في وقت بدأ يعتقد فيه سكان غزة أن ملامح "اليوم التالي للحرب" تقوم على مبدأ القانون والانضباط بالمعايير الدولية بعدما أعلنت لجنة إدارة غزة تشكيل جهاز شرطة ملتزم، نضجت في غرف الولايات المتحدة وإسرائيل خطة تثير الريبة تنص على أن عناصر العصابات المسلحة هي نواة تشكيل قوة شرطة غزة الجديدة.
منذ تولي الولايات المتحدة شؤون التخطيط لمستقبل غزة انتهجت خططاً تدعم الازدهار القائم على السلام الاقتصادي، لكن في موضوع الأمن تفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتباع خطة خشنة لإعادة صياغة المشهد الأمني في القطاع، بخاصة في ظل رفض "حماس" التخلي عن حكم غزة، وإصرارها على عدم نزع سلاحها.
دمج الميليشيات لمواجهة "حماس"
بينما كان المندوب السامي لغزة نيكولاي ملادينوف يعلن بدء بناء جهاز شرطة كلاسيكي، وفتحت لجنة إدارة غزة باب التوظيف أمام الغزيين في قوة الشرطة الانتقالية وتسابق المطابقون للشروط على التسجيل، رأت الإدارة الأميركية أن غزة لا تحتاج إلى قوة كلاسيكية وإنما يلزمها قوة استقرار محلية قادرة على خوض مواجهات شوارع مباشرة مع خلايا حركة "حماس" المتبقية، لكن يجب أن يحصل ذلك بطريقة ذكية.
وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن باب التوظيف في شرطة التكنوقراط مفتوح لجميع سكان غزة بما يشمل أيضاً المنتمين للعصابات المسلحة، ولكن يستثنى من المتقدمين لطلبات العمل عناصر أجهزة "حماس" الأمنية وموظفي السلطة في القطاع.
تشير المعلومات الأولية إلى أن الولايات المتحدة تفضل منح الميليشيات المسلحة المناهضة لحركة "حماس" أولوية في الحصول على فرص التوظيف، لتشكيل نواة قوة الشرطة المحلية التابعة للجنة التكنوقراط، وذلك لتحقيق أهداف مختلفة قد يكون من الصعب على الشرطة الكلاسيكية تحقيقها.
في الواقع، لا تجد الميليشيات المسلحة في غزة قبولاً شعبياً، إذ يرفضهم المجتمع ويتهمهم بالعمالة لمصلحة إسرائيل وسرقة معوناتهم الغذائية والخروج عن السياق الوطني، لذلك لا تجد فكرة دمجهم بجهاز شرطة التكنوقراط قبولاً محلياً ولا حتى إقليمياً.
لكن الخطة الأميركية القائمة على الأمن المحلي البديل تهدف إلى الاستعانة بعناصر الميليشيات لمواجهة "حماس" التي ترفض نزع سلاحها وكذلك تصر على البقاء في الحكم، إلى جانب ما اكتسبه هؤلاء العناصر من خبرة واسعة بتقنيات تحليل الشبكات لتعقب خلايا وأنفاق "حماس" وتفكيكها.
الشرطة الكلاسيكية لا تصلح لغزة حالياً
وتبرر الولايات المتحدة فكرة اللجوء إلى الميليشيات المسلحة لأن القوات النظامية سواء البعثة الدولية أو قوات السلطة الفلسطينية أو جهاز الشرطة المزعم بناؤه، لا ترغب ولا تستطيع الدخول في مواجهة دامية ومباشرة مع خلايا "حماس" المتبقية.
يقول مبعوث الرئيس الأميركي لمنطقة الشرق الأوسط كيث كيلوج "القوات التقليدية لا تستطيع تنفيذ المهام المطلوبة، الحل يكمن في تجنيد من يمتلك القدرة على القتال على الأرض، في المرحلة الحالية نبحث عن أشخاص يمتلكون السلاح والقدرة على مواجهة ’حماس‘ لإدارة أمن غزة، هؤلاء يعرفون الأرض ولديهم حسابات قديمة مع الحركة، ونحن سنوفر لهم الغطاء المالي والتقني، صحيح أن تجنيد عناصر الجريمة المنظمة ليس خياراً مثالياً، لكنه الخيار الوحيد المتاح الذي يمتلك الجرأة على كسر شوكة ’حماس‘ ميدانياً، نموذج الشرطة الغربي لا يصلح لغزة حالياً، لذلك واشنطن ستدعم القوى المحلية التي أثبتت جدارتها في تأمين المساعدات".
شرطة التكنوقراط بوابة ترسيم العصابات
يقول الباحث السياسي رؤوف قنديل "لا تتعارض خطة توظيف العصابات مع تشكيل قوة شرطة تابعة للجنة إدارة غزة، إدارة ترمب تريد أن تكون التكنوقراط الغطاء الرسمي للعصابات، فهي الواجهة المدنية والشرعية التي تمنح هؤلاء المسلحين صفة رسمية بدلاً من تسميتهم عصابات يجري تسجيلهم في الكشوفات كـ’منتسبي جهاز الشرطة المجتمعية‘"، ويضيف "في تلك الخطة توزيع للأدوار، الخشن والناعم، العصابات تتولى المهام الخشنة مثل المداهمات وتفكيك خلايا ’حماس‘، ولجنة الإدارة تتولى إصدار البيانات الرسمية التي تضفي صبغة القانون على تحركات هذه المجموعات".
تأييد إسرائيلي
وجدت هذه الخطة معارضة جميع الأطراف إلا إسرائيل، يقول رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو "ما الخطأ في ذلك، ما دامت إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الأمنية، لا بأس من أن تكون الإدارة اليومية بيد قوى محلية غير معادية، أعتقد أن استخدام تلك التشكيلات كأداة انتقالية لتقويض حكم ’حماس‘ المدني، هو المفتاح لإنهاء الحرب بشروط إسرائيلية".
ويقول وزير الدفاع يسرائيل كاتس "نحن ندعم أي قوة محلية تضمن عدم عودة ’حماس‘، إذا كانت هذه القوى تمتلك السلاح والإرادة لمواجهة الإرهاب، فسنزودها بما تحتاج إليه لتأمين الفقاعات الإنسانية، دعوا المجموعات المحلية التي تضررت من حكم ’حماس‘ تتولى زمام الأمور".
"حماس" والسلطة ترفضان الفكرة
ما تطرحه أميركا أغضب "حماس" كثيراً، فهي تعتبر أن العصابات المسلحة أعداؤها وكيف إذا باتوا ضمن قوة أمنية، يقول عضو المكتب السياسي للحركة باسم نعيم "أي قوة أمنية تشكل خارج إطار التوافق الوطني ستعامل كقوة احتلال، القوات التي يسعى مجلس السلام إلى تشكيلها مرفوضة، فالجهاز الشرطي في غزة يجب أن يظل مؤسسياً ومهنياً"، ويضيف "الجهاز الشرطي في غزة هو الوحيد المخول قانوناً بضبط الأمن، وأي مجموعات مسلحة تحاول فرض نفسها كبديل، هي مجموعات خارجة عن القانون وعصابات إجرامية ستلاحق، واهم من يظن أن شعبنا سيقبل بنماذج فاشلة، غزة عصية على الترويض، وأي شرطة لا تنبع من إرادة الشعب الفلسطيني لن تستطيع البقاء يوماً واحداً".
الرفض ليس من "حماس" وحدها، أيضاً تتبنى السلطة الفلسطينية هذا الموقف الرافض لهذه الخطط، يقول المتحدث باسم قوى الأمن الفلسطينية اللواء أنور رجب "الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بضبط الأمن في غزة، دمج العصابات سيؤدي إلى تحويل قطاع غزة إلى مناطق نفوذ لأمراء حرب مما يهدد مشروع الدولة الفلسطينية"، ويضيف "السلطة الفلسطينية بدأت بتجهيز قوائم تضم آلافاً من عناصر أمن سابقين في غزة لإعادة دمجهم وتدريبهم لتولي المهام الأمنية، وهناك قوات جرى تأهيلها في مصر والأردن جاهزة لدخول غزة فوراً لتولي مهام الأمن".
ترفض مصر تحول غزة إلى منطقة نفوذ للعصابات المسلحة، ولذلك بدأت في تدريب آلاف من عناصر الشرطة الفلسطينية لخلق بديل مهني ونظامي، أما الاتحاد الأوروبي فقال مسؤول السياسة الخارجية فيه جوزيف بوريل "تحويل غزة إلى إقطاعيات يحكمها أمراء حرب وعصابات إجرامية سيؤدي إلى كارثة أمنية وإنسانية أعمق، استدامة الأمن في غزة تتطلب قوات شرطية مدربة وخاضعة للمساءلة، لا مجموعات مسلحة متورطة في أعمال نهب، لذا فإن تهميش السلطة لمصلحة العشائر المسلحة وصفة لفوضى دائمة".
لا ولاء ولا قبول شعبي
لكن لماذا كل هذا الرفض للميليشيات المسلحة، يقول الباحث العسكري خالد بركات "يفتقر سكان قطاع غزة إلى الثقة في هذه الجماعات المتورطة في أعمال نهب للمساعدات وجرائم قتل واختطاف، وجعل تلك الميليشيات قوات نظامية يعني تحويل غزة إلى منطقة صراعات بين ميليشيات متنافسة بدلاً من فرض نظام قانوني مستقر"، ويضيف "ينظر إلى هذه الميليشيات على أنها وكلاء لإسرائيل، مما يفقدها أي شرعية وطنية أو سياسية، كذلك فإن هذه المجموعات تفتقر إلى التدريب العسكري المنضبط والولاء المؤسسي، مما يجعلها قوة غير موثوقة في مواقف النزاع الفعلي، وقد تسهم في تحويل غزة إلى غابة من السلاح بدلاً من سلطة أمنية مركزية".
ويوضح بركات أن عناصر هذه المجموعات يملكون عقيدة أمنية وسرعان ما سيتحولون لممارسة الابتزاز وفرض الإتاوات على المدنيين، كذلك فإنه من السهل اختراقهم، إذ هناك مخاوف من قيام "حماس" باختراق هذه المجموعات عبر عملاء مزدوجين أو ترهيب عائلاتهم، مما يجعل المنظومة الأمنية هشة.
اندبندنت عربي | عز الدين ابو عيشة

