لا نذيع سراً عند التحدث عن قناة الجزيرة القطرية بأنها لعبت دوراً رئيساً وعاملاً مهماً في تصدر المهمة التي أوكلت إليها أمريكياً مع بداية اندلاع الحريق العربي لجهة تصدير جملة من الأكاذيب وصياغة المصطلحات واللعب على الألفاظ ,في محاولة لتصوير الحاصل على امتداد الجغرافيا التي لفحها ماسمي زوراً وبهتاناً " ربيعاً عربياً " , على أنه يصب في سياق الحرب الأهلية إضافة ً إلى العمل الحثيث على تأجيج النار الطائفية بين أبناء الوطن الواحد وتأليب الطوائف والمذاهب بعضها على بعض , ‘إذ دأبت القناة على تقديم البرامج التي تخدم تلك الأهداف الخبيثة وتحقق الرغبات الصهيو- أمريكية .
مع بداية ظهور وانتشار وتغلغل " داعش " في المنطقة حرصت القناة كل الحرص على عدم التلفظ بلفظ " داعش " سواء ً عبر نشراتها وعواجلها أوحتى ما يذيعه إعلاميوها في البرامج المختلفة والإصرار على مصطلح " تنظيم الدولة الإسلامية " وذلك لإضفاء نوع من الشرعية وإرساء حالة من الكيان لهذا التنظيم الإرهابي , إذ تعمي الجزيرة عيونها عن سيل ٍ من الجرائم والممارسات الشنيعة التي يرتكبها أفراد هذا التنظيم بحق أبناء هذه المنطقة على مختلف انتماءاتهم ومذاهبهم , ولم تجد القناة أي حرج بل حرصت أيضاً في البدايات على تقديم أن " داعش " إنما هو صنيعة الدولة السورية لمحاربة معارضيها ممن تسميهم القناة " جيش حر " , وبعد انكشاف المستور وافتضاح مالا يمكن التستر عليه مضت القناة قدماً في تصوير الحاصل على أنه في سياق الرد الطبيعي على ما تسميه القناة " انتهاكات لطوائف بعينها" في محاولة قذرة لتبرير جرائم " داعش" من جهة , وإذكاء روح الطائفية وصب الزيت على النار من جهة أخرى , فاليوم وبالتزامن مع الحملة الإعلامية التي يشتد لهيبها ضد سورية , المتزامنة هي الأخرى مع التطورات الأخيرة التي شهدتها مدينة إدلب وجسر الشغور , لم يكن مستغرباً أن يستمر الحديث والتسويق للفكر الطائفي الممنهج في محاولة لتشويه الإنجازات التي يحققها الجيش العربي السوري على الأرض , ففي الحلقة الأخيرة من برنامج الاتجاه المعاكس التي أوغلت به ومن خلالها في مزيد ٍ من لوثات الانحطاط والمهزلة الإعلامية أطل المدعو فيصل القاسم ليصوغ جرعات ومستويات غير مسبوقة من الفتن المذهبية جعلته إعلامياً مفلساً جاهلاً عبداً للمال الخليجي , لجهة تسيد ما هو أشد من القتل وقد أيقظ ما حرم الله أن يوقظ , فكان وجهه طافحاً بلعنات السوريين , إذ ألقى بكل الموبقات التي تتكاثر على الأرض السورية والتي تخطها أيادي داعش وأخواتها على عاتق ومسؤولية طائفة بعينها في سورية لا نقول أنها منزهة عن الأخطاء بل ارتكب بعض أفرادها جملة من الممارسات الخاطئة بحق الوطن والمواطن , لكنها بالمقابل قدمت ولا زالت الكثير من أبنائها وزهرات شبابها قرباناً وكرمى لعيون الوطن , إذ تعلم قناة الجزيرة جيداً وكذلك ممولوها ومشغلوها أن الجيش العربي السوري إنما يمثل وينبثق من رحم الشعب السوري وينضوي تحت رايته جميع السوريين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم .
في المشهد اليمني تنامى العهر إلى مستويات ٍ قياسية في الأداء الإعلامي للقناة , وتغطيتها للحاصل في اليمن وهي التي تعلم أن حلفاً عشرياً ( من عشرة دول ) تقوده مملكة آل سعود, تدعمه الولايات المتحدة وتباركه " إسرائيل " يدك منذ أكثر من شهر ونصف ويدكدك وعلى الملأ البنية التحتية اليمنية بكل مواردها ومؤسساتها , يحرق البشر والشجر والحجر , ومن دون أدنى خجل وبمعدلات نوعية من النفاق والكذب وتسطيح العقول تستمر القناة " القطرائيلية " في تغطيتها الخارجة عن التغطية أصلاً في بث عواجلها وأخبارها لتشيطن العقول وتغسل الأدمغة وتتوالى العواجل الحمراء الطافحة بالخسة ورائحة الدماء, لتقول وتذيع أن قصفاً واحتراقاً لمباني سكنية ومقتل عشرات المدنيين سببه سقوط قذائف ما تسميهم القناة " بالحوثيين " , بينما تتستر وبكل صفاقة عن مئات الأطفال الذين تفحمت جثثهم بقذائف حلف الشيطان , وعشرات المساجد التي دمرت بصواريخ الحقد والإجرام , وتأبى إلا أن تعمي عدسات كاميراتها العوراء المعصبة بالعصب الصهيونية .
لم يخطئ ضمير افريقيا والعالم المناضل والزعيم الراحل نيلسون مانديلا عندما وصف قناة الجزيرة بأنها لسان حال الإجرام الأطلسي وذلك إبان الحرب الأطلسية الظالمة التي شنها حلف النيتو على الشعب الليبي , فالجزيرة اليوم لا تمثل لسان حال الإجرام وحسب بل ناطقاً رسمياً باسم العهر والانحطاط الإعلامي .
* كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية

