2026-06-05 11:10 م

لغز الصمود الإيراني

2026-04-14

بقلم: نبهان خريشة

الانهيار الذي لم يحدث ليس مجرد حادثة عسكرية عابرة في سجل الصراعات الحديثة، بل هو علامة فارقة تستدعي إعادة التفكير في الطريقة التي نفهم بها القوة، والدولة، والتاريخ. فحين يتسلط أقوى تحالف عسكري عرفه العالم، بما يملكه من تفوق جوي مطلق، وهيمنة استخباراتية، وشبكات أقمار صناعية، وقدرات ضرب دقيقة، على دولة واحدة، فإن النتيجة التي يفترضها المنطق الاستراتيجي السائد منذ نهاية الحرب الباردة هي الانهيار السريع. هذا ما حدث في العراق، وهذا ما تكرر بدرجات متفاوتة في ليبيا وأفغانستان. لكن في الحالة الإيرانية، لم يحدث ذلك. وهنا تكمن المفارقة التي تحرج النموذج بأكمله، لا فقط نتائجه.

إن السؤال الحقيقي ليس لماذا صمدت إيران، بل لماذا أخطأ النموذج في توقع انهيارها. فالمشكلة لا تكمن في قوة إيران بقدر ما تكمن في قصور الفهم الذي حكم خصومها. لقد تعاملت واشنطن وتل أبيب مع إيران بوصفها هدفا عسكريا، بينما هي في الواقع كيان تاريخي مركب، يتجاوز بكثير حدوده الجغرافية ونظامه السياسي. وهذا الفرق بين "الدولة كهدف" و"الدولة كمعنى" هو ما يفسر الفجوة بين التوقع والنتيجة.
لقد تأسس التفكير الاستراتيجي الأمريكي في العقود الأخيرة على نموذج "إسقاط القوة"، وهو نموذج يفترض أن التفوق التكنولوجي قادر على حسم الحروب بسرعة، وأن المجتمعات الحديثة لا تستطيع تحمل كلفة الألم الطويل. هذا النموذج نجح في بيئات معينة، لكنه كان مشروطا بوجود دول هشة، أو أنظمة فاقدة للشرعية، أو مجتمعات مفككة داخليا. في إيران، لم تكن هذه الشروط متوفرة، ومع ذلك جرى التعامل معها كما لو أنها نسخة أخرى من بغداد أو كابول.

الخطأ الأول كان في فهم طبيعة الهدف. فإيران لم تدخل هذا الصراع وهي تبحث عن نصر تقليدي، ولم تكن بحاجة إلى هزيمة خصومها عسكريا بالمعنى الكلاسيكي. كل ما احتاجته هو ألا تنهار. في سياق كهذا، يتحول "الصمود" من حالة دفاعية إلى إنجاز استراتيجي بحد ذاته. عدم الخسارة يصبح شكلا من أشكال الفوز، وهو مفهوم يبدو بسيطا لكنه يقلب معادلات القوة رأسا على عقب. فالدولة التي تعرف ماذا تريد، وتقبل دفع ثمن ذلك، تصبح أكثر خطورة من دولة تمتلك فائض قوة لكنها تفتقر إلى وضوح الهدف.

إيران، في هذا السياق، كانت واضحة بشكل لافت. أرادت البقاء، وأرادت الحفاظ على مجالها الحيوي، وأرادت أن تثبت أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد ضمانة مطلقة. هذه الأهداف ليست طموحات إمبراطورية كبرى، بل أهداف واقعية قابلة للتحقيق عبر الصمود طويل الأمد. وهنا يتجلى الفارق بين من يخوض حربا لإنهائها بسرعة، ومن يخوضها وهو مستعد لأن تمتد لسنوات.

الخطأ الثاني كان هيكليا، ويتعلق بطبيعة الآلة العسكرية التي واجهت إيران. فالنموذج الأمريكي، الذي يمكن وصفه بـ"الهرم المقلوب"، يضع القوة الجوية في القمة، مدعومة بالقوة البحرية، بينما تأتي القوات البرية في مرتبة أدنى. هذا الترتيب يعكس فلسفة تعتمد على الضرب من مسافة، وعلى تحقيق صدمة سريعة تشل الخصم وتدفعه إلى الانهيار. لكنه في المقابل، أقل فاعلية بكثير في حروب الاستنزاف، حيث لا تُحسم المعارك بضربة واحدة، بل بسلسلة طويلة من الضغوط المتراكمة.

وفي حروب الاستنزاف، لا تكون الكلفة المطلقة هي العامل الحاسم، بل الكلفة النسبية. أي من يستطيع أن يتحمل الألم لفترة أطول. وهنا تتحول عناصر مثل المرونة، والقدرة على التعويض، والدافع المعنوي، إلى عوامل حاسمة تفوق في أهميتها عدد الطائرات أو دقة الصواريخ. فالسلاح الأكثر تأثيرا في هذا النوع من الحروب ليس الطائرة الشبح، بل الإنسان المستعد للاستمرار رغم الخسائر.
وهذا يقودنا إلى الخطأ الثالث، وربما الأهم: تجاهل البعد المجتمعي. لقد افترضت الاستراتيجيات الغربية أن الضغط الاقتصادي والعسكري والنفسي سيؤدي في النهاية إلى تفكك الداخل الإيراني، وأن المجتمع سينقلب على الدولة حين تتجاوز كلفة الصمود حدا معينا. هذا الافتراض قد يكون صحيحا في مجتمعات معينة، لكنه لم يكن دقيقا في الحالة الإيرانية.
إيران ليست مجرد نظام سياسي يمكن فصله عن مجتمعه بسهولة، بل هي شبكة معقدة من الهوية، والتاريخ، والدين، والذاكرة الجمعية. مفهوم "التعبئة المجتمعية" هنا ليس شعارا، بل واقع متجذر في بنية الدولة منذ الثورة. قدرة المجتمع على تحمل الألم ليست غير محدودة، لكنها أعلى بكثير مما افترضه خصومه. وهذا الفارق في التقدير كان كفيلا بإفشال الرهان بأكمله.
إن تماسك المجتمع لا يقاس بعدد الصواريخ، لكنه في النهاية هو ما يحدد قدرة الدولة على استخدام تلك الصواريخ أو الاستمرار بعد فقدانها. فالدولة التي يتفكك مجتمعها تفقد قدرتها على القتال حتى لو بقيت ترسانتها غير متضررة، بينما الدولة التي يحافظ مجتمعها على تماسكه تستطيع إعادة بناء قدراتها حتى بعد خسائر كبيرة.
أما على الجانب الإسرائيلي، فقد تجلى نوع آخر من سوء التقدير، يمكن وصفه بالخلط بين التكتيك والاستراتيجية. إسرائيل تمتلك قدرة عالية على تنفيذ ضربات دقيقة، وعلى تحقيق نجاحات عملياتية سريعة، لكنها غالبا ما تجد نفسها أمام سؤال لا تملك له إجابة واضحة: ماذا بعد؟ فالضربة، مهما كانت ناجحة، لا تساوي شيئا إذا لم تكن جزءا من تصور استراتيجي أوسع.
ضرب المنشآت النووية قد يؤخر البرنامج، لكنه لا ينهيه. استهداف القيادات قد يربك النظام، لكنه لا يسقطه. تدمير مخازن السلاح قد يضعف القدرة القتالية مؤقتا، لكنه لا يلغي الدافع لإعادة التسلح. في كل مرة، تعود المشكلة نفسها: غياب رؤية لما بعد الضربة. وهذا الغياب يحول الإنجازات التكتيكية إلى لحظات عابرة لا تغير من مسار الصراع.
والخطأ الأعمق هنا هو التعامل مع إيران كهدف يمكن "هندسته". كأنها منظومة تقنية يمكن تفكيكها عبر ضرب مكوناتها الأساسية. لكن إيران، كما يشير النص، ليست مجرد بنية تحتية أو قيادة سياسية، بل هي امتداد تاريخي طويل. إنها كيان تشكل عبر قرون من الصراع مع إمبراطوريات متعددة، وخرج منها جميعا بشكل أو بآخر.
إن التاريخ في هذه الحالة، ليس مجرد خلفية، بل عنصر فاعل في تشكيل السلوك السياسي. دولة تحمل ذاكرة حضارية تمتد لآلاف السنين تتعامل مع الصراع بمنطق مختلف عن دولة حديثة نسبيا. لديها صبر أطول، ونفس أطول، وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات. وهذا لا يعني أنها غير قابلة للهزيمة، لكنه يعني أن هزيمتها أصعب بكثير مما تفترضه النماذج السريعة.
من هنا، يمكن فهم لماذا لم يحدث الانهيار. ليس لأن إيران أقوى عسكريا من خصومها، بل لأنها كانت أكثر انسجاما مع طبيعة الصراع الذي فُرض عليها. لقد لعبت وفق قواعد حرب الاستنزاف، بينما حاول خصومها فرض قواعد الحرب السريعة. وفي هذا التباين، وُلدت النتيجة.
ولعل الدرس الأهم في كل ذلك هو أن القوة، كما نفهمها اليوم، قد تكون مضللة. التفوق التكنولوجي لا يترجم تلقائيا إلى نصر سياسي، والقدرة على التدمير لا تعني القدرة على إعادة تشكيل الواقع. هناك عناصر أخرى، أقل وضوحا لكنها أكثر تأثيرا: الإرادة، والهوية، والقدرة على التحمل، ووضوح الهدف.
إن ما حدث مع إيران ليس استثناء بقدر ما هو إشارة إلى حدود نموذج هيمن على العالم لعقود. نموذج يفترض أن كل الدول متشابهة في قابليتها للانهيار، وأن الضغط الكافي سيؤدي دائما إلى النتيجة نفسها. لكن العالم، كما يتضح، أكثر تعقيدا من ذلك. هناك دول يمكن كسرها بسرعة، وأخرى تحتاج إلى ما هو أكثر من القوة العسكرية.
إن الأمر لا يتعلق بإيران وحدها، بل بكل دولة تراقب هذا المشهد وتحاول استخلاص الدروس. الرسالة التي أُرسلت واضحة: الضمانات لم تعد مطلقة، والتفوق لا يعني الحسم، والصمود قد يكون في حد ذاته استراتيجية ناجحة. وهذا، بحد ذاته، كاف لإعادة تشكيل الكثير من الحسابات في عالم يتغير ببطء، لكن بثبات.