2026-09-15 07:57 ص

هل رحلت الفكرة ؟

2012-11-04
بقلم: علي محمود الكاتب

 
لم أعرف رجلا مثله بحياتي ورغم أنى قد قرأت قصص كثيرة عن بطولات لزعماء ورؤساء بشتى أنحاء العالم الا انه كان فريداً !!!

أنه الختيار كما أحب هو مناداته بهذا اللقب ، توقن وأنت في حضرته انه قوي كالبحر، عميق الجذور كشجرة الزيتون الرومانية ، شامخ للعلا كالكوفية السمراء تلامس عنان السماء !!!

هو رجل حينما يتعلق الأمر بقرار مصيري وطفلاً حينما ينظر لعيون أمهاتنا الثكلى ، قضية ورمز ابدي لأشرف القضايا المعاصرة ، أتخيله مآذنة للقدس وطريقاً شاقة غير معبد نحو الحرية .

التقيت به في إحدى بقاع الأرض ودار بيننا حديث أشبه في رقته بحديث العاشق لعشيقته والشاعر لقصيدته شعرت حينها بصلابة الأب وحنان الام ، فهو من يستطيع جمع هذه الصفات في آن واحد ،وأيقنت كم هو حكيم وحنون ورائع وجسور…..

مازلت أتذكر حبه وتكراره الدائم للحديث النبوي الشريف ….

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لا يَضُرُّهُمُ مَنْ خَالَفَهُمْ؛ إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَائِهِمْ كَالإِنَاءِ بَيْنَ الأَكَلَةِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَفْنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

كان رجل الأزمات فلديه المقدرة على الإدراك السريع للمشكلة والقدرة المتناهية على فك رموز حلولها ، فقد قالت عنه كلود ليوستيك : نائبة رئيس جمعية التضامن الفرنسية الفلسطينية كلما اقتربت أكثر من الرئيس عرفات اكتشفت مدى عظمته و مقدرته ، فهو يتعامل مع الأزمة بحنكة عالية وإدارة ممتازة و شجاعة لا متناهية وصبر كبير …..

رجل أمضى سنوات عمره في التنقل من خندق إلى خندق ومن متراس إلى متراس ومن طائرة إلى طائرة يحمل بين جنباته أحلام ملايين اللاجئين .

ذهب إلى لبنان .. ليقود المعركة من هناك ، ومن بيروت طاف العالم ليعلن ان هناك شعباً له وجود على أرض الواقع واستطاع ان يفرض منطق الحوار ومنطق السلام فكان يحمل غصن زيتونة ويلوح بالبندقية ، وجاء اليوم الذي أعلن فيه قيام الدولة الفلسطينية …

لقد عاش لأجل فلسطين .. وأستشهد لأجل الثورة..كان فلسطينيا قبل أن يكون فتحاويا..

وكان همه الأول أن يحيا الفلسطيني مرفوع الرأس و كان أب للجميع.. أب للكبار والصغار..

هو رجل كان يهابه القادة والملوك هيبة الفارس الهمام …..

هو رجل لم يخشى يوما الاغتيال أو هو رجل الحصار أو هو القائد…. أو هو الأسطورة ….

لا احد تحديدا يستطيع ان يقدم تعريفاً او وصفاً كاملاً وموحداً لهذا الشامخ….

لكن الجميع اتفقوا على انه شجرة السنديان في زمن الهوان والانكسار والهزيمة…

جسده رحل وبقت الفكرة لم ترحل ، خالدة فينا لأنه علمنا كيف تعشق الأوطان ؟ وكيف تعشق البندقية ….، وكيف تعشق الزيتونة؟

عن "بانوراما" الشرق الاوسط