بقلم: فؤاد البطاينة
عشرات السنين من تعاون الحكام العرب مع كيان الإحتلال بذريعة تمسكهم باستراتيجية الحلول، واصل فيها الكيان تعظيم الإستيلاء على أراضي الضفة وتوسيع وتسمين المستوطنات وإجراءات التهويد والتنكيل بالفلسطينيين، بينما واصل الحكام شيطنة نهج المقاومة وتعظيم تعاونهم مشفوعا ببيانات الشجب كلما اشتد الخطب وعلا الصراخ.
وبعد غزة، تستكمل “إسرائيل ” في الضفة الغربية أهداف نهج سلام هؤلاء الحكام وتبدأ بقطف ثماره وتعلن عن تملكها لعموم الأراضي الفلسطينية منهية بهذا الحديث عن أي حل وليس فقط حل الدولتين، ولاغية لمعاهدة أوسلو ولكل أثر قانوني أردني في الضفة، في عملية نزع للهوية الفلسطينية وتصفية القضية وتصفير أي سبب لبقاء السلطة الفلسطينية ولكل مبرر أخلاقي للحديث عن حلول سلمية أو تطبيع. ولا أستوعب وقاحة استمرارهم في تأبط سياسة الرد ببيانات الشجب عل الإجراءات الأخيرة من خلال البيان الثماني هرباً من مواجهة الحقيقة، ولكني أستوعب أن الصراع الصهيوني- صهيوني سينتقل من الساحة الفلسطينية الى الأردنية.
هؤلاء الحكام جعلوا من حرب الكيان على فلسطين والأمة حرباً لهم، ومن أهدافه أهدافاً لهم وبالغوا. وأحرجوا الأصدقاء والأعداء وأحرجوا منفذي القانون الدولي. وإن امتناعهم عن مجرد قطع علاقاتهم الدبلوماسية الشكلية فقط مع الكيان إبان جرائمه في غزة لفي الدرك الأسفل من النوايا، لأنه امتناع جاء كي لا يُفسر عند العالم بأنهم ضد ما يفعله الكيان. فلو فعلوها احتجاجاً على المذابح الجماعية الإبادية، لَتَغير الموقف الأوروبي كمجموعة، بل ولداست أمريكا على الكوابح، ولما حصل ما حصل في غزة من فظائع.
من الواضح أن الحكام العرب ليسوا حياديين ولا مجرد شركاء للصهيو أمريكي، بل هم العنصر الأساسي بكل ما أستطاع العدو إنجازه في فلسطين وغزة والوطن العربي. لقد قدموا مع أسلافهم للمشروع الصهيوني ما لم يكن بإمكان الأوروبيين الصهاينة تقديمه. وقدموا أكثر مما يطلب منهم. وما كان للمشروع الصهيوني أن ينجح في بداياته ولا أن يستمر في فلسطين بدونهم. أقلموا ما قسمه العدو ودمروا دولنا وأفشلوها وأذلوا شعوبنا. وفائض الوقت كرسوه لشيطنة نهج الرفض والمقاومة. وما كان ممكناً للعالم ولكيان الإحتلال أن ينجحوا بشيطنة مقاومة احتلال تعترف به الأمم المتحدة بدونهم، ولا لألف اسرائيل أن تنجح بحصار غزة لعقدين بدون تعاونهم على الأرض.
وبناء عليه فإن تعريف هؤلاء الحكام بالوكلاء أو بالخونة ليس دقيقاً ولا منطقيا ولا يعبر عن واقعهم، لأن للخيانة والخونة قواعد سلوك وحدوداً يتوقفون عندها أو يتلونون، أما هؤلاء فلا. فمهما كان منبتهم أو نسبهم العرقي أو القومي أو الوطني أو الديني، فإنهم صهاينة العقيدة متطرفين يحكمون في بلادنا. وإلا فنريد منهم تفسيراً على ما سلف. مذكراً بأن الصهيونية ثقافة خارجة على الإنسان الغير، وعلى الإنسانية. وتنتمي إلى الشيطان. وبأنه لا فرق بين الصهيوني واليهودي. ولا علاقة لعقيدة موسى وعيسى وكل الرسل باليهود. واسمهم الحقيقي التاريخي أتباع “يهوة” الصنم، وليس إيل (الله ) ودستورهم التلمود.
أستكمل تساؤلاتي الدامغة لصهيونيتهم وطلبي لتفسيرهم. لماذا يقدمون لأمريكا وللكيان بلا حدود. ولماذا هجرت “اسرائيل” نهج التفاوض والسلام منذ عقود انتهجت فيها البطش بالقضية وأهلها بينما هم كانوا وما زالوا ملتزمين به، ولماذا لم يتخذوا موقفاً سياسيا من قرارات الكيان الأخيرة المصفية للقضية، والمنهية للعملية السلمية المزعومة، ولماذا لا خطوط حمر لديهم يعلنوها إلا على شعوبهم، ولماذا ما يهز عرش الرحمن من أفعال الإمارات “واسرائيل” ومشهد الطفل الغزي الفاقد لأسرته وهو يغمس كسرته في وعاء فارغ لا يهز فيهم شعرة. قَولي هو لشعوبنا، بأن هؤلاء الحكام ليسوا من طينتنا، وإن استمريتم بالصمت عليهم فستنبت لكم قرون.
إسرائيل مع رهطها، تخوض حربا وجودية مكشوفة عنوانها ” لا وجود لعرب أو لإسلام أو لمسيحية في الوطن العربي مع الوجود اليهودي الصهيوني في فلسطين أو المنطقة”. إنها تعي بأن حكام العرب والمسلمين عوناً لها لا خصما. وبأنها تبني استراتيجيتها على قاعدة “إما هي بمشروعها في هذه المنطقة وإما نحن”. هذا هو ما تطرحه وهذا هو السلام عندها والحل. والأردن أرضا وشعباً في حساباتها القديمة والحديثة هو كفلسطين أرضاً وشعباً. وهنا تحضر إيران فيه هذا المقال.
إيران بكل ما تُنعت به أو تُتهم من قبل البعض ليس مبنياً على تقصي الحقائق ولا على نتائج حوار ومكاشفة، وتطغى عليه أكاذيب تنسجها دوائر أمريكا والصهيونية بالتعاون مع الحكام المتطرفين بصهيونيتهم. إيران هي اليوم وحدها العقبة الباقية لتنفيذ وإنجاح مشروع إزالة العرب والإسلام من الجغرافيا والتاريخ. ووحدها كنظام حاملة وسام الدفاع عن الشرف الإسلامي بأثمان مهما علت. وإن كان العدوان آت فالرد عليه آت تاجه لا استسلام لمسلم أو لحر لغيرالله، فهي منتصرة في كل الحالات. وإن وقعت إيران بالأسر افتراضاً فسيكون في غيابها الضربة القاضية لكل دول المنطقة العربية وامتدادها الإسلامي. ومن ينتظر إسقاطها من عربي أو مسلم فإنما ينتظر زواله بإذلال من الله يستحقه، مواطناً كان أو حاكما. فليكن لأحرار شعوبنا موقف يتقون به الله والوطن والمقدسات.
كاتب عربي اردني

