراتيجية واضحة لمواجهة " الدولة الإسلامية " في سورية إنما يصب في خندق المزيد من الاستثمار والتعويل على قدرات " داعش " المتنامية على عين الغرب بهدف حصد مستويات قياسية من استنزاف القدرات واستهداف منظومة الردع التي تمتلكها جبهة المقاومة , وهي التي أعلنت أنه لايزال لديها مايعمي إسرائيل وتحولت نوعياً في خيارات تهديدها للكيان الصهيوني من السيطرة على الجليل إلى اليقين بدخول القدس . من العراق إلى ليبيا لاتزال الشواهد الدموية ومفاعيل الائتلافات والتحالفات الغربية – الأميركية تعشعش في ذاكرة الشعوب وقد حصدت أرواح مئات الآلاف بذريعة " نصرة الشعوب وتخليصها من الديكتاتورية " فكانت بحق الوجه الآخر للإرهاب لابل كانت ولاتزال الإرهاب بعينه , وهي المفاعيل ذاتها لما تريد الولايات المتحدة استيلاده من تحالف دولي ضد " داعش" ولما يعمل الناتو على تظهيره من حراك فاعل لمكافحة الإرهاب وما بينه وبين داعش سيل ٌ جامع ٌ من الإرهاب والدماء.
 *كاتب فلسطيني مقيم في سورية 
mbkr83@hotmail.com