2026-03-07 02:11 م

يعبرون الجسر الفلسطيني إلى واشنطن

2025-11-24

بقلم:مهند ذويب
ببساطة، يمكنُ القول إنّهم لم يعودوا "عابرين في كلامٍ عابر"، فقد أصبحوا مقيمين في أرضنا ودمنا وبين ظهرانينا. أعني المحتلين، أمّا نحنُ فلنا الإقامة في المؤقّت سمة بارزة لوجودنا الفلسطينيّ المُتعَب منذ الأزل، منذ تسلّطت رواياتٌ ووعود وتأويلاتٌ في غير محلّها في هذه البقعة الجغرافيّة التي تبدو علَّتُها في اصطفائها. شاكّاً يظهر الفلسطينيُّ اليوم ومحبَطاً، ولا يعرفُ من أين يبدأ ولا إلى أين يذهب، فيما يأتي المُتكسِّبون من شتّى أصقاعِ الأرض ليأخذوا "حصّة من دمنا"، ولا ينصرفون؛ فهذه دولٌ من آسيا الوسطى وأخرى مجاورة، ومن شمال أفريقيا وبقاعٍ شتّى، ترى لحم الفلسطيني جسراً. أتذكّر خليل حاوي بصوت مارسيل خليفة: "يعبرون الجسر في الصبح خفافاً، أضلعي امتدّت لهم جسراً وطيداً... من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد"، هي دولٌ ترى أنّ العبور إلى اتّفاق تجاري أو اقتصادي أو زيارة إلى البيت الأبيض أو صفقة عسكريّة، تمرُّ عبر 365 كيلومتراً هي ما كان يُسمَّى "قطاع" غزّة، أمّا اليوم فهي غزّة المنكوبة والمدمّرة، ويمرُّ من خلال التطبيع من القتلة والاندلاقِ المقيت إلى هذا التطبيع، إذ "طَبَعَ الله" على قلوبٍ وعقولٍ، ويمرُّ عبر استمرار الاستثمار في النتف المتبقية من أرضِ الضفة الغربية. وها هو مشروع ترامب يمرّ عبر مجلسِ الأمن، وتقفُ الدول صفّاً بانتظار "قطار" التطبيع، والرضا الأميركي والإسرائيلي، والبحث عن موضعِ قدمٍ لها في قوّة دوليّة واتّفاقٍ "هشّ" يسلبُ الفلسطينيين حقوقاً وأرضاً وأرواحاً.

"هذه أمم تمرُّ وتطبخُ الأزهارَ في دمنا... هذه أمم تفتّش عن إجازتها من الجمل الزخرف". هكذا ما زلتُ أمارس حقّي في تأويل كلام محمود درويش في ثمانينيّات القرن الماضي، إذ تعيدُ الأحداثُ نفسها بتراتبيّة حفّار قبور. هل أكتُبُ هذا لأردُّ على صديقي، وهو الذي اختنقَ بالصّمت هناك؛ حيثُ السّجون فاتحة ذراعيها، وحيثُ بن غفير ومن معه يَعِدُون الفلسطينيين بالإعدام، إذ كنّا نتناقشُ في ما قاله باحثٌ في مؤتمرٍ عُقد أخيراً عن ثلاثِ خلاصات "قاسية" حول الوضع الفلسطيني، كِدنَ يكنَّ مرادفاتٍ لثلاثة ما لهنَّ وجودُ في صراحتهنّ ووضوحهنّ: الغول والعنقاء والخِلّ الوفي، وكنّا نفكّر في تلك الجملة الشهيرة التي حفظناها صغاراً، وهي لجورج حبش: "ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة"، وأنّه خلال المسار الطويل من تحوّل فلسطين إلى قضية تخصُّ الفلسطينيين فحسب، وانسحاب العرب تدريجياً من أن يكونوا طرفاً فيها، بذل الفلسطينيون كلّ جهدهم مقاومة ومفاوضة. فسنوات طويلة من مسار التفاوض (مع مَنْ فاوضوا الله على بقرة) لم تُفضِ إلى دولة فلسطينيّة، بل إلى نزيفٍ حادٍّ في الأرض والإنسان، ولن تفضي. وسنواتٌ بلا عدد من الكفاح المسلّح والمقاومة المُسلَّحة، التي كانت ذروتها الحديثة يوم 7 أكتوبر (2023) لم تُفضِ أيضاً إلى تحقيق نصرٍ أو قيام دولة. إنّ ما لا يريدُ أحدٌ الاعترافَ به، أنّنا مُنينا بفشلٍ "مدقع"، لاعتبارات وأسباب لا داعي لاستعراضها الآن.

أمّا وقد فشلنا، وأمّا وقد علِقنا في تلك الممرّات المؤقّتة، والخطوط الخضراء والصفراء، وعدنا سيرتنا الأولى إلى الخيام، إذ فشلت الخيمة في أن تصبحَ دولة، فيقترحُ صديقي أنّ على الفلسطينيين اليوم مصارحة قاسية مع أنفسهم، ومع "أشقّائهم" عرباً ومسلمين مفادها أنّنا فشلنا، وهاكُم احملوا عنّا (معنا) قضية هي في أصلِها لا تخصّنا وحدنا، وهاكم بدلَ التمسّك بفكرة "العقيدة الوطنيّة" انظروا إلى تلك "العقيدة" العابرة للوطنيّات والقارّات التي تجعل دولاً مثل أميركا وألمانيا وسياسييهما يعترفون بـ"يهودية" دولة الاحتلال، ويُصلُّون عند حائط البراق، ويرسلون بمئات الملايين دعماً لا محدوداً. وربّما فاته، صديقي، أن يتذكّر أنّنا ارتهنّا لقراراتِ معظم الأنظمة العربيّة، وجرّبنا المُجرَّب، وأنّه جرت المتاجرة بنا سنين عدداً، وتمويل انشقاقات وانقسامات وتفسّخات في جسدِ وهيكل تلك الثورة التي كانت نحنُ، وأنّه إلى اليوم... ها هي دولٌ تحملُ دمنا مصلوباً جسراً وقرباناً إلى ترامب، مع خيراتها، طمعاً في ما لسنا نعلمُ من حماية ممّن لسنا نعلمُ أيضاً.

إذ ننجحُ دائماً في التوصيف والتنظير، وإذ نتحدّث في مؤتمراتٍ وندواتٍ وحواراتٍ عن تشخيصنا الدقيق لحالنا، لهذا الاستعصاء الطويل، فإنّنا نفشل أيضاً فشلاً إضافياً في تصوّر النتائج، لا الحلول فحسب. فنتائج كارثيّة ترتبت من هذا كلّه، من تغيّر للمجتمع الفلسطينيّ نفسه، ومن خروجٍ هو من "رامون" إلى دولٍ بلا وثائق أو أوراق، وهو التناحر الفلسطيني على الفتات والوهم. لكنّ النتيجة التي يجدُر الاعترافُ بها، والتي تبدو كأنّها استسلامٌ مقيت، وقد لا تعجب المتنفّعين، والباحثين عن شرعيّات لتمثيل الفلسطينيين، وقد لا تعجبُ أحداً، وهي أنّ الفلسطيني اليوم يبحث عن خلاصه الفردي، بوصفه فرداً لا جماعة. إنّنا اليوم أمام حالة لم تعد فيها الجماعة محلَّ إجماع، وتخلخلت مفاهيم الوطنيّة والمواطنة والانتماء، وأصبحَت المقاومة بالثقافة والكتابة والبلالين وأعواد الزيتون في نظر كثيرَيْن ممّن لاحقتهم الخسارة حتّى العظم، لا تعني كثيراً، وأصبحوا ينظرون إلى خلاصٍ فرديٍّ في ظلّ تفتّت الجماعة، وخذلانٍ أصبحَ شِرْعة دولية، وبيعٍ بالجملة لهم بوصفهم بشراً لا أرقاماً أو جسوراً. هل هذه النجاة الفرديّة قد تعني فناءً وتهجيراً وضياعاً للحقّ الفلسطينيّ؟ هل ما أتخيّله يحدث فعلاً؟ لا أعرف، لكنّ هذا الاستعصاء الفلسطينيّ يدخل مرحلة صعبة، أحسد القادرين على التفاؤل بشأنها.