2026-09-11 09:54 م

الإمبراطورية الروسية...تعود لتكون قوة عظمى من جديد

2014-11-11
بقلم: الدكتور خيام الزعبي* 
تلعب روسيا اليوم دوراً محورياً في العديد من القضايا الإستراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي، كان أبرزها الأزمة الأوكرانية عندما ضمت القرم بسرعة خاطفة من خلال سياسة المواجهة المباشرة مع الغرب، بينما كانت العقلانية السياسية الناعمة إستراتجيتها لفرض نفسها كقوة عالمية عظمى عندما تمكنت من تغيير قرار خصمها الأمريكي في القضية السورية، وشيئاً فشيئاً بدأت دولة الدب الروسي تستعيد جاذبيتها على الصعيد الدولي، على حساب التراجع التكتيكي للنفوذ الأمريكي، وذلك من خلال بناء بروتوكولات دبلوماسية عسكرية مع دول منطقة آسيا، فربما تستطيع روسيا اليوم من خلال سياسيتها البرغماتية سحب بساط الهيمنة من غريمتها أمريكا خصوصا وبدأت بالتوجه نحو هذه المنطقة بحثاً عن مصالح إستراتجية غير مكلفة. سورية لم تكن محطة الخلاف الوحيدة بين واشنطن وموسكو في منطقة الشرق الأوسط، فعلاقات مصر مع أمريكا أصابها العديد من الإضطرابات نتيجة تردد الإدارة الأمريكية في تحديد موقفها من الإطاحه بالرئيس الأسبق محمد مرسي، مما شكل نفوراً ضدها في طرفي النزاع، على عكس روسيا التي فضلت الوقوف بجانب القاهرة وظهرت كحليف للجيش المصري خاصة بعد تأجيل واشنطن إرسال بعض المعدات العسكرية للقاهرة، كما كان لزيارة الرئيس السيسي لموسكو أثر كبير على الإدارة الأمريكية، من خلال بناء تحالف روسي- مصري يضرب المصالح الأمريكية في القاهرة والشرق الأوسط، أما فيما يخص إيران وعلاقاتها مع موسكو وواشنطن، فإنه وبرغم الإنفراجة الأخيرة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، فقد ظلت روسيا الأقرب إلى طهران، نظراً لوجود عدة تفهمات مشتركة حيال العديد من قضايا الشرق الأوسط، لا سيما في مقدمة هذه المصالح الوضع في سورية، حيث تدعم طهران وموسكو النظام السوري القائم هناك بعكس واشنطن التي تساند المعارضة والجماعات المسلحة، فضلاً عن موقف روسيا من البرنامج النووي الإيراني وما تبذله من مجهودات لعرقلة إتخاذ قرارات أكثر تشدداً حيال طهران، أما اليمن الذي تنأى فيه روسيا بنفسها عن التدخل في الصراع الدائر هناك، تصعد أمريكا من الغارات التي تشنها عبر الطائرات بدون طيار والتى يقتل فيها آلاف المدنيين بالبلاد، مما يغذي مشاعر الكراهية والغضب ضد أمريكا، كما أن الخراب والدمار الذي يحل على البلاد التى تنوي الإدارة الأمريكية التدخل فيها، كان من دواعي سقوط شعبية الرئيس أوباما حيث أنه لم يستطع أن يثبت أنه رجل السلام مثلما كان يدعى، فلم تعد العراق أو أفغانستان وليبيا.....أفضل حالاً بعد التدخلات الأمريكية. وعندما وصل الرئيس أوباما إلى بكين، لتجديد جهوده الرامية إلى إعادة تركيز السياسة الخارجية الأمريكية نحو آسيا، وجد الرجل "بوتين" الذى طالما تسبب فى إحباط له خلال الفترة الأخيرة، ليجد روسيا زادت تقرباً من الصين، مما يمثل تحدياً عميقاً للولايات المتحدة، ومحاولة لإحداث إنقلاب فى النظام الدولي من خلال تشكيل إئتلاف ضد ما تصفه كل من موسكو وبكين بالغطرسة الأمريكية، خاصة أن موسكو تسعى إلى صفقات إقتصادية وعسكرية مع الصين، وتنظر إدارة أوباما إلى جهود بوتين نحو مزيد من الشراكة مع بكين بإعتبارها لكمة لواشنطن، بمعنى أن هذا التقارب الصيني الروسي رسالة واضحة إذا أقدمت الولايات المتحدة وأوروبا على عزل روسيا فستتطلع موسكو شرقاً لإبرام الصفقات التجارية وإتفاقات الطاقة والعقود العسكرية والتحالفات السياسية، كما سعت روسيا إلى استعادة مكانتها على الساحة الدولية من خلال بناء تحالفات تمثلت في منظمة شنغهاي للدفاع والتعاون المشترك ومجموعة دول البريكس التي تضم في صفوفها غالبية سكان العالم والتحكم بإقتصادياته، وبالمقابل تعاني أمريكا من وضع إقتصادي متردي ومن بطالة مستشرية بين صفوف مواطنيها كما أن إقتصادها لم يتعافى من الهزات التي تعرض لها، بالإضافة الى خسارتها في حروبها في أفغانستان والعراق فضلاً أن هناك أصوات أمريكية تتعالى إحتجاجاً على السياسة الأمريكية الخارجية وهناك أصوات تعتبر إسرائيل عبئا أمنياً على الإقتصاد الأمريكي خاصة إن ما تقدمه الحكومة الأمريكية من دعم لا محدود لإسرائيل يكلف الخزينة الأمريكية مليارات الدولارات، ومن هنا يمكن القول أن الرئيس بوتين يحاول لعب جميع الأوراق الدبلوماسية بصبغة براغماتية على المستويين المحلي والدولي، وهو ما سمح له بقيادة روسيا منذ اكثر من عقد بيد من حديد، فضلا عما يمتلكه من الحنكة السياسية جسدتها طموحاتها المحلية والدولية التي تمهد الطريق لإعادة توازن القوى مع الغرب وخاصة أمريكا من خلال التطور الاقتصادي والعسكري المتصاعد في الاونة الأخيرة. على ضوء ما حصل في السنوات الأخيرة بعد الحرب الروسية- الجورجية في 2008، وبعد التطورات في سورية وإيران، والتراجع الأميركي في ظل إدارة أوباما، يبدو أن زمن العولمة الشمولية المتزامن مع مرحلة الفوضى الإستراتيجية في العلاقات الدولية، لن يدفع باتجاه التطور الإنساني والعالم الأفضل، بل نشهد العودة إلى الهويات القاتلة على تنوعها، وإلى عصر الإمبراطوريات، في إطار هذا يبدو أن التاريخ يقف إلى جانب بوتين وقناعاته النظرية وحماسته القومية، فأمته حكمت شعوباً لقرون عديدة وأخضعت ممالك وبلداناً وهزمت أكبر جيوش العالم وقادته، إذ تجمّدت جيوش نابليون فوق أراضيها، وتلاشى حلم هتلر في قيادة العالم حين قرر عبور حدودها الشاسعة. بالتالي يمكنني القول إنه في المدى المنظور، ستستمر معركة شدّ الحبال بين روسيا والولايات المتحدة، وفي شكل أقوى في منطقة الشرق الأوسط، مع إحتدام الأزمة السورية والتباعد الشخصي والسياسي بين أوباما وبوتين، وخاصة بعد أن حمل بوتين أوباما مسؤولية إنتاج الأزمات الراهنة في الشرق الأوسط والهدف تغيير الوجه الحقيقي للمنطقة وتقسيمها الى دويلات لتبقى اسرائيل اليد العليا والقوة الوحيدة عسكرياً، وخلق قوس من عدم الإستقرار والفوضى والعنف، يمتد من لبنان الى فلسطين وسوريا والعراق، والخليج وإيران وصولاً الى حدود أفغانستان الشرقية والشمالية، مروراً بدول شمال إفريقيا. وأختم مقالي بالقول، هناك تغيير كبير حاصل الآن على المسرح الدولي بما فيه من تراجع ثقل وتأثير واشنطن وتقدم موسكو وعودتها بكل زخم وقوة لمقارعة واشنطن، وقضية سورية أحد تلك المؤشرات، وبالتالي فإن الصراع الروسي الأمريكي على سورية سوف يرسم طبيعة العلاقات في الشرق الأوسط، بإختصار شديد لم تعد موسكو اليوم مجرد عاصمة كبرى، أو إحدى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بل أصبحت عاصمة روسيا الاتحادية التي استطاعت أن تنافس واشنطن على مقعد رئاسة مجلس إدارة العالم.
*صحفي وأكاديمي 
Khaym1979@yahoo.com