2026-09-11 09:54 م

هل ستغلق معركة عين العرب الجبهة الشمالية؟

2014-11-11
بقلم: سمير الفزاع
تُفسر المقولة الإستراتيجية، "الحرب، سياسة ولكن في ميدان المعركة" وبديهة ، أن الحرب تخدم هدفاً - أهدافاً سياسية، الكثير من "قصص" الحروب. ويندر أن نعثر في التاريخ البشري على حرب اندلعت دون مبرر- مبررات، ولم تشتعل لتحقيق هدف - أهداف. غالباً ما يحاول الطرف المعني بإشعال الحرب إلى صوغ أهدافه، أو"تغليفها" بمبررات، وطنية وإنسانية وأخلاقية... لضرورات داخلية وأخرى خارجية، فالحرب "فعل بشري لا يمكن الإقدام عليه، دون عملية "ترويج عميق" تقنع الناس ببذل أرواحهم رخيصة، والتخلي عن رفاههم الاجتماعي والاقتصادي، لتحقيق هدف ما". هذا ما فعلته واشنطن دائماً لتبرير غزوها لدول تبعد عنها ألاف الكيلومترات، متلطية خلف إدعاءات، كالتخلص من أسلحة الدمار الشامل، ومقاومة المدّ الشيوعي، ومحاربة التطرف... . عموماً، يتحكم بنتائج الحرب شرطان أساسيان، العامل الذاتي، ويتعلق بالقيادة القادرة على تحويل الحرب إلى قضية وطنية جامعة، والماهرة في تسخير الإمكانات لتحقيق النصر، كما يتعلق بالقدرات العسكرية والاقتصادية... وتوفير حشد بشري مؤهل وقادر على نحو ممتد لتحقيق أهداف الحرب. وعامل موضوعي، يرتبط بالعلاقات الدولية، ومناطق النفوذ، وموازين القوى الكونية... . ولإظهار أهمية التكامل بين هذين العاملين، أذكّر على نحو مركز جداً بمأساة احتلال صدام حسين للكويت، فالعراق كان "يمتلك" القدرات الذاتية على نحو شبه كامل لتحقيق نصر سريع وحاسم على الكويت، وقد احتلها فعلاً خلال ساعات، ولكن ميزان القوى الدولي كان مختل بشدة ويميل بكليته لصالح أمريكا؛ بل إن واشنطن كانت تدخل عصر التفرد بقيادة العالم، فممنوع تغيير الحدود السياسية وخرائط الثروات دون "مباركة" البيت الأبيض. فكانت المأساة المعروفة، وما زالت التداعيات المدمرة لهذا الخطأ الإستراتيجي الكارثي، تلاحق العراق والأمة العربية والعالم قاطبة حتى هذه اللحظة. # الجيش العربي السوري يحطم أحلام واشنطن، ولكن...: منذ معركة القصير في تموز 2013 ، والميزان العسكري والسياسي والشعبي… يميل لصالح الدولة السورية ؛ حيث تمّ تطهير مساحات واسعة جداً في دمشق وريفها دمشق، ونجحت باستعادة مدن وبلدات القلمون، وكامل مدينة حمص وجلّ أحيائها القديمة وريفها، وتطهير المنطقة الممتدة من معامل الدفاع في السفيرة وصولاً إلى سجن حلب المركزي، والإطباق على عشرات الألآف من الإرهابيين في أحياء حلب القديمة، وتطهير ريف حماة حتى أصبح فتح طريق حماه-حلب الدولي أمر في متناول اليد… أي أن سورية استوعبت صدمة الهجوم المباغت والمركب بداية العام 2011، وشرعت في الهجوم المعاكس منتصف العام 2013، ونجحت في هزيمة العدوان ومحاصرة نقاط تمدده إلى حدّ كبر جداً… وراح مشروع العدوان يلفظ أنفاسه الأخيرة، وانتظرت الناس نهاية الحرب على سوريا –مع أو قبل– نهاية العام الحالي. لكنّ إسقاط هذا "المشروع" وانتصار سورية وحلف المقاومة عليه، سيكون له تداعيات كبرى على شكل ومستقبل المنطقة، ولن تكون لصالح أصحاب هذا المشروع، من أمريكيين وصهاينة وحكام عرب وأتراك وغربيين. مثلاً، بعد انتصار سورية وحلفائها، ما هو مستقبل الكيان الصهيوني، ومصير حكام دول البترو- دولار ، وحال 40% من طاقة العالم تقريباً؟. لذلك، كان أمراً مصيريّاً لحلف العدوان على سورية، فتح جبهة/جبهات جديدة في ميدان المعركة، لمنع أو تأجيل هذه الكارثة الوجودية، انتصار سورية وحلفائها. تأكدت واشنطن منذ العام 2013، أن مجموعاتها الإرهابية في سوريا بدأت تخسر الحرب، فاضطرت للذهاب إلى مؤتمر جنيف 22/1/2014 بعد رفض انعقاده لعدة مرات للبحث عن تسوية إقليمية-دولية ما. لكن، هناك جبهة واسعة من أدوات واشنطن الإقليمية والدولية التي ذهبت في العداء لسورية إلى أبعد الحدود، وصار إسقاط سورية وقائدها الرئيس بشار حافظ الأسد قضية حياة أو موت، ويقف على رأس هؤلاء، مملكة آل سعود، وأردوغان وفريقه، وفرنسا والكيان الصهيوني، بعكس قطر التي هيأت نفسها لإعادة التموضع بترحيل الحمدين واستلام تميم مقاليد الإمارة. شعر هؤلاء بأن واشنطن تركتهم لوحدهم في الميدان، فعارضوا بقوة أي خطة سياسية تُنهي الحرب على سورية؛ بل عمل بعضهم على محاولة "توريط" واشنطن في حرب مباشرة على سورية، وإن باستخدام غاز السارين في خان العسل وغوطة دمشق، أو برعاية داعش وإقناعها بأهميّة هذا "الاستثمار" ومنحه الوقت اللازم!. # ما هي الأهداف التركية الكامنة خلف المشهد الذي نراه في عين العرب؟ * فك العزلة عن تركيا: إذا ما قارنا علاقات تركيا بالمنطقة العربية خلال أعوام مضت، واليوم، سنجد بأنها تعيش عزلة مطبقة في هذا الوسط، وباستثناء دولة أو اثنتين، فلا يوجد عاصمة عربية واحدة مستعدة لاستقبال أردوغان أو أحد من طاقمه الحاكم. وإذا ما حاولنا الالتفات إلى الميادين الأخرى، ثقافية، تجارية، اقتصادية... سنجد الأمر ذاته. فهي تحاول أن تبقى "حاضرة" في خريطة المنطقة ولو على حساب دماء وأرواح السوريين والعرب والكرد. * الإنتقام من سورية: صار من المسلم به، أن أردوغان وفريقه أسرى لمشروع عثماني سلجوقي، يضم معظم أجزاء الإمبراطورية العثمانية على نحو مباشر أو غير مباشر. لقد إستخدموا لإقامة هذه الإمبراطورية -التي تحدثوا عنها مراراً، وكانت إحداها في جامعة القاهرة- أقصى ما يمكنهم، ولجأوا إلى الممكن وغير الممكن، والمعقول وغير المعقول، وشنوا أقذر أشكال الحروب، التطهير العرقي، الإبادة الجماعية، القتل الشنيع والمبالغة فيه... بكل صدق وموضوعية، كاد هذا المشروع أن ينجح لولا صمود سورية قيادة وجيشاً وشعباً، ولنتذكر هنا الحوار الذي جرى بين الرئيس بشار حافظ الأسد ووزير الخارجية داود أوغلو في اللاذقية في المرحلة الأولى من الحرب على سورية. * عين العرب، أربيل سورية: إجتاحت داعش مناطق واسعة في العراق منذ 9 آب، ولكن واشنطن لم تتحرك إلا عندما بلغت داعش مشارف أربيل، وهذا تحديداً السيناريو الذي حاول إردوغان تطبيقه في عين العرب. لقد توقع أردوغان أن تسارع واشنطن إلى نجدة الكرد في عين العرب كما فعلت بأربيل، عندما جعلت منها منطقة "آمنة" بفعل طائراتها الحربية التي لا تغادر أجوائها، وألآف الخبراء والجنود الأمريكين والغربيين الذين تدفقوا إليها... لكن أمريكا تعرف حدود قوتها، وتداعيات مثل هذا العمل، وتعلم أن لا نفط أو قواعد تجسس لها في عين العرب، فأعلنت إن عين العرب خارج إستراتيجيتها لمحاربة داعش. * "تأديب" الكرد: لا يمكن لأي عاقل أن يشك بأن هجوم دعاش على عين العرب جاء بأوامر تركية مباشرة، لإيصال رسائل تهديد وتأديب بالدم والنار لأكراد سورية والعراق وتركيا، بأن لا حياة لكم إلا برضى تركيا، ولا إدارة ذاتية إلا ضمن السقف الذي تحدده تركيا، ولا رئة تتنفسون بها إلا الرئة التركية... فلا إستمرارية لإقليم كردستان العراق، ولا للادارة الذاتية في سورية، ولا نتائج للعملية السلميّة التركية-الكردية في تركيا، إلا بحدود الرضى التركي، ووفق مصالحها. * تأكيد المكانة: حاولت تركيا إستعادة مكانتها المهتزة بعد تداعي مشروعها الإخواني في المنطقة، وفشلها السياسي الذريع، عبر القيام بعمل "سينمائي" على طريقة "مراد علم دار" الذي يتدخل في اللحظات الأخيرة فينقذ الموقف، لتبتز واشنطن وحلفها، وتستعيد شيء من مكانتها الضائعة. لقد سمحت تركيا لكاميرات وعربات البث المباشر بالوقوف على التلة المشرفة على عين العرب من الناحية التركية، لتبث مباشرة قصف داعش لها، والسيارات المفخخة التي تفجرها في خطوط دفاع المقاومين الأبطال عن المدينة، وحالات النزوح الجماعي للسكان... وفي نفس الوقت تصور الدبابات التركية المنتشرة على الحدود والمستعدة للتدخل، ولكن ليس قبل الإتصال بالسلطان العثماني، أردوغان، وإستجدائه والخضوع لمطالبه. * المقايضة: "تعتقد" تركيا أن أداتها الوحيدة القادرة والفاعلة في سورية هي داعش، ولن تتخلى عنها بسهولة، ودون ثمن يوازي ثقلها على الأرض. هناك الكثير من الدلائل التي تؤكد بأن داعش "تحولت" لأداة تركية إلى حدّ بعيد، ومنها: 1- قبيل هجوم داعش على نينوى تم رصد حوالي 1500 سيارة رباعية الدفع دخلت الاراضي السورية عبر تركيا. 2- تقرير مدعي عام أضنه حول الشاحنات التركية التي كانت تحمل السلاح والذخائر بإشراف المخابرات التركية لداعش في سورية. 3- العدد الكبير من القتلى الأتراك في صفوف داعش، وجزء منهم خدم في المؤسسة العسكرية التركية. 4- كان القنصل التركي "المحتجز" لدى داعش ومعه العشرات من الدبلوماسيين وأفراد عائلاتهم في مبنى القنصلية بالموصل، قادر على الإتصال مع وزارة خارجيته مرتين إلى ثلاثة يوميّاً، وطوال مدة الإحتجاز، وأفرج عن هؤلاء جميعاً دون أدنى أذى، وبعد هجوم داعش على عين العرب بساعات. 5- لم تترك داعش مسجداً أو مزاراً أو قبراً أو مقاماً... إلا ودمرته، ولكنها لم تمس بسوء قبر جد عثمان "سلمان شاه" الواقع ضمن سيطرتها منذ أشهر طوال. # كلمة أخيرة: أراد أردوغان عبر عربات وكاميرات البث المباشر المنصوبة في الجانب التركي على الهضبة الواقعة في بلدة "مرشد بينار"، والمطلة على عين العرب، أن يبتز العالم، وهي تنقل مباشرة سحق داعش لعين العرب، وتوثق عبور دباباته إلى الأراضي السورية، وترصد فرضه المنطقة الآمنة، والأجواء المحظورة على سلاح الجو العربي السوري... لكنّ صمود عين العرب، والزحف المستمر للجيش العربي السوري بإتجاه حلب والريف الشمالي، ورسائل التهديد العلنية والسرية التي سمعها أردوغان ومسعود برزاني... من القيادات الوطنية الكردية، وسورية وإيران وروسيا، عكست مهمة تلك الكاميرات؛ حيث باتت ترصد غرق دبابات أردوغان في وحل خنادقها، وتوثق عجزه المطلق عن إجتياز شبر واحد من أراضي الجمهورية العربية السورية، وتسجل تداعي خططه لفرض منطقة آمنة محظورة الأجواء، وترصد مباشرة خسارة أردوغان لطوق نجاته الأخير من إنفجار سلسلة من القضايا فضل الهروب منها إلى حضن داعش. بكل المقاييس، سيكون ليوم 19/10 عندما أنزلت واشنطن السلاح والذخائر لعين العرب بالمظلات، تداعيات كبرى على علاقة واشنطن بأردوغان، وتطور المشهد الميداني السوري، وآفاق الحرب عليها. لقد أذلت واشنطن أردوغان حدّ الإهانة، لم يستقبله أوباما، وخسر بفارق كبير مقعد غير دائم في مجلس الأمن، وفضح نائب الرئيس الأمريكي علاقته بالجماعات الإرهابية، وأبلغه أوباما قراره بإلقاء السلاح والذخائر لمن يصفهم أردوغان بالإرهابيين بمكالمة هاتفية، وأدّعى أردوغان حينها بأنه إقترح على أوباما إرسال عدد من مقاتلي البشمركة لمساعدة عين العرب، ليتبين أن مسعود برزاني هو صاحب الإقتراح، وأن أوباما صاحب القرار، وأقتصر دور أردوغان على مراقبة البشمركة، ذليلاً مهدور الكرامة وهي تعبر الأراضي التركية وتحت حماية جنوده. أردوغان ومشروع يترنحان، فسافر ليحصل على دعم من يحتاج إلى الدعم، هولاند، ليطلقا معاً صرخة الغريق، أنقذوا حلب! وكأنهما يتحدثان عن أنقرة أو باريس. وداعش أصبحت "الجسر" الذي سيعبر فوقه الطرفان "ليبردا" المنطقة، وإلا فنحن مقبلون على إنفجار كبير، تحسبت له سورية على لسان "المعلم" مع جريدة الأخبار،عندما طالب روسيا بتوريد منظومات الدفاع الجوي أس300 وأسلحة نوعية أخرى، ليمنحها الصدارة في جدول أعماله مع الجانب الروسي عندما يزور موسكو آخر الشهر الحالي.

الملفات