2026-09-11 07:29 م

الشعب الامريكي ينتفض ضد العنصرية والعنصريين

2014-12-04
بقلم : اكرم عبيد

قال الداعية الامريكي لحقوق الانسان المناضل مارتن بوثر كينغ الذي اغتالته رصاصات الحقد العنصري ،

" احلم ان اعيش انا واطفالي في مجتمع لا يكون الحكم فيه على الناس بألأوان جلودهم , ولكن بما تنطوي عليه اخلاقهم " .

لكن حلم ماتن لوثر كينغ لم يتحقق حتى اليوم بالرغم من وجود قانون الحقوق المدنية الامريكي لكن العنصرية مازالت اقوى من كل قوانين الادارات الامريكية المتعاقبة وهذا ما يؤكد ان المشكلة في نفوس البيض وليس في نصوص القوانين .

لذلك فان الاحتجاجات الشعبية الامريكية على مقتل مواطنين امريكين من السود  ليس حدثا عابرا ولا فرديا في مدينة فيرغسون بل سلوك عنصري يتكرر باستمرار كما اكدت بعض الدراسات الصادرة عن مركز الدراسات الافريقية الامريكية في جامعة كالفورنيا والتي اكدت ان 80% من المواطنين الامريكيين السود بتعرضون للتمييز العنصري رغم مرور 50 عاما على صدور قانون الحقوق المدنية ، الذي ألغى التمييز العنصري ووضع الأمريكي الأسود على قدم المساواة مع الأمريكي الأبيض في الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية.

لكن الحقيقة غير ذلك لان الاحداث اثبتت ان الممارسات والسلوك العنصري ما زال السمة الغالبة لدى معظم المواطنين الامريكان البيض من العرق الانكلوسكسوني .

 وفي منتصف شهر حزيران من العام 2014 تم قتل اربعة مواطنين امريكيين سود من اصول افريقية برصاص الشرطة كما اشارت مجلة ماذر جونس اليسارية الامريكية في تقرير نشرته قبل ايام قليلة وفي مقدمتهم مقتل الشاب ترايفون مارتن في سانفورد بولاية فلوريدا، الذي انتشرت أخباره حول العالم والذي قال عنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما: " أنا نفسي كان من الممكن أن أكون في مكان ترايفون مارتن".

ومنذ مقتل الشاب ذي الأصول الإفريقية مايكل براون في التاسع من أغسطس/ آب 2014 أصبحت هذه المدينة بؤرة لتجدد الجدل حول قضية العنصرية والاختلاف الطبقي والاقتصادي في المجتمع الأمريكي. وهنا يبرز التساؤل عن مدى انتشار التفاوت الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد تسببت هذه الجرائم العنصرية الدامية وأعمال العنف التي شهدتها شوارع مدينة فيرغسون في ولاية ميسوري الأميركية التي تحولت إلى ما يشبه ساحة حرب، بغضب شعبي كبير قد يتحول الى انتفاضة شعبية لمواجهة سياسة التمييز العنصري التي ما زالت راسخة بين اوساط المجتمع الامريكي ، من خلال العنف الذي تمارسه الشرطة الامريكية ضد السود ، ولم يكن مقتل الشاب الاسود مايكل براون على يد شرطي أبيض، تم تبرئته فيما بعد من قبل ما يسمى هيئة المحلفين المؤلفة من اشخاص منهم  من9 البيض و3 من السود،

 وهذه الجريمة تتجدد باستمرار في أكثر من مدينة أمريكية لتظهر الوجه الحقيقي لسياسة الادارات الامريكية المتعاقية والتي تتبجح بالدفاع عن حقوق الانسان والعدالة والديمقراطية المزعومة لسلطاتها الامنية والقضائية الموغلة في دماء المواطنين الامريكيين السود وغيرهم من الاعراق الاخرى .

ويرى المتخصص الأخصائي الاجتماعي دارنيل هانت، مدير مركز الدراسات الإفريقية - الأمريكية في جامعة كاليفورنيا أن ظاهرة عنف الشرطة الممارَس على السود لها جذورها وخلفياتها قائلا: "لدينا رئيس أسود لكن معظم الأمريكيين السود يعانون حاليا من سوء الأحوال الاقتصادية أكثر مما كانوا عليه قبل 20 عاما". إنهم مهمشون في جميع مجالات الحياة: فنسبة البطالة بينهم زادت خلال عقود إلى ضعف نسبتها بين البيض، كما أن مدخولهم المالي أقل بنسبة الثلث من متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة، ونسبة السود الفقراء أكثر ثلاث اضعاف من البيض، كما أن الاعتقالات والعقوبات في أوساطهم أكثر منها لدى البيض.

وتمثل هذه الاحتجاجات في ولاية “ميسوري” الأمريكية دليلًا قويًا على سياسة التمييز العنصري والعنف المسلط من قبل الشرطة، وتذكرنا بأنها نسخة طبق الاصل للاحداث في أواخر الستينيات في عهد الرئيس ليندون جونسون، والذي تمثل بانفجار الغضب الشعبي للامريكيين السود بعد أن قام البيض بتحقيرهم وإذلالهم، مما اضطر الرئيس الأمريكي لأن يدفع بالجيش الفيدرالي إلى الشوارع “لضبط الأوضاع”.

وأكدت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية أن حادثة القتل المتعمد للمواطن الامريكي الاسود لا تحتاج إلى تحقيق فيدرالي كي يوضح معالم التمييز العنصري وعدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية المنتشرة في تلك المقاطعة منذ عقود طويلة.

وكما يرى المحللون أن انتخابات باراك أوباما في حد ذاتها كانت دلالة لا تقبل الشك على أن المجتمع الأمريكي لا يزال رازحًا تحت أغلال العنصرية، فتصويت السود في انتخابات الرئاسة 2008 بأغلبية كاسحة وشبه مطلقة لأوباما أكد على أن معيار الاختيار عرقي وإن حاولوا تعليل ذلك بأنهم يريدون معالجة التفاوت في الرعاية الصحية والدخل والعدالة والتعليم .

وقد توهم بعض المواطنين الامريكان أن انتخاب الرئيس اوباما أول رئيس أمريكي أسمر سيطوي صفحة سياسةالتمييز العنصري في الولايات المتحدة إلى الأبد، التي ما زالت جذورها قابعة في وجدان معظم رغم مرور 50 عاماً على صدور قانون الحقوق المدنية الذي من المفترض أنه ألغى سياسة التمييز العنصري، ووضع ابنائ الشعب الامريكي على قدم المساواة بين السود والبيض في الحقوق والواجبات الوطنية وخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والقانونية .

لكن السحر انقلب على الساحر» وهذه حقيقة لا ينكرها القاصي ولا الداني في هذا العالم خلال الفترة الماضية وخاصة بعد محاولات الادارة ألامريكية التدخل في الشئون الداخلية لعدد من الدول في العالم بشكل عام وفي الشرق الاوسط بشكل خاص مثل سورية والعراق ومصر واليمن وغيرها تحت غطاء ما يسمى  حقوق الإنسان والديمقراطية المزعومة الملطخة بدماء الابرياء .

ورغم تبجح الإدارات الأميركية بالحرية والدفاع عن حقوق الإنسان المزعزم فإن المجتمع الأمريكي ما زال يعاني حتى اليوم من مظاهر متخلفة و مشاكل عديدة وفي مقدمتها سياسة التمييز العنصري التي تعتبر الوجة الاخرى لسلوك ومماسات مجرمي الحرب الصهاينة في الاراضي الفلسطينية المحتلةوخاصة في القدس المحتلة .

بالرغم من أنّ الدستور الأميركي يمنع التفرقة بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الدين أو غير ذلك إلا أنّ سياسة التمييز العنصري ما زال يتوارثها معظم الأميركيين البيض .

وهذا في الحقيقة لم يأت من فراغ، و إنما هو حقيقة وواقع ملموس تؤكدها الممارسات العنصرية التي تمارسها السلطة الامنية والقضائية ضد السود بالدرجة الأولى ثم العرب و المسلمين و أخيراً المهاجرين من مختلف دول العالم، ضد هؤلاء جميعاً رغم أن القوانين الأميركية تحرم مثل هذه الممارسات العنصرية البغيضة، ورغم أنّ العالم ينكر مثل هذه الجرائم بحق الانسانية بعد نجاحه في القضاء على نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا ''الأبارتيد''وها خير مثال على رفض المجتمع الدولي للعنصرية والتمييز العنصري في العصر الحديث هذا المجتمع الذي بقي عاجزاً عن طي ملفها في فلسطين المحتلة و أخيراً في الولايات المتحدة.

واليوم فالمشكلة الأكبر التي تواجه الولايات المتحدة ليست في عجز سلطاتها في التعامل بنجاح مع هذه الأزمة ذات الجذور التاريخية والنفسية والعقائدية المتغلغلة في المجتمع، ولكنها تكمن أيضاً في فجوة الثقة المتسعة بين  المواطنين السود والحكومات عموما، حتى ولو كان الجالس في البيت الأبيض رئيسا من صول افريقية سوداء .

لذلك فان سياسة ''التمييز العنصري والتوتر العرقي تحديان كبيران للديمقراطية الأمريكية ولاستقرار ووحدة المجتمع الأمريكي .

هذه هي الحقيقة لسلوك وممارسات السلطات الامريكية العنصرية بحق مواطنيها قبل غيرهم في الوقت الذي تتشدق فيه بالدفاع عن حريات الشعوب وحقوق الإنسان والديمقراطية ومحاربة الديكتاتورية وهي تمارسها اليوم في أبشع صورها واشكالها ضد مواطنيها السود، وهذه مفارقة كبيرة فيما تدعيه الولايات المتحدة من حرص مزعوم على الحرية والديمقراطية ومناهضة كل أشكال التمييز العنصري , وما تمارسه على أرض الواقع من نفاق سياسي وازدواجية في المعايير في التعامل مع هذه القضايا لتضليل الراي العام العالمي وخاصة بعد لعب دور المعلم الذي يعطي المحاضرات والدروس للدول والشعوب الأخرى للوفاء بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان . .‏ 

akramobeid@hotmail.com

الملفات