بقلم: نبهان خريشة
في زمنٍ باتت فيه اللغة مجرد قشرة، لم يعد مهما أن يتحدث المحلل بالعربية الفصحى بنبرة رنانة، ما دام المعنى يخرج من فمه محمولا على جناح عبري خالص. تراه على الشاشة يبتسم بثقة، ويلوح بيده كمن يشرح خريطة انتصارات، بينما كلماته ( لو أُعيدت ترجمتها) لا تحتاج إلى قاموس عربي، بل إلى قاموس اللغة العبرية الذي أصدره “إليعازر بن يهودا” مع نشوء الحركة الصهونية قبل اكثر من مائة عام.
هؤلاء ليسوا مترجمين، بل “محوّلون لغويون”: يدخل إليهم الحدث عربيا، ويخرج منهم وقد نُقح، وصُقل، وتطهر من أي معنى قد يخل بمعنى الرواية عبريا. هم لا يكذبون بالضرورة، لكنهم يمارسون فنا أرقى: يتحدثون بلسان عربي وبعقل ووجدان عبري.
إنهم يتبعون منهجية “السم في الكافيار”، حيث تختفي كلمة “احتلال” لتصبح “الطرف الآخر”، وتتحول “المجازر” إلى “أخطاء تقنية في إدارة الصراع”، ضمن منطق مقلوب يقنعك أن المشكلة ليست في اللص الذي سرق بيتك، بل في قفل الباب الذي لم يكن مغلقا.تستمع إليهم يتحدثون بلسان عربي عن تجريم حماس وتحميلها مسؤولية اراقة دم عشرات آلاف الفلسطينيين ودمار القطاع، والمعنى عبريا هنا تبرئة الذئب من دم يوسف.. ويسبحون بحمد الطائرات الإسرائيلية والأساطيل الأمريكية التي تقصف “الروافض” الشيعة الإيرانيين. ويرون في الحرب على ايران امتدادا لمعركة صفين بين علي الهاشمي ومعاوية الأموي.
وتكتمل الملهاة بوجود قنوات تلفزيونية قررت أن توفر على المشاهد عناء تعلم اللغة العبرية، فنقلت له الرواية جاهزة ومعطرة برائحة المصالح العابرة للقارات، حيث يعمل الاستوديو كـ “جهاز ترجمة” سحري؛ يدخل الخبر من تل أبيب عبريا خالصا، ويمر عبر المذيعة الأنيقة ليخرج “عربيا” مبنياً للمجهول ومنزوع الدسم القومي، في مشهد لا يطرح فيه المذيع أسئلة، بل يمرر “كرات مقشرة” للمحلل ليسددها في مرمى الوعي الجمعي العربي.
في هذه الاستوديوهات، لا حاجة للغة العبرية، فقد تم اختراع بديل أكثر كفاءة: العربية المبرمجة. عربية تقول لك إن ما تراه ليس كما تراه، وإن ما يحدث ليس كما يحدث، وإن عليك أن تشك في عينيك وتثق بالشاشة. شاشة لا تعكس الواقع، بل تعيد إنتاجه وفق”دليل المستخدم” القادم من خلف الحدود.
أمام هذا الانفصام الفضائي، يقف المشاهد العربي كأنه يتابع فيلماً مدبلجاً بائساً، الشفاه تتحرك بالعربية، لكن الكلام ينبع من “الكيبوتس”، في استوديوهات تقع جغرافياً في عواصم عربية، لكنها سياسياً تقع خلف “الخط الأخضر”. إنهم في نهاية المطاف لا يخونون اللغة فحسب، بل يحولونها إلى “خادمة” مطيعة، والفرق الوحيد بينهم وبين جنرالات الحرب هو أن الجنرال يرتدي بزة عسكرية، بينما يكتفي محللنا بوضع “الجيل” على شعره، والنتيجة في الحالتين واحدة: قصف عشوائي للعقول وتزييف ممنهج للتاريخ بلسانٍ عربي مبين، وقلب عبري مستبين.

