بقلم: الكوري ولد احميتي
تعيش الامة العربية هذه الايام مرحلة من أدق المراحل التي مرت بها خلال مسيرتها التاريخية الطويلة و هو ما يجعلنا في حاجة ملحة الى نخبة عربية واعية لمتطلبات المرحلة و واعية لمسؤولياتها القومية و مستعدة لتحمل تلك المسؤوليات من نشر للوعي بين صفوف الجماهير بهدف تاطيرها وتوجيهها حتى تستوعب خطورة ما يخطط لهذه الامة من مؤامرات تهدد كيانها, والمسؤولية هنا تقع في الدرجة الاولى علي القوى القومية دون غيرها لأنها وحدها المؤهلة للقيام بهذه المسؤولية لكونها صاحبة المصلحة وهي القادرة علي قيادة الجماهير نحو التقدم و الوحدة و مواجه مخططات الاعداء الهادفة الى تمزيق الامة بهدف السيطرة علي ثرواتها , ان الامة في حاجة هذه الايام الى حراك شعبي قوي يؤسس لبعث الخط القومي الذي يجعل في مقدمة اهتماماته النضال من اجل الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية وإعادة بناء تحالف يعيد السلطة للشعب ويرسخ المبادئ القومية واليسارية والليبرالية الاجتماعية ويرد الاعتبار لمبادئ القومية العربية ، ليس بدواعي تصحيح المسار فقط وإنما أيضا من أجل المستقبل.
ولأننا وبعد سنتين من الحراك العربي أو ما يسميه الغرب ب"الربيع العربي" وهو حراك شعبي قوي قاده شباب يطمح إلى الحياة الكريمة المتمثلة في توفير فرص العمل وسيطرة الشعب على مقاليد السلطة التي علق عليها آمالا كبيرة واعتبرها الكثيرون ثورة لابد أن تغير الأنظمة القائمة، بغية تمكن الشعب العربي من التحكم في أموره من خلال الممارسة الديمقراطية التي- إن تمت- لابد وأن تحدث نقلة نوعية في الوطن العربي من حيث ممارسة السلطة وتسخير الثروات العربية لخدمة الشعب و تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وتمكن كذلك من نقلة نوعية للعمل العربي المشترك، تؤدى إلى تحرير الأرض المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان.
ورغم هذه الآمال العريضة، فإنه- وللأسف الشديد- سرعان ما خابت آمال الشعوب العربية سواء منها من كان له الفضل في إحداث هذه التغيرات أو من تابعها آملا منها الخير لوطننا العربي الذي مازال يعيش على هامش ما يحدث من نهضة علمية واجتماعية في العالم ناهيك عن الممارسة الديمقراطية التي لم يعد من الممكن لأي شعب التقدم من دونها وهي الغائب الأكبر في وطننا العربي .
واليوم وبعد أن تغيرت بعض الأنظمة التي كانت تحكم في عدة أقطار عربية ومن ضمنها أكبر دولة عربية) مصر (نلاحظ أن الأمور في هذه الدول تسير نحو الأسوأ من حيث الوضع الاقتصادي وغياب الممارسة الديمقراطية حيث أن الأنظمة الجديدة أصبحت أكثر تسلطا من تلك التي كانت قائمة ولأن الهم الوحيد للحكام العرب الجدد هو تصفية ما تبقى من قوى الممانعة غير مهتمين بكون العدو: إسرائيل مازل يحتل ارضنا، اننا لم نعد نسمع كلمة واحدة عن قضية العرب المركزية: قضية فلسطين التي تم إعداد خطة غربية ذكية لإنهائها من خلال الإطاحة بالأنظمة التي تدعمها أو يمكن أن تدعمها وإشغال المواطن العربي بأمور لا يمكن أن تؤدي إثارتها إلا إلى المزيد من التمزق كسني و شيعي و مسيحي و علوي الي غيرها من المصطلحات التي كنا نظن ان الانسان العربي تجاوزها منذ فترة طويلة ان هذا الاحياء للطائفة المذهبية والعرقية وحتى القبلية لإشغال الشعب العربي في امور لا يمكن ان تؤدي به إلا الى مزيد من التخلف كانت نتيجتها ما نشاهده اليوم من تدمير للبنى التحتية وتسليح لقوى الإرهاب و ضرب قوى المقاومة في سوريا ولبنان،حتى من طرف الأنظمة التي كان عليها أن تسموا إلى مستوي الاهتمامات الكبرى للأمة مع أننا ندرك أن من يحكمونها ليسوا هم من أحدث التغيير لكن باستلامهم للسلطة كان عليهم إشراك القوى التي أحدثت التغيير الذي استغل من طرف الغرب ليجيء بهذه الأنظمة الجديدة التي أصبح الجميع يدرك علاقاتها القديمة-الجديدة بالقوى الاستعمارية التي لا سعي لها سوى التحكم في الثروات العربية وهو ما تم لها.
لقد كانت مصر قلب العروبة النابض ومازالت تمثل وجهة للجماهير العربية،خاصة وأن شعبها قام بثورة حضارية أثبتت وعيه وقدرته على مواجهة الأحداث بما يخدم مصالح الأمة.
ولا غرابة في أن نرى اليوم رئيسه الجديد يقوم بما لم يقم به مبارك من تسلط وإهمال للقضية الفلسطينية ، لقد كنا نأمل في أن تكون مصر الثورة دعما قويا للقضية الفلسطينية بإلغاء إتفاقية كامب ديفيد المجحفة لكننا فوجئنا بأن أول سفير يعينه الرئيس المصري الجديد كان لدى إسرائيل بتزامن مع تدمير الأنفاق التي كانت تمر منها التموينات والأسلحة إلى غزة وهو ما لم يتم في عهد مبارك و المفاجأة الكبرى هي تبني النظام الجديد في مصر للطريقة التي كان مبارك يدير بها الوضع في غزة وهو تكليف مسئول المخابرات في مصر بإسكات صوت المقاومة عن طريق ما يسمى بمبادرات الحل السلمي أو التهدئة إلى غيره من الشعارات.
لقد كان الإنسان العربي ينتظر من الرئيس المصري الحالي أن يقف بقوة إلى جانب الفلسطينيين بدل أن يكون وسيطا بينهم وإسرائيل.
أما ما حصل في ليبيا من إسقاط حلف الأطلسي لنظام وطني وتدمير لكل شيء في هذا البلد وقتل للقذافي رحمه الله- كل هذا بهدف عودة الهيمنة الأوروبية إلى هذا القطر الذي كانت له مواقف مشرفة ضد الإستعمار بغض النظر عن ما يمكن أن يوجه إليه من انتقادات حول أسلوبه في التعامل مع العديد من القضايا القومية بما فيها الفكرية منها .
فقد أمم البترول الليبي و طرد القواعد الأجنبية وتبنى القضايا الكبرى للأمة مثل قضية فلسطين
إن ما يزيد الإنسان اشمئزازا اليوم هو أن يرى من يعلنون عن انتمائهم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم -
بل ويدعون حمل راية الإسلام لا يخجلون من التحالف مع أمثال اليهودي ديفيد ليفي ومع حلف الناتو ضد بني جلدتهم لتحطيم بلدانهم) لننظر ما يجري اليوم في ليبيا وسوريا (، لهدف وحيد وهو السلطة ولا شيء غير السلطة.
أما الطرف الثالث في هذا التحالف العدواني، فهو: "العثمانيون الجدد الذين أصبح أمرهم واضحا بعد أن كانوا يتشدقون بدعم القضية الفلسطينية.. لقد اتضح أمرهم من خلال أطماعهم في أراضي كل من سوريا والعراق وسعيهم هذه الأيام لتفكيك هاتين الدولتين الجارتين لهم، مستغلين لذلك الهدف عضويتهم في الناتو وسذاجة بعض من لا يدركون أبعاد المؤامرة من أبناء أمتنا العربية.
ان خلاصة القول هي: أن الحراك العربي الذي مرت عليه سنتان والذي كان من أجل المزيد من الحرية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، قد سرقه هذا التحالف الثلاثي الذي يقوم بتدمير قدرات الأمة، بتأطير وتوجيه من الصهيونية العالمية وحلفائها المسيحيين الجدد.
إن هذه المؤامرة لن تتوقف عند البلدان التي اشتعلت فيها النيران حتى الآن بل ستطال الجميع خاصة الدول التي لديها إمكانيات اقتصادية أو ثروات طبيعية مهمة.
لأن الأمر يتعلق بسايكسبيكو جديد تتم فيها إعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم اللاعبين الرئيسيين: الدول الغربية والعثمانيين الجدد. وعليه فإن الإنسان العربي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بإدراك هذه الحقائق والعمل على إفشال هذا المخطط التآمري الخطير.
ودامت امتنا مؤمنة وقوية.
*كاتب صحفي نواكشوط

