بحسب ما أظهرته وسائل إعلام إسرائيلية وعشرات الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة للفتيات أثناء موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية، تركز مجموعة "فتيات التلال" بصورة مقصودة على إظهار أنفسهن بصورة طبيعية بابتسامة بريئة وهن يمارسن حياتهن البسيطة أثناء حراثة الأرض وزراعتها، والعيش بزهد وتقشف على مكوناتها من دون تكلف في إطار ممنهج ومقصود يتعمد الابتعاد عن مظاهر العنف والفوضى الذي اعتاد الفلسطينيون والعالم رؤيته من مستوطني الضفة الغربية باستمرار.
في منطقة مطلة على ما تبقى من أراضي بلدة نحالين جنوب غربي مدينة بيت لحم يحدق سمير نجاجرة (50 سنة) من بعد على أرضه الواقعة على سفح جبل بنياس، وهي تعج بأشجار الزيتون المثمرة، وبدلاً من أن ينتابه شعور بالفرح واللهفة لحصاد الموسم، شعر بغصة في قلبه وهو يشاهد غرباء يتسللون إلى أرضه ويسرقون ثمار الزيتون. تلك المشاهد وضعته أمام تحديات يومية لحماية أرضه، لكن على رغم كل محاولاته لأن يكون على يقظة دائمة خلال موسم الحصاد، وشق طريقاً خاصاً للوصول إليها، وأقام غرفة زراعية فيها لحمايتها على الدوام، فإن فتيات إسرائيليات تراوح أعمارهن ما بين 16 و26 سنة قمن بما لا يقوى نجاجرة على مواجهته وحيداً، فالمجموعة النسائية الجديدة المعروفة على منصة "تيك توك" بـ"فتيات التلال"، والمنبثقة من عصابات "فتية التلال" التي أسسها مستوطنون متطرفون عام 1998 بتشجيع مباشر من وزير الأمن الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون، وثقن بالصوت والصورة صعودهن إلى أرضه على صورة مجموعات نسائية لقطف الزيتون وسرقته بالكامل، وعلى رغم صغر سنهن فإنهن بحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية مشبعات بأفكار أيديولوجية يمينية متطرفة تحثهن دائماً على بذل الغالي والنفيس من أجل "الأرض الموعودة"، ومخطط "إسرائيل الكبرى" الذي لا يقتصر على حدود الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، بل يمتد، وفق رؤيتهن، ليشمل مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية. وهن كما يعرفن عن أنفسهن في مختلف المواقع، مستعدات لترك كل شيء مقابل البقاء في الأرض التي تقع عيونهن عليها، وكيف لا وهن تخلين عن التعليم والحياة المدنية وعن عائلاتهن ليعشن في خيام ومساكن بدائية على قمم الجبال بالضفة الغربية من أجل توسيع الاستيطان، ومدعومات بالكامل من قبل منظمات استيطانية بكل ما يلزمهن من تجهيز بنى تحتية وتمديد خطوط الماء والكهرباء والطرق، إلى جانب مساندة وحماية ميدانية من الجيش الإسرائيلي، الذي قام بإغلاق الطرق الزراعية المؤدية إلى الجبل بالسواتر الترابية، أو المكعبات الأسمنتية أو الحواجز الحديدية.
مليون متر مربع فقط
وفقاً للمجلس القروي، لم يتبق من مساحة قرية نحالين الفلسطينية جنوب الضفة الغربية، المحاطة بمستوطنات "بيتار عيليت"، و"جبعوت"، ومجمع مستوطنات "غوش عتصيون"، ومستوطنة "دانيال" التي تضم مجتمعة أكثر من 200 ألف مستوطن، سوى مليون متر مربع فحسب، يسكنها نحو 10 آلاف نسمة، بعدما كانت عام 1948 تربو على أكثر من 24 مليون متر مربع، وقد صنفت أراضي القرية وفق اتفاق "أوسلو" عام 1993 كمنطقة "ب"، كما صنفت 4 مليون متر مربع أخرى كمنطقة "ج" يحظر على أهالي نحالين الوصول إليها.
صورة جديدة
بحسب ما أظهرته وسائل إعلام إسرائيلية وعشرات الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة للفتيات أثناء موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية، تركز مجموعة "فتيات التلال" بصورة مقصودة على إظهار أنفسهن بصورة طبيعية بابتسامة بريئة وهن يمارسن حياتهن البسيطة أثناء حراثة الأرض وزراعتها، والعيش بزهد وتقشف على مكوناتها من دون تكلف في إطار ممنهج ومقصود يتعمد الابتعاد عن مظاهر العنف والفوضى الذي اعتاد الفلسطينيون والعالم رؤيته من مستوطني الضفة الغربية باستمرار. وقد تمكنت "فتيات التلال" اللاتي ينتمين غالباً إلى التيار القومي الديني، منذ عام 2009 وفق ما أعلنه موقع "واينت" الإسرائيلي، من إنشاء بؤرتين رعويتين في الضفة الغربية، تعرف الأولى باسم "ماعوز إستير" التي توسعت تدريجاً وأصبحت مستوطنة قائمة بحد ذاتها تضم 17 عائلة يهودية، أما الثانية المعروفة باسم "أور أهوفيا" فقد أنشأنها العام الماضي، على تلة قرب مستوطنة "عوفرا" القريبة من مدينة رام لله.
مجتمعات على قمم التلال
شرحت ميخال إستر سبب إنشائهن مجتمعات على قمم التلال بقولها "للشعب اليهودي حقوق طبيعية وتاريخية وقانونية في أرض إسرائيل، بما فيها يهودا والسامرة، ونحن نفي بهذه الحقوق"، وأضافت "رؤيتي هي أن تكون كل تلة حرة في يهودا والسامرة (المسمى اليهودي للضفة الغربية) في أيدي اليهود. هذا المكان هو مثال حقيقي للنسوية الحقيقية وقوة المرأة اليهودية".
وفيما اعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية حراك "فتيات التلال" صورة من صور التحرر والجندرية الذي يقدم نموذجاً للحداثة وفك قيود نظم اجتماعية، أكد فلسطينيون أنهن يحملن أجندات ومهام استيطانية للسيطرة على مزيد من الأراضي. رأت عضو المجلس الوطني الفلسطيني وعضو الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ريما كتانة نزال أن "فتيات التلال مؤشر إلى قدرة المشروع الاستيطاني على تجديد نفسه وإعادة تدوير الخطابات التحررية لخدمة إسرائيل"، وأضافت في مقال "هن ظاهرة صغيرة عددياً حولت الحركة النسوية إلى أداة استعمار، ليتحول معها خطاب الحرية والمساواة إلى واجهة قمع وهيمنة على الآخر".
تغلغل ناعم
بعد نجاح "فتيات التلال" باستقطاب آلاف المتابعتين على منصات التواصل الاجتماعي للترويج لمشاريعهن وتجسيدها بإقامة بؤرتي "ماعوز إستير" و"أور أهوفيا" على أرض الواقع، تمكنت الفتيات من تحصيل دعم حكومي وقانوني يسعى إلى إضفاء الشرعية على بؤرهن، كما حدث مع "ماعوز إستير"، التي أقيمت قبل 17 عاماً، وتحولت إلى مستوطنة متكاملة تسكنها 17 عائلة ومن ضمنها أكثر من 50 طفلاً، وتمكنت بعد الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 من توسيع مساحتها لتفوق مستوطنة "كوخاف هشاحر" المجاورة التي تبلغ نحو مليون متر مربع. ولا يمكن وفقاً لمراقبين، اعتبار "فتيات التلال" ظاهرة جديدة أو استثنائية، فهي تندرج ضمن مسار أوسع من الظواهر الإسرائيلية، التي وظفت فيها النساء لخدمة أهداف استيطانية وأمنية مباشرة.
وتعد إسرائيل من الدول القليلة التي تفرض الخدمة العسكرية الإلزامية على النساء عند سن الـ 18، مثل الرجال بموجب قانون "الخدمة الأمنية" الصادر عام 1949، وأظهر تحقيق نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" في يونيو (حزيران) الماضي، أن نسبة النساء المجندات في صفوف الجيش الإسرائيلي ارتفعت إلى 21 في المئة، مقارنة بـ14 في المئة فقط قبل الحرب وضعف المعدل قبل عقد من الزمان. وأشارت الصحيفة إلى أن هناك امرأة بين كل 5 جنود مقاتلين في الجيش الإسرائيلي، وهي أعلى من النسبة في معظم الجيوش الغربية، بما في ذلك الجيش الأميركي، إذ لا تتجاوز نسبة النساء بين الجنود 18 في المئة، ونسبة صغيرة فقط منهن مقاتلات.
مشاركة واسعة
وبحسب بيانات صادرة من رئاسة هيئة الأركان الإسرائيلية، فإن النقص الحاد بالقوى العاملة والعجز الكبير في القوات القتالية الذي يقدر بنحو 10 آلاف جندي، دفع إلى بحث سبل توسيع مشاركة النساء في المهام القتالية لسد هذا النقص، وبحسب صحيفة "يسرائيل هيوم" فإن نحو 65 ألف جندية احتياط تم استدعاؤهن منذ اندلاع الحرب، بل وأصبحن جزءاً من سلاح المشاة والمدفعية والدفاع الجوي والشرطة العسكرية، وحتى في بعض مواقع القيادة المتوسطة، بعدما كانت مهامهن قبل الحرب تقتصر على مهام دفاعية منخفضة الأخطار كالحراسة على الحدود، أو إدارة نقاط التفتيش في الضفة الغربية، أو أداء وظائف مكتبية وإدارية. إلا أن صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أكدت أن 42 في المئة من المناصب مغلقة أمامهن، على رغم قرارات المحكمة العليا بتوسيع فرص النساء في الوحدات القتالية. وقد ارتفعت نسبة النساء في الاحتياط بصورة تدريجية، من 1 في المئة عام 2002 إلى نحو 14 في المئة عام 2022. وعلى رغم ما يمثله توسع تجنيد النساء في الجيش الإسرائيلي من تحول استراتيجي فرضته الضغوط العسكرية، فإنه وفقاً لصحيفة "يديعوت أحرونوت" يواجه عقبات دينية وثقافية.
"اندبندنت عربي"

