2026-03-07 09:35 ص

الضفة: ماذا بعد قرار الاحتلال الأخطر؟

2026-02-17

بقلم: أدهم مناصرة

تؤشر القرارات والاجراءات الإسرائيلية المتلاحقة في شأن الضفة الغربية في الأسابيع الأخيرة، أنها مكملة لبعضها، لدرجة أن كل قرار يمهد لما بعده، ما يؤكد أن حكومة اليمين الإسرائيلي تمضي في مخطط متدحرج لتغيير وجه الضفة وفرض الضم المتدرّج.

والمفارقة الآن، هي أن حكومة بنيامين نتنياهو تسابق الزمن باتخاذ أخطر القرارات في شأن الضفة منذ احتلالها في العام 1967، لمحاولة تثبيت وقائع جديدة قبل أشهر من الانتخابات العامة، وضمن مساعي استثمار ما يصفها الاحتلال بـ"الفرصة النادرة"، في موازاة بروز الضفة كملف مقايضة بين إسرائيل وأميركا أمام الملفات الإقليمية.

وبتقريب المجهر من أحدث قرار إسرائيلي يقضي ببدء تسجيل أراض واسعة في الضفة إلى "أملاك دولة"، فإن تفاصيل كثيرة بخصوص الأراضي المستهدفة ونسبتها، تبدو غير واضحة تماماً؛ نظراً لمحاولات الاحتلال استغلال تعقيدات واجهها الفلسطينيون في عملية تسجيل بعض الأراضي على مدار عقود طويلة، إلى جانب تناقض الأرقام والنسب نتيجة لتحديات في حصرها بفعل تصنيفات فرضها الاحتلال خلال 58 عاماً، ناهيك بأن اللائحة التنفيذية للقرار الإسرائيلي الأخير، تبدو غامضة أيضاً.

 

وظائف وموازنات.. للضم الزاحف؟

وبالتوقف عند النص الحرفي للقرار الإسرائيلي، فإنه يشير إلى أن حكومة نتنياهو ستستحدث وظائف جديدة وموازنات خاصة في سبيل تسجيل أراضي الضفة كـ"أملاك دولة"، ما يعني أن عملية التسجيل الإسرائيلية ستأخذ إجراءات متعددة ومركّبة، لـِ "حسم" ضمها، علماً أن نصّ القرار لا يعترف بتقسيمات أوسلو "أ" و"ب" و"ج"، وإنما يسميها كلها "يهودا والسامرة". وهنا، قال المراسل العسكري لهيئة البث الإسرائيلية إن القرار لا يستهدف فقط منطقة "ج" وإنما كل التصنيفات.

لكن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومحامين مختصين بالقانون الإسرائيلي، يشددون في أحاديثهم لـِ "المدن"، على أن خطوة الاحتلال ستركز على منطقة "ج"، وتحديداً الأراضي التي يواجه الفلسطينيون تحديات كبيرة في تثبيت ملكيتهم لها؛ لأسباب تعود جذورها إلى عشرات السنوات.

وفي حين، قدّر باحثون في شؤون الاستيطان أن القرار الإسرائيلي يستهدف تسجيل 40 في المئة من الأراضي كـ"كأملاك دولة"، قالت وسائل إعلام عبرية إنه في حلول العام 2030، ستكون إسرائيل قد سجلت بين 15 و20 في المئة من أراضي الضفة.

ووفق آخر تقرير لجهاز الإحصاء الفلسطيني، فإن نسبة الأراضي الخاضعة لإجراءات استعمارية إسرائيلية، تبلغ 69 في المئة من مجموع المنطقة المصنفة "ج".

 

تصنيفات متعددة.. لأراضي "ج"

والحالُ أن الاحتلال فور احتلاله الضفة، وضع عدة تصنيفات لأراضي الضفة، لتسهيل سيطرته عليها، توزعت بين أراضي "أميرية" و"غائبين"، وأخرى صخرية "غير مستصلحة"، إضافة إلى تصنيفه ما نسبته 25 إلى 30 في المئة من أراضي الضفة التي تمكنت السلطات الأردنية من تسجيلها قبل احتلال عام 1967، كـ"أراضي خزينة أردنية"، إلى جانب اعتبار مساحات أخرى "مناطق عسكرية" أو "محميات طبيعية".

ويرى الباحثون في شؤون الاستيطان أنّ تصنيف كثير من الأراضي كـ"أملاك دولة" يهدف إلى التصرف بحرية أكبر في البناء الاستيطاني وتمكين المستوطنين من شراء الأراضي والاستيلاء عليها.

 

الأراضي المستهدفة أولاً؟

وأوضح مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود لـ"المدن" أن الاحتلال سيبدأ بضم الأراضي التي صنفها "خزينة أردنية" وأيضاً تلك المصنفة "غير مستصلحة"، رافضاً تحديد نسبة مئوية محددة، لصعوبة حصرها.

وكانت الحكومة الإسرائيلية استبقت قرارها الأخير، بإلغاء جميع إجراءات التسوية والتسجيل التي نفذتها سلطة الأراضي التابعة للسلطة الفلسطينية في المنطقة "ج" بالسنوات الأخيرة، بينما برر الاحتلال قراره الجديد، بأنه يأتي لقطع الطريق على محاولات أحادية من السلطة الفلسطينية "خلافًا للقانون والاتفاقيات مع إسرائيل"، على حد تعبيره.

وبالرغم من التحديات، تمكّن فلسطينيون من إثبات ملكيتهم لنسبة من أراضي "ج"، ولم تحدّد الجهات الفلسطينية المتخصصة نسبتها ومساحتها أيضاً، بفعل تقسيمات الاحتلال والتعقيدات سالفة الذكر.

وحتى الاحتلال، تتضارب أحياناً لديه أرقام ونسب الأراضي وتصنيفاتها، لأنه أرشف كثيراً من أوراقه قبل عملية الحوسبة لها.

 

تحديات التسجيل

واقعياً، لا يُعرف كيف سيبحث الاحتلال بموجب القرار الجديد، عن ذرائع مستجدة للتحايل على أي ملكية للفلسطينيين، فالخبراء بالقانون الإسرائيلي، أوضحوا لـ"المدن" أن الاحتلال كرس كل وقته طيلة العقود الماضية، لدراسة القوانين البريطانية والأردنية والعثمانية وغيرها، لإيجاد ثغرات وذرائع لصالحه.

 وسيجد الفلسطيني نفسه يخوض معركة قانونية لوحده، كي يثبت ملكيته للأرض. 

علماً، أن الإشكالية في تسجيل الأراضي تعود إلى الحقبة العثمانية، اذ إن السكان لم يسجلوا كامل الأراضي التي يملكونها حينها، وذلك للتهرب من دفع الضرائب الباهظة.

لكن مسؤولين في السلطة الفلسطينية أوضحوا لـ"المدن" أنهم تعاونوا في السنوات الماضية مع الدولة التركية للمساعدة في منح "الطابو" والسجلات التي تمكن الفلسطينيين من إثبات ملكيتهم للأراضي، وبالتالي حمايتها من مصادرتها من الاحتلال، لكن هؤلاء المسؤولين بينوا أن الإشكالية في عدم وجود سجلات لجميع أراضي الضفة لدى تركيا، عدا أن بعض سجلات الملكية تستحوذ عليها بريطانيا بحكم انتدابها لفلسطين.

 

مصير الضفة؟

في ظل ما توصف بالمرحلة الأخطر، يبدو مصير الضفة قاتماً، فيما اعتبر المراسل العسكري لتلفزيون "مكان" العبري أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة تمثل المسمار الأخير في اتفاق أوسلو.

وأما السلطة الفلسطينية، فيرى قادتها أن أخطر ما في قرار تحويل أراضي واسعة بالضفة إلى "أملاك دولة"، هو أنه ينهي أي أفق سياسي أو إمكانية لكيان أو دولة فلسطينية. في حين، ترى جهات يسارية إسرائيلية أن إسرائيل ستجد نفسها "دولة مزدوجة القومية"؛ لأن اليمين يرغب بضم الضفة من دون منح الفلسطينيين الحقوق والجنسية.

وفي سياق محاولاته خلط الأوراق، نشر جيش الاحتلال 4 كتائب إضافية ووحدات كوماندوز في الضفة، لتنضم إلى 21 كتيبة موجودة أصلاً، بحجة الاستعداد لأي تصعيد محتمل ولمنع فقدان السيطرة خلال شهر رمضان.