أيهما العدو ، إيران أم إسرائيل ؟.
تضحكون ؟ ..بعضكم يضحك ، و بعضكم يرفع أصبعه كالتلميذ الناصح ، و مع ذلك أصر على السؤال ، إيران أم إسرائيل ؟.. طبعا الآن فيكم من بدأ يتساءل ، يتشكك ،يفكر ، لم يعد هناك من يرفع إصبعه ليجيب ، الآن فقط ستنقسم الآراء ، الآن فقط لم يعد فيكم من يريد الإجابة على هذا السؤال ، لأنه محرج ، لأنه لا يعرف ، لان ذهنه مشوش ، لأنه تذكر أن هناك من يقول أن إيران هي العدو ، و إسرائيل لم تعد العدو .
من مفارقات زمن العرب أن هناك من يبحث اليوم في إجابة عن هذا السؤال ، من يبحث عن إثبات الثابت ، من ينازع في الهوية ، من يقول أن إيران هي دولة جاء بها وعد بلفور ،و هي من تحتل الأرض الفلسطينية، و هي من تشرد الشعب الفلسطيني ، بل هناك من يقول أن إيران هي البلاء المبين و إسرائيل هي الصديق الحميم ، إيران هي الخطر و إسرائيل هي المسكينة التي يبحث الجميع عن إلقاءها في البحر .
أفهم أن تروج المنظومة الإعلامية الصهيونية لهذا المنطق الأبله ، لأنها دولة استعمارية إرهابية مجرمة ، و أفهم أن تنجر بعض الأقلام المأجورة إلى هذا المستنقع ، لكن أن نسمع من الشعب العربي هذا السؤال و هذا الطرح بأن هناك شكا في هوية العدو فذاك الهبوط الأخلاقي في أرذل مستوياته و من يقولون هذا القول هم مجرد فقاقيع صوتية أنهكها التعري الأخلاقي في سوق العمالة فصارت معتوهة لا تميز بيــن الصديق و العدو ، و لأنهم يرون في تقدم إيران في كل مجالات العلم و الاقتصاد فهم لا يتورعون عن إسقاط كل مصطلحات التخوين و الشك على هذا " العدو" الإيراني ، متناسين أن إيران التي خبرت مشاعرهم الهابطة لم تعد تهتم لأصحاب العقول الصغيرة.
من غرائب هذا الزمن العربي أيضا أن إسرائيل تخلق أجواء مواتية تقول أن إيران كما هي خطر عليها فهي خطر على العرب ، و هي تستعدى العرب على إيران بمنطق عدو صديقي فهو عدوى ، إسرائيل تقول للعرب كما تقول للأمريكان طبعا أنهما يواجهان نفس العدو و يتعرضان لنفس الخطر ، إيران هي عدوكم أيها الخليج و هي أخطر عليكم من الأمريكان و الصهيونية .
إن الترويج المشبوه لكون إيران الشيعية هي الخطر هو عمل خبيث تقوم به عقول خبيثة و يهدف إلى نتيجة خبيثة ، و لعل المستفيد الأول من هذا الترويج هي دولة واحدة في منطقة الشرق الأوسط تسمى إسرائيل من المؤسف أن الجميع متفق من حيث المبدأ على كونها العدو الأول و الأساسي و الوحيد للأمة العربية ، و لكنهم اليوم يجدون حرجا في إبقاء نفس التوصيف لان هناك من يدفعهم إلى عداء إيران و توجيه أنظارهم إليها حتى يتمكن هذا العدو من تحقيق أهدافه الدنيئة في بسط نفوذه شيئا فشيئا على الثر وات و المصالح العربية .
بطبيعة الحال كما تواجه إيران حربا اقتصادية سياسية أمنية استخبارية علمية ثقافية معلنة من الغرب المتوحد ضدها ، فهي تواجه بالتوازي حربا بنفس المعايير تشنها الدول الخليجية العميلة مع منظوماتها الإعلامية المتصهينة ، هذه الحرب هدفها الوحيد هو عزل إيران و حصارها و كسر إرادتها ، و كلما صمدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية زاد الحصار و التصويب و الهجوم عليها حتى تشعر بشيء من العزلة الدولية تدفعها دفعا لتقديم تنازلات سياسية أو ذات طابع علمي خاصة المتعلقة بمشروعها النووي الذي أصبح الشغل الشاغل للامبريالية و الصهيونية العالمية ، و كلما شعر العدو الخليجي الصهيوني الأمريكي بتزايد نجاحات إيران تصاعدت حدة اللغط و حملات التشويش الإعلامية للإيحاء بكون ذلك التقدم الإيراني سيمثل خطرا في المستقبل على هذه الدويلات المحميات الخليجية الآيلة بطبعها إلى السقوط و لو بعد حين .
لا يبحث النظام الخليجي على كيفية التعايش مع هذا الجار المسلم ، و لا يريد هذا النظام الاعتراف بكون إيران و مهما كانت نواياها العلمية العسكرية فإنها لا تفكر في التحول إلى استعمار يشبه الاستعمار العثماني أو الاستعمار الفرنسي البريطاني الصهيوني لان هناك ضوابط دولية لن تسمح بهذا لعدوان أو التدخل في منطقة يعتبرها العالم الشريان الحيوي لاقتصاده المريض ، و بكل الحسابات الإستراتيجية فان الخليج من مصلحته الواضحة الدخول في شراكة مصالح اقتصادية علمية و حتى عسكرية تمنع على كل الأطراف التفكير في ما يؤذى هذه العلاقة ، و بكل حسابات الجغرافيا فان قوة إيران هي قوة رادعة ينتفع بها الخليج بل على العكس فان هذه العلاقة الصريحة المتبادلة ستنزع بؤر توتر و فتيل أزمات شك كثيرة و ستوفر على كل الدول الخليجية هذه الصفقات المكلفة للتسليح و تدفع مجالات التنمية و التعاون بين الطرفين .
لا شك أن إيران تتحمل جزءا مهما في ضبابية الرؤية السياسية بينها و بين الدول الخليجية ، و لا شك أن بعض المشاعر السلبية التي يحملها النظام الخليجي لها ما يبررها في تصرفات بعض الرموز و القيادات الإيرانية ، و لا شك أن إيران تبحث عن التمدد شيعيا في المنطقة العربية دون أن تراعى بعض الخصوصيات الخليجية ، و لا شك أن الدول الخليجية تنظر إلى إيران في هذا الخصوص بمنظر الريبة ، و لا ندرى صراحة هل أن إيران لم تنتبه إلى هذه الحملات التشويهية التي تنفذها بعض الأقلام المأجورة لخلق أجواء متعفنة مفخخة بين الدول العربية و الجمهورية الإسلامية ، و بالكاد لا أفهم لماذا لا تحاول إيران مد جسور الثقة المتبادلة بينها و بين الشعوب الخليجية باستنباط سياسة إعلامية واضحة ترفع الالتباس في وجدان بعض المتشككين .
بطبيعة الحال هناك هواجس خليجية بحاجة إلى التبديد ، و هناك إعلام متآمر يستغل هذا الخوف الخليجي المبالغ فيه ، و هناك إرادة غير صادقة لبعض الأنظمة العربية المتآمرة على القضية العربية لتجعل من إيران عدوها الدائم حتى تنظر العيون العربية إلى حيث يراد لها أن تنظر ، و من المؤكد أن إسرائيل هي وراء كل ما يحدث من تصويب متواصل على الوجهة الإيرانية ، و من الثابت أن تأييد إيران للمقاومة اللبنانية و ما نتج عنه من فشل الدور العسكري الصهيوني في المنطقة و سقوط مقولة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر و منطق الحرب الخاطفة و كل النظريات العسكرية التي عاشت معها الأمة العربية منذ وعد بلفور و حرب 1948 حتى أصبحت تبحث عن الحل السلمي و تقديم التنازلات العبثية لهذا الكيان الإرهابي كل هذه العوامل هي من تقف حجرة عثرة في وجه التفاهم بين الشعوب العربية و الشعب الإيراني لان الأنظمة الخليجية بالذات لا تبحث عن تفاهم أو إيجاد علاقة متينة مع النظام الإيراني لأسباب يعلمها الجميع .
بجميع المقاييس تبقى إيران دولة ذات توجهات عربية في كل المجالات ، وبكل المقاييس فلا مصلحة لإيران في ضرب المنظومة الخليجية طائفيا أو اقتصاديا أو سياسيا لأنه لا يعقل أن تضع نفسها بين كماشة العداء الخليجي و الرغبة الصهيونية الغربية في إسقاط نظامها المتعنت الرافض للهيمنة الامبريالية ، و بنفس هذه الرؤية فان إسرائيل هي دولة مغتصبة للحقوق العربية و لن تستنكف على مزيد قضم الأراضي العربية و بسط هيمنتها على المنطقة مهددة للأمن القومي العربي بصورة مرعبة.
أيهما العدو ؟ إيران أم إسرائيل ؟ من إجابتكم سنعرف من أنتم .
أيهما العدو ، ايران أم اسرائيل ؟
2013-03-06
بقلم:أحمد الحباسى

