بعد مرور عامين على شنّ "إسرائيل" عدوانها على غزة، تتكشف بوضوح أبعاد الكلفة الباهظة التي تكبدتها تل أبيب في واحدة من أطول المواجهات وأكثرها استنزافاً منذ قيام دولة الاحتلال في عام 1948.
وبينما كانت الحكومة الإسرائيلية تراهن على تحقيق "نصر حاسم"، تكشف الوقائع أن الحرب تركت جراحاً عميقة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة، وأعادت طرح أسئلة قاسية حول جدوى استمرار العمليات العسكرية في ظل اتساع دائرة الخسائر وانكماش المكاسب.
وفق بيانات إسرائيلية، قتل في الحرب 1152 عسكرياً، في حين تجاوزت تكلفة الحرب 100 مليار دولار، وسياسياً كان أثر الحرب بالغاً داخلياً وخارجياً، بشكل لم تشهده "إسرائيل" من قبل.
ومنذ إعلانها دولة في عام 1948، خاضت "إسرائيل" عدداً من الحروب والانتفاضات، أبرزها:
الحرب العربية الإسرائيلية 1948.
العدوان الثلاثي -شنته بريطانيا وفرنسا و"إسرائيل"- على مصر 1956.
النكسة، بين "إسرائيل" وكل من العراق ومصر وسوريا والأردن 1967.
حرب الاستنزاف، بين "إسرائيل" وكل من مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية وسوريا 1967.
حرب أكتوبر، شنتها مصر وسوريا على "إسرائيل" 1973.
الحرب على جنوب لبنان 1978.
اجتياح لبنان 1982.
انتفاضة الحجارة 1987.
انتفاضة الأقصى 2000.
الحرب على لبنان 2006.
حروب "إسرائيل" على غزة:
- ديسمبر 2008 - يناير 2009.
- عام 2014 واستمرت 50 يوماً.
- عام 2021 استمرت 11 يوماً.
التداعيات العسكرية
أما الحرب المستمرة، منذ أكتوبر 2023، حتى الآن فقد تحولت إلى أطول الحروب الإسرائيلية وأشدها إيلاماً وتداعيات.
فبحسب ما أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية، الاثنين (6 أكتوبر الجاري)، قتل فيها حتى الآن 1152 عسكرياً إسرائيلياً.
لكن مراقبين وتقارير واردة من داخل المقاومة الفلسطينية في غزة، تؤكد أن خسائر قوات الاحتلال أكثر من ذلك، لا سيما في ظل الرقابة الصارمة التي تفرضها تل أبيب على نشر خسائرها البشرية والمادية من جراء الحروب التي افتعلتها بالمنطقة، لا سيما في قطاع غزة وجنوب لبنان.
وبشكل شبه يومي، تعلن "كتائب القسام"، الجناح العسكري لحركة "حماس"، مقتل أو إصابة عسكريين إسرائيليين خلال المعارك في قطاع غزة، وتبث جزءاً من تلك المواجهات بالصوت والصورة، وهو ما يؤكد أن الخسائر البشرية الإسرائيلية أعلى بكثير من المعلن.
وحول الإصابات يشير الجيش إلى أن 6313 عسكرياً إسرائيلياً في عداد الجرحى.
خسائر اقتصادية جسيمة
اقتصادياً تعكس الأرقام الواردة من الداخل الإسرائيلي أن حجم النزيف المالي الكبير طال مفاصل الدولة كافة.
ومنذ العدوان عانى القطاع الاقتصادي الإسرائيلي من تباطؤ النمو وارتفاع العجز المالي، ما أدى إلى تراجع الاستثمار وهروب رؤوس الأموال، وسط تحذيرات خبراء من دخول الاقتصاد الإسرائيلي مرحلة ركود طويلة يصعب التعافي منها دون كلفة سياسية داخلية.
وبينما كانت الحرب تستهلك الموارد وتستنزف ميزانيات الوزارات، ارتفعت معدلات البطالة والتضخم، وتراجعت ثقة الأسواق الإقليمية والدولية بالاقتصاد الإسرائيلي.
كل ذلك أدى إلى اهتزاز مكانة "إسرائيل" الائتمانية، وازدياد عزلتها الاقتصادية في ظل تراجع الشراكات التجارية وتردد المستثمرين الأجانب.
بحسب ما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية -في تقرير حديث- تكبدت "إسرائيل"خسائر ضخمة بسبب الحرب؛ حيث زاد حجم إنفاقها العسكري على 100 مليار دولار، مكلفاً بذلك أكثر من نصف ميزانية عام 2025.
الصحيفة تؤكد أن ما يجري هو:
استمرار تداعيات الحرب بشكل حاد في قطاعات الاقتصاد.
قطع علاقات تجارية مع شركات إسرائيلية.
تأثر التصدير خاصة قطاع التكنولوجيا.
ارتفاع عجز الموازنة إلى 5.2%، وتوقعات بأن يقترب من 6% بحلول نهاية عام 2025.
تخفيضات كبيرة مقترحة في ميزانية عام 2026 في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية للإنفاق العسكري.
عملية "مركبات جدعون 2" كلفت "إسرائيل" نحو نصف مليار شيكل لكل يوم قتال (الدولار يساوى 3.35 شيكل).
تراجع تقييمات "إسرائيل" لدى وكالات التصنيف الائتماني الدولية.
وعليه ترى الصحيفة أن وقف إطلاق النار المحتمل، وفق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ربما يمثل نقطة تحول للاقتصاد الإسرائيلي المتهالك الذي تضرر بشدة بسبب الحرب على غزة.
آثار سياسية
سياسياً تركت الحرب ندوباً عميقة في المشهد الإسرائيلي على المستويين الداخلي والخارجي، وفق ما يرى مراقبون.
إذ واجهت حكومة بنيامين نتنياهو انتقادات متصاعدة من داخل الائتلاف والمعارضة على حد سواء، وسط تراجع ثقة الجمهور بالمؤسسة العسكرية والأمنية، فيما اتسعت عزلة "إسرائيل" في المحافل الدولية مع تصاعد الضغوط والمطالبات بوقف الحرب والمساءلة عن الانتهاكات في غزة.
حول ذلك يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي محمد وتد لـموقع "الخليج أونلاين":
"إسرائيل" تواجه رفض الحريديين للخدمة العسكرية وضغط المحكمة العليا لفرضها، ما أرهق جنود الاحتياط وأضر بالاقتصاد.
خلاف متصاعد حول هوية الدولة بين دعاة "اليهودية الديمقراطية" وأنصار الدولة الدينية يهدد تماسك المجتمع.
تتعرض "إسرائيل" لمقاطعة وعقوبات وحظر سلاح، ما خفّض تصنيفها الائتماني وأضعف الاستثمارات والعلاقات التجارية.
القدرات العسكرية تتآكل أمام تهديدات الإقليم، ما يضعف مناعة "إسرائيل" ومكانتها الدولية.
تتزايد المواجهة مع فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق، مع فتور في مصر والأردن وفرص محدودة بالخليج.
السياسة الإسرائيلية تتأرجح بين نهج الحسم العسكري والضم، ونهج أمني–مدني يسعى للحفاظ على الطابع الديمقراطي للدولة، ما يفقدها الاتساق ويضعف قدرتها على رسم استراتيجية مستقرة.
مكانة "إسرائيل" الدولية تتراجع، واعتمادها المفرط على الولايات المتحدة، وترامب تحديداً، جعلها أكثر عزلة، فيما تحظى "حماس" بقبول أوسع في الساحة الدولية.
هذا الوضع يعكس إخفاق الحكومة الإسرائيلية في إدارة علاقاتها الدولية وتوازناتها، بعد أن وضعت ثقلها كله في سلة واحدة، دون بدائل في الصين أو روسيا.

