رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري حمد بن جاسم آل ثاني مزعوج ومتضايق وخجل . نعم إنّه خجل . خجل من تشوّه لحق بصورة العرب ، ومصدر هذا التشوّه وباعث هذا الخجل ، هو سيادة الرئيس بشار حافظ الأسد . فقد قال سمو الأمير الهُمام " إن النظام السوري يَعرض حاليا صورة مخزية للعالم العربي ، من الصعب محوها من الذاكرة " ، حيث إن هناك " ألاف الأبرياء يُقتلون بنيران الدبابات والطائرات ، ويُشرد الأطفال وتُرمل النساء وتكتظ المخيمات باللاجئين ، وكل هذا من أجل بقاء شخص واحد في السلطة " . وكان رجع صدى هذا الشكوى الإنسانية المرهفة في أنقرة ، حيث بكى رئيس الوزراء التركي - الديمقراطي جداً - رجب طيب أردوغان حال الشعب السوري المشرد إلى تركيا ، إلى تلك المخيمات " الوردية " التي بناها لهذا الشعب حتى قبل أن يتشرد . وقال والحزن يعتمل في قلبه " إن الرئيس السوري بشار الأسد ، فقد شرعيته تماما أمام شعبه ، وأنه اضحى يشكل تهديدا وخطرا واضحا على المنطقة بأسرها " . وأصل الرواية موجود في واشنطن ، وما حمد وأردوغان إلا خيال وظل لما قاله أوباما .
يا سيادة الرئيس بشار حافظ الأسد ، ألم تتعلم بعد أبجدية الحكم وآليات إستمراره ؟ يا سيادة الرئيس ، متى ستصغي إلى نصائح " الأشقاء والأصدقاء " ؟ متى ستصبح مرناً ومتحضراً وحاكماً مباركاً تفيض مُثلاً وقيم ؟ عامان من الأزمة ولم تعثر على السرّ بعد ؟ .
يا سيادة الرئيس بشار حافظ الأسد ، كل هؤلاء الزاحفين من كهوف الظلام الفكري ، وأودية القتل والذبح الحلال هم جزء من شعبك . فبعض رُسل السلام الذين وجدتموهم من الشيشان والأفغان والباكستان والصومال وليبيا ومصر والاردن وفلسطين والعراق وهولندا واستراليا وفرنسا وبريطانيا وامريكا واليمن والكويت والسعودية ... جميعهم خرج من رحم سوريا . من حلب ودمشق وحمص وحماة ودرعا والحسكة والدير وطرطوس واللاذقية ... فكيف تقتلهم ؟ ألم ترى السلميّة تفيض من وجوههم ؟ ألو ترى التنوير يتدفق من بين أكفهم ؟ ألم ترى السماحة تشعّ من عيونهم ؟ وهؤلاء السوريين الذين لحقوا بهم ، لم تقتلهم ؟ ألم ترهم متحلقين حول هؤلاء المعلمين ، يدرسون الأدب واللغة والشعر والفلسفة والطب والكيمياء والهندسة وطرق فلاحة الأرض وإعمارها ... ؟ ألم ترهم والملائكة تحفهم ، يستنبطون الأحكام ويستولدون البراهين والأحكام الشرعيّة التي تفيض سماحة ورحمة وإنسانية ؟ .
يا سيادة الرئيس ، ما هي مشكلتك مع الحوار ؟ ما عيب الحوار مع من يريد رفع علم كيان العدو الصهيوني الحبيب فوق جبل قاسيون ؟ وما العيب في الحوار ، مع من تنازل عن لواء الإسكندرون ببشره وحجره وشجره ، لخليفة الباب العالي قبل أن يدخل سوريا حتى ، لا أن يستلم فيها مسؤلية أو يحكم قبضته عليها ؟ أي نقيصة في الحوار مع من يرى أن جيشنا العربي السوري ضخم ، ويكفينا 50 ألف مرتزق ، يحمون مصالح الغرب لدينا ، ونستعرضهم في المناسبات الوطنية والقومية ، ونصفهم طابور شرف - لمن لديه حظ وافر من الشرف - عندما يزورنا فاتح المشرقين والمغربين ، القائد الهمام حمد بن خليفة ورئيس وزرائه النعجة البتول الشريفة حمد بن جاسم آل ثاني ؟ ما المشكلة مع من وضع الخطوط العريضة ، وما تحتها من تفاصيل ، لإتفاقية سلام مع الكيان المُلهم ، تنهي معاناة الفلسطينين وفلسطين ؟ فتريح فلسطين من سكانها العرب ، وتمنح وطن " لشعب " معذب ، أرهقه التيه والمجازر . وتريح فلسطيني الشتات من " حلم العودة المؤلم " ، فيستقرون حيث هم ، فلا عودة ولا عذاب .
يا سيادة الرئيس ، لماذا لا تسمح لصاحبة الجلالة ، أمريكا ، بأن تقيم قاعدة صغرى بحجم قطر ، خلف قاسيون فلا نحن نراها ولا هي ترانا ، ولا نحن نزعجها ولا هي تزعجنا ؟ أو فلتكن في حمص أو درعا . ربما بجانب رأس أبي علاء المقطوع بأيدي رحماء الثورة السلمية . لن ينزعج أبو علاء ، فكيف لبدن بلا رأس أن يفكر ، فينزعج ؟ . وأي شيء يحدث لو أقامة أمريكا قاعدة بحرية ف طرطوس أو اللاذقية ؟ لن يتجول جنود المارينز في شوارع طرطوس واللاذقية ، سيبقوا في قواعدهم . لن يستفز منظرهم صالح العلي ولا هنانو ولا الحلبي ولا جول جمال ولا الأطرش ولا يوسف العظمة ...
يا سيادة الرئيس ، بعض النفط والغاز لتوتال وشل وإيكسون موبيل ... لن يغير في صورة سوريا الكثير ، ولن يستفز هوية وضمير وتاريخ السوريين .
يا سيادة الرئيس ، إن اصول الحكم قد تغيرت ، وطبيعته قد تبدّلت . كُن أمريكياً وصهيونياً يركع أمام نعليك ملوك النفط والغاز وجزر الموز . كُن أمريكياً وصهيونياً تسقط أمام قدميك حقوق الإنسان والحيوان والبيئة وثقب الأوزون حتى . ستصبح عندها حاكم رائع ملون بألوان " قوس قزح " الكاملة . في تركيا بجانب بيت أردوغان قاعدة أزمير ، وفيها فقط المقر لقيادة القوات البرية للحلف النيتو ، ما المشكلة ؟ وماذا لو كانت مثل هذه القيادة موجودة بجانب قصر الشعب أو الروضة أو المهاجرين ... ؟ . في تركيا هناك " أنجرلك " ، فيها بضعة أسراب من حمام وغربان ونسور للنيو وأمريكا ، أي عار سيلحق بنا لو كان هناك مثلها ، في مطار المزة أو كويرس أو منغ أو الظهور ... ؟ . منذ عقود وطائرات أردوغان تطارد شعب طمّاع عدواني يعشق الإرهاب ، إسمهم الكرد . من سأل عنهم ؟ ومن فكر فيهم ؟ إنها الديمقراطة ياسيادة الرئيس . والحاكم فيها يكون ديمقراطياً بالقدر الذي يكون فيه أمريكياً .
يا سيادة الرئيس ألم تتعلم بعد كيف تدار الدولة في المتوسط ؟ حاكم عربي وهاتف ، وموظف في الخارجية الأمريكية وهاتف ، والهاتف له شروط . فمن أجل السرية ، وحفظ الهيبة العربية والإقليمية يعمل عبر قمر إصطناعي تابع لـ " c i a " . تبعث التعليمات صباحاً مع فنجان القهوة عبر رسالة " s m s " . وإن كان الأمر أهم ، فيكفي إطلالة سعادة السفير الأمريكي . وإن كان أكثر أهميّة فمساعد وزير الخارجية لشؤن الطاقة والأمن . وإن كان مهم أكثر فيكفي أن يطل جندي من " المارينز " لتراق بقايا الرجولة والكرامة أرضاً وينفذ الأمر في التّو واللحظة . ليس في الأمر تهديد للسيادة وشرف الوطن وكرامة الشعب . تلك المفاهيم تغيرت جذريّاً . فأن يكون الحاكم سيداً ، مُعلياً لشرف الوطن ، وحامياً لكرامة الشعب ، يعني أنّه ينفذ تعليمات واشنطون بلا جلبة أو فوضى ، وبأكبر قدر من السلاسة والسعادة . فيمنحه الوطن ، ويؤجر له الشعب ، ويسلمه الخيرات ما ظهر منها وما بطن ، وهذا يعني أنه حاكم سيد ومستقل . فالسيد هو من " يُعطي " ، وإن كان موظفاً وأجيراً وعميلاً .
يا سيادة الرئيس ، يبدو أنك لا تفهم لغة العصر ، ولا لغة الربيع . نعرف أن كل هؤلاء يريدون شيئاً واحداً ، أن تحزم حقائبك وترحل لتسلم لهم سوريا بلا رأس ، كما فعلوا بتمثال ابي العلاء المعري . فمن يعرف هوية وإسم تمثال بلا رأس ؟ وكيف لجسد بلا رأس أن يتذكر أو ينظر فيقرر ؟ وكيف لجسد بلا رأس أن يدقق ويفكر فيفعل ؟ نفهم ما قالوا ، عندما قالوا لا حوار مع الأسد . وأن نسبة نجاح مبادرة الأخضر لا تتجاوز 3% . نعرف أن هذه النسبة تعني ، نسبة رحيلك عن الحكم والبلد . ونفهم ما قلت يا سيادة الرئيس ، عندما قلت " إنك صناعة سورية ، ولدت في سوريا ، وتحيى وتموت في سوريا " . نفهم ما قالوا ، ونفهم ما قلت . ونعلم أنك أردت أن لا تفهم ما قالوا ، فرفضنا معك فهم ما قالوا . يا سيادة الرئيس ، أتعلم لماذا نحبك ، بل ونعشقك . لأنك لا تفهم لغتهم ، ولا تتقن الحكم على طريقتهم . والآن ، حان دورنا لنُفهمهم ونُعلمهم على طريقتنا . لم تكن البداية " بإسترجاع " النقيب الفار رياض الأحمد ، ولن تكون النهاية بسيارة معبر باب الهوى المباركة . رأس أبو العلاء المعري ما زال منتصباً ، يبدع ، يؤلف ، يفكر ، يقرر ... وسقط من أراد إسقاطه . موعدهم أقرب من الصبح ، أليس الصبح بقريب .
هم ونحن .. ورأس المعري ...
2013-02-14
بقلم:سمير الفزاع
