2026-03-07 11:15 ص

تجاوز "حل الدولتين" ضرورة وجودية فلسطينية

2026-01-29

بقلم: محمد زريعي
لم يكن حلّ الدولتين يومًا نتاجًا لتطوّر ذاتي في الوعي السياسي الفلسطيني، ولا ثمرةً لمسار تراكمي تشكّل عبر التجربة والطموحات الوطنية الفلسطينية. لقد جاء هذا "الحلّ" من الخارج، بوصفه قرارًا دوليًا صاغته قوى كبرى وأنظمة إقليمية، ثمّ أُلبس لاحقًا ثوب "الواقعية السياسية"، قبل أن تُسخَّر ماكينةً خطابيةً كثيفةً لتحويله إلى وعي سائد عند شريحة من الفلسطينيين والعرب. وهو بالأساس استجابةٌ لمشكلات إسرائيل الأمنية والديمغرافية لا لمظلومية الشعب الفلسطيني.

هذا الوعي لم ينشأ من سؤال فلسطيني داخلي حول الحرية والعدالة، بل من سؤال خارجي بارد: كيف يمكن احتواء مطالب الفلسطينيين بأقلّ كلفة ممكنة، وبما يضمن استمرار الدولة اليهودية بوصفها أمرًا واقعًا؟ لذلك لم يكن حلّ الدولتين مشروعًا تحرريًا، بل أداةً لإدارة الصراع وضبطه، وإعادة إنتاجه بصيغ أقل فوضوية -بالنسبة للنظام الدولي- لا أكثر عدلًا بالنسبة للضحايا.

يجب أن يتغذّى الوعي السياسي، لكي يكون حيًا، من التجربة المعيشة، والواقع المادي للناس، من الصدمة، من الفقد، من الاحتكاك المباشر مع الظلم، ومن محاولات الفهم والفعل والفشل. أما الوعي الذي يُفرض من الخارج، فهو وعي هشّ، بلا جذور اجتماعية أو تحررية، سرعان ما يتحوّل إلى خطاب بيروقراطي منفصل عن الحياة. هذا ما حدث مع حلّ الدولتين: إذ أصبح لغةً رسميةً، ونصوص اتّفاقيات، ومصطلحات تفاوضية، لكنه لم يصبح يومًا تجربةً يعيشها الفلسطيني، أو يشعر أنّها تعبّر عنه، بالعكس، صارت أشبه بـ"إبرة بنج" تهدِئه مع كلّ توحش للمنظومة الصهيونية.

لم يكن حلّ الدولتين ردًا على صراع طبقي داخل المجتمع الفلسطيني، ولا تعبيرًا عن تحوّل في بنيته الاجتماعية، ولا تطوّرًا لسردية وجودية تحاول استعادة الإنسان الفلسطيني ذاتًا كاملةً، والأرض الفلسطينية رقعةً جغرافيةً سقطت بيد الاستعمار، لم ينبثق من حياة اللاجئ في المخيّم، ولا من العامل المحاصر بتصاريح العبور، ولا من الأسير، ولا من الفلسطيني الذي يعيش تحت نظام فصل عنصري واحد متواصل من النهر إلى البحر. لذلك بقي مشروعًا بلا قاعدة تحمل تكلفته، وبلا ذاكرة جمعية تحميه أو تؤمن به إيمانًا حقيقيًا.

الأخطر من ذلك أنّ حلّ الدولتين لم يكتفِ بالعجز، بل لعب دورًا فعليًا في تثبيت الاستعمار. فمن خلال الاعتراف المسبق بشرعية الدولة اليهودية، ومن خلال القبول بمنطق "الوقائع على الأرض"، جرى تفريغ القضية الفلسطينية من بعدها التحرري، وتحويلها إلى نزاع إداري على حدود، بينما بقي جوهر المشروع الصهيوني الإقصاء، والتفوق، والاستيطان خارج المساءلة. هكذا تحوّل الاحتلال إلى مسألة تقنية، والاستيطان إلى "قضية خلافية"، وحقّ العودة إلى ملف مؤجّل، قابل للتآكل والسقوط مع الزمن.

في المقابل، فإنّ مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة لا يمكن فهمه بوصفه "حلًا سياسيًا" بالمعنى التقني، ولا مجرد بديلٍ تفاوضيٍ فشل غيره، إنّه في جوهره إعادة السياسة إلى معناها الأصلي: فعلًا أخلاقيًا وتحرريًا نابعًا من الحياة نفسها. الدولة الواحدة ليست فكرةً طوباويةً ولا شعارًا أخلاقيًا مجردًا، بل نتيجةً منطقيةً للاحتكاك اليومي مع واقع واحد: نظام استعماري واحد، بنية سيطرة واحدة، وسلطة تمارس القهر على كامل الجغرافيا والديمغرافيا من دون انقطاع.

على عكس حلّ الدولتين، ينبع مشروع الدولة الواحدة من التجربة الفلسطينية الملموسة، من حقيقة أن الفلسطيني، أينما كان في قطاع غزّة، الضفّة الغربية، الداخل أو الشتات، يعيش ضمن منظومة واحدة من الإقصاء والتجريد. ومن حقيقة أن الفصل الجغرافي لم يكن يومًا فصلًا سياسيًا أو قانونيًا أو أخلاقيًا. لذلك فإن الرد على هذا الواقع لا يمكن أن يكون بالتقسيم الوهمي، بل بتفكيك البنية التي تنتجه.

الدولة الديمقراطية الواحدة ليست اختزالًا للصراع في "تعايش" ساذج، ولا دعوة لمساواة شكلية تتجاوز تاريخًا من الاستعمار والإبادة الجماعية والفصل العنصري. إنّها مشروع عدالة شاملة، يعترف بالجرح، بالذاكرة، وباللاعدالة التاريخية، ويضع المواطنة المتساوية أداةً لتفكيك الامتياز الاستعماري، لا لتغطيته. مشروع يربط بين الحرية الفردية والتحرر الجماعي، بين إنهاء الاستعمار وبناء نظام سياسي يضمن الكرامة للجميع من دون تفوق أو إقصاء.

ما نحتاجه اليوم ليس خطابًا فوقيًا جديدًا يحل محل خطاب قديم، بل مسارًا سياسيًا يتشكّل من الخبرة الحسية التراكمية: من الصدمة، من المقاومة، من الخسارات المتكررة، ومن الإصرار على العدالة بوصفها شرطًا للحياة. خطاب لا يطلب من الفلسطيني أن يكون “واقعيًا” على حساب وجوده، بل يعيد تعريف الواقعية انطلاقًا من الإنسان، لا من ميزان القوى المجرد، ويبلور خطابًا ووعيًا سياسيًا بصوت الضحايا المقهورين.

الدولة الواحدة، بهذا المعنى قراءةٌ صادقةٌ للحاضر، هي الاسم السياسي للذاكرة الجمعية الفلسطينية حين ترفض أن تُختزل في صراع حدود، وللخبرة المعيشة، والواقع السياسي والديمغرافي عندما يفرض نفسه حقيقةً لا يمكن إنكارها. وهي، قبل كلّ شيء، محاولةٌ لاستعادة السياسة من أيادي من حوّلوها إلى إدارة للألم، وإعادة إنتاج القهر، وإعادتها إلى مكانها الطبيعي: أداةً لتحرير الإنسان، لا لتكيّفه مع القهر.

إن تجاوز حلّ الدولتين ليس خيارًا أيديولوجيًا، بل ضرورةً وجوديةً، لأن أيّ مشروع لا يولد من الحياة، لا يستطيع أن يحميها، وأيّ وعي لا يتجذّر في التجربة، سرعان ما يتحوّل أداةً بيد منظومة القهر والابادة. لذلك، فإنّ الدولة الديمقراطية الواحدة ليست البديل الممكن فقط، بل التعبير الأكثر صدقًا عن حياة تُقاوم، وذاكرة ترفض النسيان، وإرادة تسعى إلى عدالة لا تُجزّأ، ترى فلسطين بكاملها أرضًا لكلّ الفلسطينيين بلا تقسيم أو حدود.

العربي الجديد