تعود خيوط المشهد السياسي للمنطقة للتشابك مجدداً وبشدة, ولاسيما في المشهد السوري, إذ تحضر جملة من الأقوال والأفعال المتناقضة ودائماً لنفس الفاعل ولذات الموجه الأمريكي لكل تلك الفوضى ومشاهد الحريق الحاصلة على امتداد الجغرافيا التي لفحتها رياح " الربيع " , يعود الحديث عن مبادرات , وعن حلب التي شهدت تقدماً نوعياً, وعمليات دقيقة للجيش السوري لتأمين المدينة , تأتي طروحات المبعوث الأممي دي ميستورا لجهة تجميد القتال في المدينة لإيصال المساعدات الإنسانية والبدء بمفاوضات , رحبت القيادة السورية بكل الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب وحماية المدنيين ووصفت المبادرة بالجديرة بالدراسة , مجلة وول ستريت الأمريكية تكشف عن رسالة وجهها أوباما إلى مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية يطلب فيها المساعدة لمحاربة داعش في سورية والعراق من دون علم إسرائيل , مصادر سورية معارضة زارت موسكو مؤخراً أكدت أن أباوما أبلغ حلفاؤه من الغرب والعرب بضرورة التخلي عن فكرة إسقاط " النظام " السوري وأن الاهتمام في المرحلة الحالية يجب أن ينصب في مواجهة داعش مضيفة أن الجانب الروسي أكد لها أن غارات التحالف الدولي التي تستهدف داعش لن تتعدى مهمتها ولن تقوم بقصف مواقع للجيش السوري وذلك بحسب ما أوردته قناة المنار اللبنانية بتاريخ 9 / 11 / 2104 . فهل تصب السياسة الأمريكية فعلاً في خندق " التفرغ" لمواجهة داعش , أم إن مسلسل النفاق الأمريكي سيتسمر كعادته في عرض المزيد من المشاهد الالتفافية وصور التحشيد والتعويل ؟؟
بمجرد أن ينظر المراقب البسيط للعتب والانزعاج الذي وجهه وزير الخارجية السوري وليد المعلم لنظيره وصديقه لافروف بحسب ما جاء في الحوار الذي نشر جزءاً منه الكاتب الأردني ناهض حتر في صحيفة الأخبار اللبنانية مؤخراً , لجهة أسلوب مخاطبة موسكو لواشنطن وحلفائها الغربيين بالشركاء مبيناً " أي المعلم " أن هؤلاء أعداء وليسوا شركاء وهو ما تفاداه لافروف لاحقاً, إضافة لما صرح به الرئيس الأسبق للاتحاد السوفييتي غورباتشوف بأن العالم على شفا حرب باردة جديدة , يدرك المراقب مدى الكباش السياسي الحاصل بين الروسي والأميركي ويتلمس حدة النزاع وامتداداته وتداعياته والانقسام المحدد لطبيعة التحالفات المتشكلة في المشهد الدولي في محاولة لبسط الحضور الدولي الفاعل وانتزاع "الصدارة " ,ولايحتاج الأمر في هذا السياق للإدراك أيضاً , أن كل المشاهد والسيناريوهات التي تخطها الأقلام الأمريكية والتي تُظهر فيها الإدارة الأمريكية قدراً من المرونة وتدعي فيها الجدية في التوصل إلى حلول سياسية في الملفات العالقة ,إنما لا تساوي الحبر الذي كتبت به ولا تغادر إطار استراتيجية ازدواجية المعايير التي تنتهجها واشنطن في تعاطيها مع الحاصل على الساحتين العراقية والسورية وغيرها من الساحات, إذ تستمر في صياغة المزيد من أوراق الضغط وتصنيع الذرائع تطبيقاً لسياسة الإحراق من الداخل واستنزاف قدرات ومؤسسات الدول التي تتعارض سياساتها وسلوكها والمصالح الأمريكية – الإسرائيلية, في صورة واضحة تعكس مشهدية الاشتباك العنيف وفصول الحرب الباردة التي ترد تباعاً على مسارح النزاع واستعراض العضلات .
من المبادرة حول حلب إلى الحرب على داعش إلى ما أوردته مصادر فرنسية أن واشنطن تضع أمامها خيارات عدة للتعاون مع قوات على الأرض في الحرب ضد داعش ,من ضمنها قوات الدفاع الوطني في سورية , تبدو الأقنعة التي يحاول أن يتقنع بها الأمريكي " شفافة " للغاية وتظهر كل محاولات الالتفاف بوضوح في سلوكه وسياسته .
إذا ً ما هو المراد الأمريكي من كل ذلك " اللف والدوران " وأي مسعى ينحو باتجاهه ؟؟
في اعتقادنا أن محاولة الولايات المتحدة الأمريكية إشراك إيران في الحرب على داعش, إنما يصب في ذات الأهداف الأمريكية المتوخاة من الساحتين العراقية والسورية لجهة استنزاف القدرات العسكرية لها , وربما تغلغل داعش وتناميه ليطال مواقع داخل الأراضي الإيرانية قد يكون حاضراً بقوة في الأجندات الأمريكية خلال الفترة القادمة, في محاولة لإجبار إيران للانخراط في مواجهة تلافيف كرة النار الداعشية المتدحرجة على العين الأمريكية , كيف لا و"العناد "الإيراني لايزال في أعلى مستوياته, يواصل وفي ذروة المفاوضات الحاصلة فيما يتعلق بالبرنامج النووي وضع الخطوط الحمراء لجهة الرفع الكامل للعقوبات والتمسك بالحقوق النووية, وفي ظل ما يحكى عن قرب التوصل لاتفاق بهذا الشأن تستمر اللهجة الإيرانية بذات الشدة وعلى لسان رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني بأن بلاده تشكل أكبر قدرة صاروخية في المنطقة ما يجعلها ضامنة لأمنها واستقرارها, وهو بالتأكيد ما لا يسر و لا يطرب مسامع الإدارة الأمريكية ومن خلفها الكيان الصهيوني الذي لم يأل جهداً في جر الولايات المتحدة لمواجهة مباشرة مع إيران, وهو السلوك ذاته والاستراتيجية ذاتها التي لازالت تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة السورية, إذ وبالتزامن مع الحديث عن مبادرة لتجميد القتال في حلب, أكدت مصادر خاصة لصحيفة المنار المقدسية أن لقاءً عاجلاً جمع ممثلين عن الولايات المتحدة وتركيا والسعودية لمناقشة سبل دعم الفصائل المسلحة في الشمال السوري في محاولة لرفع "عزائمها" المنهارة إذ اقترح الجانب التركي فتح جبهات في المنطقة الشمالية ولاسيما في ريف اللاذقية في محاولة لتشتيت الضغط العسكري للجيش السوري في حلب وتالياً تعزيز قدرات المجموعات المسلحة هناك , تماماً كما حدث ويحدث في القنيطرة من تنسيق عالي المستوى وتحشيد للمجموعات المسلحة بإشراف إسرائيلي مباشر وماعقبه من تمركز لوحدة (ميتار) الصاروخية الإسرائيلية في المنطقة الحدودية , وهو بالتأكيد لم يكن ليحدث لولا الموافقة الأمريكية الضمنية, ما يؤكد خبث النيات الأمريكية وما يكرس النفاق في سلوكها وتوجهاتها نحو الحلول السياسية .
هي ذي السياسة الأمريكية تستمر في بطشها وغيها واستعلائها , لاراد ولامانع ولاصاد لتحركاتها واستراتيجياتها المتنامية بقدر تنامي الإرهاب , تتنامى معها اللاءات والرسائل الحازمة, وإظهار القدرات, الروسية – الإيرانية ,ولكن ليس بالقدر الكافي والرادع , ما يؤمن استمرار عرض مسلسل الأبلسة الأمريكية وتالياً الانتقال " السلس" من حلقة إلى أخرى ومن جزء إلى آخر .
* كاتب سياسي فلسطيني مقيم سورية.

