بقلم: سمير الفزاع
منذ العام 2011، ولأسباب عديدة، يقف على رأسها قدرة سورية وحلفائهاعلى إلغاء وجود الكيان الصهيوني إذا لزم الأمر؛ شنّ عليها حلف العدوان، بذريعة "الربيع العربي"هجوم "أبرد" من الحرب المباشرة بصورتها الكلاسيكية المعروفة كالحالة الليبية، و"أسخن" من الحرب الباردة كما رأينا في الحالة المصرية. حرب مؤذية وقاسية وصاخبة، فيها الكثير من الدماء، مدنين وعناصر الجيش العربي السوري والقوى الأمنية ومفكرين ورجال دين ومخترعين وقيادات عسكرية مهمة... وتخريب ممنهج لقطاعات عسكرية حساسة، وإغتيال طيارين عسكريين وعلماء الصواريخ والالكترونيات ومختصون بمكافحة التجسس والحرب الإلكترونية، وتدمير لمنصات الدفاع الجوي وشبكة الرادارات والمطارات العسكرية، والبحث المستميت عن مواقع منظومات الصواريخ البالستية... والهدف الرئيس من هذا النوع من الحروب، فرض "شروط الهزيمة أو الإستسلام" على الخصم بأقل قدر من الخسائر، وسحب ذرائع الحرب المباشرة معهم من يده. والوصول إلى مرحلة الشراكة الكاملة في رسم مستقبل البلد المستهدف "والمقصود هنا سوريا". صحيح أنّ هذا النوع من الحروب لا يحقق انتصاراً "كاسحاً"، ولا يفرض على الخصم إنكساراً معلناً، غير أنه -إن نجح- سيفضي الى إنتهاك عميق للسيادة، وخسارة كبيرة لإسقلال القرار الوطني. نجحت سورية بكسر إرادة الحرب الكلاسيكية لدى خصومها، وهي تنجح اليوم على نحو مذهل في كسب حرب العصابات التي تخوضها ضد المجموعات الارهابية والمرتزقة. لجأت واشنطن إلى ما يمكن تسميته بالخيار المرّ، داعش. أي الخيار الذي تتساوى فيه نسب الخطورة مع نسب النجاح. فأمريكا إستخدمت هذا الخيار في فلسطين وأفغانستان والعراق ونيجيريا... وكانت النتائج عكس ما توقعت واشنطن وخططت؛ ما أوصلها إلى مرحلة الإنهيار الإقتصادي بالرغم من الثروات الهائلة التي تكتنزها وتنهبها، والعجز العسكري بالرغم من القدرات المرعبة التي تمتلكها، والفشل السياسي بالرغم من الإمكانيات الضخمة القادرة على تسخيرها. أي مرحلة تعيشها المنطقة والعالم؟ وما هو مستقبل الصراع في المنطقة؟. هذا ما سأحاول الإضاءة عليه بأقل قدر من التفاصيل والمعلومات في هذه العجالة.
* أي مرحلة تعيشها المنطقة والعالم؟
التاريخ ليس كتلة ميتة من الأحداث؛ بل هو مزيج من الوقائع والأحداث التي مضت، ولكنها حيّة، بما حملته لنا في ثناياها من صورة الغد، والإحتمالات التي سيتموضع اليوم والمستقبل عليها. لا يوجد هناك قطع تام بين الأمس واليوم والغد، الأمس يؤشر على اليوم، ويمنحه جزء كبير من حقائقه وتفاصيله، ويحمل في طياته وتعرجاته بعض من صورة الغد وشكله. في الأمس القريب حصل ما يمكن له أن يشرح لنا جزء كبير مما نحن فيه اليوم، وإن كان لا يشبه تماماً؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه، و"لا يمكنك أن تغتسل بماء النهر مرتين" كما قال أحد الفلاسفة. سأذكر هنا بثلاثة أحداث كبرى، مثلت دليل عملي على ظهور نظام عالمي جديد، وإختفاء آخر، وبروز قوى كونية جديدة، وتراجع أخرى، ما بدل العلاقات الدولية، وخرائط النفوذ، وطبيعة وشكل الصراعات، وتمركز المال والسياسية والسلاح... وتشبه إلى حدّ بعيد جداً -في ذات الوقت- ما يحصل اليوم.
في العام 1953، يزور فوستردالاس، وزير الخارجية الأمريكي، مصر، ويتوقف في تل أبيب، ثم يغادرها إلى الأردن وسورية ولبنان والعراق والسعودية، حيث شعر بالكره الشديد الذي يكنّه العرب للصهاينة، وعمق العداء للإنجليز، وقلة اهتمامها بالاتحاد السوفيتي، وتوّج رحلته بزيارات قصيرة إلى كلٍّ من الهند وباكستان وتركيا واليونان وليبيا. وفي الهند، قال:"أعتقد أن من الأهمية بمكان، أن تنشأ منظمة دفاعية إقليمية في "الشرق الأوسط"؛ إذ من المكلف جداً، أن تنشئ دوله مؤسسات دفاعية خاصة بها بشكل منفرد؛ فالنظام الجماعي أقلّ نفقة، وأدعى للاعتماد عليه. وليس لدي تصورات محددة بدقة في شأن نوع المنظمة التي ينبغي إنشاؤها، ولكنني آمل أن يكون هناك نوع ما من التطور الإقليمي، نحو الأمن الجماعي". عبّر "النشاط" الأمريكي عن نفسه في المنطقة بثلاث محطات كبرى خلال النصف الثاني من عقد الخمسينيات، لتحقيق أهدافه المعلنة، ملأ الفراغ الذي نتج عن تقهقر الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، السيطرة على مستعمرات هاتين الإمبراطوريتين، ومنع تمدد الإتحاد السوفيتي إلى المنطقة، وضمان أمن الكيان الصهيوني، والسيطرة على منابع النفط وخطوط الطاقة:
# حلف بغداد
يمكن تحديد بداية حلف بغداد بالرابع والعشرين من شباط 1955، عندما عقدت تركيا والعراق ميثاقاً ينص على "تعاون الدولتين في مجالات الأمن والدفاع، وتُرك باب العضوية مفتوحاً أمام الدول التي يعنيها الدفاع عن السلم والأمن في منطقة الشرق الأوسط من الخطر الشيوعي". وقد تلا عقد هذا الميثاق انضمام بريطانيا إليه في نيسان 1955 وأعقب ذلك انضمام الباكستان في تموز عام 1955 وإيران في تشرين الثاني عام 1955 وأصبح هذا التحالف معروفاً بحلف بغداد. وقد أخفقت مساعي نوري السعيد رئيس وزراء العراق آنذاك بإقناع عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر وسورية، بالانضمام إلى الحلف لقناعة هذه الدول الصحيحة بأن مصدر الخطر الحقيقي على المنطقة يتأتى من الكيان الصهيوني وحلفائها الذين يقفون وراء الحلف وليس من الاتحاد السولندن، واشنطن، دمشق، وشيء من التاريخ
2014-09-27
