2026-03-07 09:16 ص

اليمن: صراع الفاسدين على السلطة

2026-02-07

يعيد الكاتب والسياسي اليمني خالد طربوش تعريف طبيعة الصراع في اليمن من زاوية مغايرة للسرديات السائدة، قائلاً إن الصراع لم يعد بين وحدويين وانفصاليين، ولا بين مشاريع سياسية، كما يُراد له أن يبدو، بل هو صراع بين منظومات فساد متنافسة، هدفها السيطرة على السلطة ونهب موارد الدولة.
ويضيف أن تحويل الأزمة إلى صراع هويات أو جغرافيا ليس خطأً سياسياً بريئاً، بل وسيلة واعية لتفريغ الغضب الشعبي من جوهره الحقيقي، ويقول إن كل الأزمات، من انهيار الخدمات إلى تفكك الدولة، تقف خلفها منظومة فساد متجذرة. هذه المنظومة، وفق وصفه، لا تقتصر على المليشيات المسلحة، بل تشمل نخبًا سياسية ومدنية "تمنح الفساد غطاءً قانونياً وأخلاقياً". ويؤكد أن تغيير الوجوه لا يكفي. المعركة الوحيدة الحاسمة هي معركة هي معركة وجود: إما أن تُكسر هذه المنظومة أو تُدمَّر الدولة والمجتمع.


جذور منظومة السلطة الفاسدة
تعود جذور هذه المنظومة إلى ما بعد ثورة 26 أيلول/سبتمبر 1962، التي لعبت في سنواتها الأولى دوراً محدوداً في تقليص نفوذ القبيلة، مع بدايات تشكّل نواة دولة ومؤسسات وطنية. غير أن هذا المسار تعثّر سريعاً بفعل الحرب الأهلية والصراعات السياسية والعسكرية التي انتهت بانقلاب نوفمبر 1967، لتعيد القبيلة إلى مركز السلطة.  ووفق دراسات أكاديمية، انتقلت القبيلة من هامش المجتمع إلى صدارة الحكم والتحكم بالثروة.
وتشير دراسة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) لتقييم الفساد في اليمن إلى أن الفساد الاقتصادي والسياسي الواسع يعكس هيمنة تحالف القبيلة والعسكر على الدولة منذ عام 1970، لا سيما عبر قبائل الشمال. فقد ترسّخ حضور شيوخ القبائل وأبنائهم داخل المؤسسة العسكرية، خصوصاً في سلك الضباط، ما أتاح لهم وصولاً مباشراً إلى مراكز القرار.
ومع مرور الوقت، تعزّز النفوذ القبلي داخل مؤسسات الحكم. وبدلاً من أن تبسط الدولة سلطتها على المناطق القبلية، تمدّدت القبيلة داخل أجهزة الدولة نفسها، ما فرض منطق الشبكات والولاءات على القرار السياسي والاقتصادي، وأضعف مؤسسات الدولة.


إرث الفساد في عهد علي عبدالله صالح
في عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، أصبح الفساد جزءاً بنيوياً من نظام الحكم. تقارير البنك الدولي ومنظمة الشفافية الدولية صنّفت اليمن ضمن أكثر الدول فساداً خلال العقدين الأخيرين من حكمه. كانت الدولة تُدار عبر شبكة ولاءات قبلية وعسكرية واقتصادية، تُستخدم فيها الموارد العامة لضمان البقاء السياسي.
تركّز الفساد في قطاعي النفط والأراضي. مُنحت امتيازات نفطية وعقود خدمات لشركات مرتبطة بنخب نافذة، خارج معايير الشفافية. وشهدت صنعاء وعدن عمليات استيلاء واسعة على أراضي الدولة، تورط فيها مسؤولون عسكريون وقبليون. وأشار الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة قبل 2011 إلى اختلالات كبيرة في إدارة الإيرادات النفطية وعدم توريد الجزء الأكبر منها إلى الخزينة.
اعتمد النظام، بحسب محللين، على شراء الولاءات بالمناصب والاعتمادات المالية. ومع احتجاجات 2011 ورحيل صالح، لم تُفكك هذه الشبكات. بل أعادت تموضعها داخل السلطات الجديدة، لتصبح قاعدة مشتركة لفساد ما بعد الدولة.


حرب 1994 وتعزيز بنية النهب
بعد حرب 1994، تعزز نفوذ النخب القبلية والعسكرية، مع سيطرتها على قيادة القوات المسلحة. أدت هزيمة الجنوبيين إلى تحجيم التيار المدني، ومصادرة أراضٍ ومشاريع جنوبية، ووهبها لنخب شمالية. جرى احتواء الغضب الجنوبي بتمثيل سياسي شكلي وتوزيع عقود مربحة.
بتزاوج المؤسستين القبلية والعسكرية، فُتح الطريق للاستحواذ الواسع على الموارد. وقُوبلت أي محاولات لبناء دولة قانون بمقاومة منظمة. فُرضت الأعراف القبلية بدل القانون، واتسع نفوذ "الزعامات" القبلية بدعم من شرائح طفيلية وتيارات دينية معادية للتحديث.


الفساد بعد 2011: منظومات متوازية
ومنذ الإطاحة بالرئيس اليمني علي عبدالله صالح في 2011، لم تتفكك منظومة الفساد في البلاد. تغيّر رأس السلطة، لكن الشبكات التي تحكم الموارد والإيرادات بقيت فاعلة. ومع اندلاع الحرب في 2014 بين جماعة الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا، تراجع حضور الدولة أكثر، وبرزت ثلاث سلطات متنافسة، لكل منها منظومتها الخاصة لإدارة المال العام خارج الأطر القانونية.


الحوثيون: السيطرة على الموارد في مناطق الشمال
في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، تشكّلت منظومة مالية مغلقة. تقارير لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي المعنية باليمن وثّقت، بشكل متكرر، استيلاء الجماعة على الإيرادات العامة وممارسات وصفتها بـ"غير القانونية".
ووفقاً لتلك التقارير، استولت الجماعة على نحو 18 مليار دولار من الإيرادات العامة خلال الفترة من 2015 حتى 2023. كانت هذه الأموال مخصصة لدفع رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية.
تفرض الجماعة جمارك وضرائب  تقدّر بنحو 500 مليون دولار سنوياً. كما تتهم التقارير الحوثيين بخلق نقص اصطناعي في الوقود عبر تعطيل الإمدادات، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في السوق السوداء. تُدار هذه السوق، بحسب التقارير، من شركات مرتبطة بقيادات من الصف الأول في الجماعة.

وسّعت الجماعة سيطرتها لتشمل القطاع المصرفي. في تموز/يوليو 2020، استولت على بنك التسليف التعاوني الزراعي (كاك بنك). وفي حزيران/يونيو 2021، فرضت سيطرتها على بنك التضامن الإسلامي الدولي، أكبر بنك تجاري في البلاد. كما استولت، في السنوات الأولى من الحرب، على احتياطيات العملة الأجنبية التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، المقدّرة بنحو 5 مليارات دولار، إضافة إلى ودائع بنكية يمنية بقيمة 1.9 مليار دولار.
وتشير تقارير الخبراء إلى أن الجماعة تجني ما يُقدّر بـ3.36 مليار دولار سنويًا من فرض رسوم "عبور آمن" على سفن الشحن في البحر الأحمر. كما تمارس أنشطة غير مشروعة تشمل تهريب النفط، الذي يُدر أكثر من 4 مليارات دولار سنويًا، والاتجار بالمخدرات، بما في ذلك حبوب الكبتاغون، إضافة إلى غسل الأموال عبر شبكات صرافة وشركات وهمية.


المجلس الانتقالي الجنوبي: منظومة موازية في الجنوب
في الجنوب، يسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على مساحات واسعة من السلطة، بعد أن نازع الحكومة المعترف بها دوليًا وتقاسم معها نحو 60% من المناصب الحكومية. وتتركز اتهامات الفساد الموثقة ضد المجلس وقياداته في الاستيلاء على الأراضي، والتحكم في تجارة النفط، وفرض ضرائب غير قانونية.
ووفق مصادر في وزارة المالية والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، فإن أبرز الانتهاكات تتعلق بالأراضي العامة. تقرير للجهاز المركزي وثّق 1929 قضية اعتداء على أراضي الدولة في عدن ومحافظات جنوبية أخرى. تشمل هذه الأراضي المنطقة الحرة في عدن، وأراضي ميناء عدن، وممتلكات تعليمية وسياحية. وتبلغ المساحة الإجمالية للأراضي المعتدى عليها أكثر من 476 مليونًا و758 ألفًا و95 متراً مربعاً.
في قطاع النفط، تشير مصادر متعددة إلى أن قيادات في المجلس الانتقالي فرضت سيطرة احتكارية على استيراد وتوزيع المشتقات النفطية. وتعرضت شركة النفط اليمنية، بحسب هذه المصادر، لضغوط لتوجيه جميع الاستيرادات عبر شركة يسيطر عليها قياديون في الصف الأول بالمجلس، مقابل تحقيق هوامش ربح غير مشروعة.
في الموانئ، أُنشئ نظام ضريبي غير قانوني. فُرضت رسوم على كل لتر وقود مستورد، وعلى صهاريج النفط والحاويات. تُحوّل هذه العائدات إلى حسابات "خاصة" خارج أي رقابة رسمية.
كما استخدمت شركات خاصة لغسل الأموال، مع سيطرة على شركات صرافة وشركات تجارية كبرى. وتشير تقارير إلى تحصيل إيرادات تصل إلى 180 مليار ريال يمني شهريًا، مع تحويل أجزاء منها إلى الخارج.


الحكومة المعترف بها دولياً: فساد داخل المؤسسات الرسمية
في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، لا تبدو الصورة مختلفة.  تتهم مصادر رسمية الحكومة  بممارسات تشمل تبييض الأموال، وتمويل الإرهاب، وبيع حقول نفطية، وإبرام عقود طاقة مشوبة بالفساد، وإهدار المال العام.
وبحسب مصدر في وزارة المالية وآخر في البنك المركزي اليمني في عدن، فإن الحكومة تدفع رواتب لنحو 3000 موظف في مجلس القيادة الرئاسي والوزارات والسلك الدبلوماسي، بتكلفة بلغت 4 مليارات و32 مليون دولار خلال ثمانية أعوام. في المقابل، تعجز الحكومة عن دفع رواتب مئات الآلاف من الموظفين، بينهم معلمون وموظفو خدمة مدنية.
كما كشف تقرير للجهات الرقابية الحكومية عن فساد تجاوز 1.72 مليار دولار في قطاع الكهرباء والطاقة، عبر عقود إيجار وتشغيل وُصفت بأنها مجحفة وغير شفافة.
وفي وزارة الدفاع، قال مصدر إن الوزارة تعمل على إزالة نحو 200 ألف اسم وهمي من كشوفات الرواتب. كانت هذه الأسماء الوهمية تتقاضى نحو 20 مليار ريال يمني من خزينة الدولة، تذهب، بحسب المصدر، إلى جيوب قادة محاور ومعسكرات.
وأكد مصدر دبلوماسي أن مسؤولين في الحكومة والمجلس الانتقالي يمتلكون عقارات في القاهرة ودبي وتركيا. ووفقًا للمصدر، فإن رئيس وزراء سابق في الحكومة المعترف بها دوليًا يمتلك نحو 600 عقار في القاهرة ودبي والبحرين.
ويقول المحلل السياسي اليمني عبدالملك عزيز، إن أطراف الصراع لا تُبدي حماساً حقيقياً لإنهاء الحرب، لأن ذلك قد يهدد المصالح التي راكمتها خلال سنوات النزاع. ويضيف أن أي تسوية شاملة ستفرض إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وضبط الإيرادات، وفتح ملفات الفساد، وهو ما تعتبره هذه الأطراف خطرًا مباشرًا عليها. ووفقًا للمحلل، فإن إعاقة جهود السلام ليست ناتجة عن خلافات سياسية بقدر ما هي محاولة للحفاظ على شبكات نفوذ تشكّلت في غياب الدولة، وتستفيد من استمرار الفوضى.

موقع المدن