2026-09-28 01:11 ص

مهمة شاقة لإزالة أنقاض غزة وسط مخاطر الجثث والذخائر غير المنفجرة

2026-09-27

 تواجه فرق الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية في قطاع غزة مهمة شاقة تتمثل في إزالة كميات هائلة من الأنقاض التي خلفتها الحرب، في عملية يُتوقع أن تستغرق سنوات وتحتاج إلى موارد مالية ولوجستية ضخمة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الغارديان»، تقدر كمية الأنقاض في قطاع غزة بنحو 61 مليون طن، فيما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إزالة معظم هذه الكمية قد تستغرق ما بين سبع وعشر سنوات.

وقال جاكو سيلييرز، الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فلسطين، إن حجم الركام في غزة يعادل نحو 20 ضعف كمية الأنقاض الناتجة عن جميع الحروب التي شهدها العالم خلال السنوات الـ18 الماضية، وفق ما أورده التقرير.

شارع بيروت.. نموذج لحجم الدمار

في حي تل الهوى بمدينة غزة، استغرق تنظيف جزء من أحد الطرق يوماً كاملاً، فيما وصف أحمد عليان، المهندس في الأمم المتحدة، حجم المهمة بأنه يشبه محاولة «إفراغ البحر بملعقة».

وكان شارع بيروت، الذي كان في السابق طريقاً رئيسياً تزدحم على جانبيه المتاجر والمكاتب والمنازل، قد تحول إلى مساحة تعيقها أكوام الحجارة والأنقاض والمباني المتضررة.

وتظهر في المنطقة مبانٍ متضررة بشدة، بعضها فقد جزءاً من أساساته، فيما تستمر عائلات نازحة في الإقامة داخل مبانٍ متضررة. كما تضررت شبكات الصرف الصحي، ما أدى إلى تدفق مياه الصرف في بعض أجزاء الطرق.

أقل من 2% من المهمة أُنجزت

ورغم مرور أكثر من عامين على بدء بعض أعمال إزالة الأنقاض، لا تزال الكميات التي جرى التعامل معها محدودة مقارنة بالحجم الإجمالي.

وبحسب التقرير، أزيل نحو 907 آلاف طن من الأنقاض، فيما أُعيد تدوير واستخدام أكثر من 300 ألف طن منها، وهو ما يمثل نحو 1.5% من إجمالي الركام المقدر في القطاع.

وحتى الآن، جرى تنظيف نحو 580 كيلومتراً من الطرق، ما ساعد على تحسين حركة شاحنات المساعدات وفرق الإنقاذ والسكان في المناطق التي تم فتحها.

إعادة تدوير الركام لتعويض نقص المعدات

بدأ برنامج الأغذية العالمي في المراحل الأولى من عمله بإزالة الأنقاض من الطرق ودفعها إلى الجانبين لفتح ممرات أمام شاحنات الإغاثة.

لكن ضخامة حجم الدمار وتضرر الطرق بشكل متكرر فرضا الحاجة إلى حلول أكثر استدامة. ويعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حالياً على إدارة خمسة مواقع لتكسير الأنقاض في أنحاء القطاع، بهدف معالجة الركام وإعادة استخدامه.

وتُفرز الأنقاض أولاً لفصل المواد غير الخرسانية، بما فيها المعادن وقضبان الحديد، ثم تُكسّر الخرسانة إلى أحجام أصغر يمكن استخدامها في أعمال مختلفة.

ويعتمد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على سبع كسارات موجودة أصلاً في غزة قبل الحرب، فيما تمكن مهندسون محليون من إعادة بناء اثنتين منها خلال العام الماضي، في ظل صعوبة إدخال معدات جديدة إلى القطاع.

الركام يُستخدم في إصلاح الطرق والملاجئ

يُعاد استخدام الركام المكسر في عدد من الأعمال الأساسية، من بينها إصلاح الطرق وردم الحفر، كما يستخدم جزء منه أسفل الخيام والملاجئ لرفعها عن مياه الأمطار والصرف الصحي.

وقالت نهال أبو حسن، عضوة فريق برنامج الأغذية العالمي، إن المواد المعاد تدويرها لا تتمتع بالجودة نفسها للمواد الطبيعية المستخدمة عادة في إنشاء الطرق، كما أن التعامل معها أكثر صعوبة، لكنها أصبحت من الحلول التي فرضتها الظروف الميدانية.

وفي مواقع تكسير الأنقاض، تتجمع أكوام كبيرة من الركام، بينما تقوم الشاحنات بتفريغ حمولاتها وتعمل الآليات على تكسير الخرسانة وسط انتشار كثيف للغبار.

نقص المعدات وقطع الغيار

وتواجه عمليات إزالة الأنقاض تحديات إضافية بسبب تهالك المعدات الموجودة في القطاع ونقص قطع الغيار وزيوت المحركات والمواد اللازمة للصيانة.

وتؤكد المنظمات العاملة في هذا المجال أن تعطل الآليات بشكل متكرر يؤدي إلى إبطاء العمل، في وقت تستمر فيه القيود على إدخال المعدات والمواد التي تحتاج إليها عمليات إزالة الركام وإعادة الإعمار.

كما ساهمت القيود المفروضة على دخول مواد البناء في زيادة الاعتماد على الركام المعاد تدويره لتلبية بعض الاحتياجات العاجلة.

آلاف الجثث قد تكون تحت الأنقاض

ولا تقتصر حساسية إزالة الأنقاض على حجم الدمار، إذ يمكن أن تخفي الأكوام رفات أشخاص ما زالوا تحت المباني المنهارة.

ووفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد يتراوح عدد الجثث المدفونة تحت الأنقاض في غزة بين 8 آلاف و10 آلاف جثة.

ويعمل البرنامج بالتعاون مع منظمات، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على تحديد المواقع التي يُعتقد أنها قد تحتوي على رفات بشرية، وإعطائها أولوية أثناء عمليات إزالة الركام والانتشال.

كما يجري العمل على ترتيبات جنائية وطب شرعي للمساعدة في تحديد هوية الرفات والتعامل معها وفق إجراءات تحترم حقوق الدفن الدينية، إضافة إلى توفير الوثائق اللازمة لعائلات الضحايا.

الذخائر غير المنفجرة تهدد فرق الإزالة

تمثل الذخائر غير المنفجرة المنتشرة بين الأنقاض وعلى الطرق خطراً إضافياً على فرق العمل والسكان.

وتنسق فرق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج الأغذية العالمي مع دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام «أونماس» ومنظمة «هالو تراست» وغيرها من الجهات المتخصصة، بهدف تحديد المناطق التي قد تحتوي على ذخائر غير منفجرة قبل بدء عمليات إزالة الركام.

وبسبب محدودية قدرات إزالة المتفجرات، لا تستطيع الفرق المختصة التعامل مع جميع الذخائر الموجودة، لكنها تعمل على تحديد المناطق الخطرة ووضع علامات تحذيرية عليها.

الأسبستوس والمباني المهددة بالانهيار

إلى جانب مخاطر المتفجرات، قد تحتوي الأنقاض على مواد خطرة أخرى، بينها الأسبستوس الذي يمكن أن يشكل خطراً صحياً عند استنشاق أليافه.

كما تشكل المباني التي لا تزال قائمة جزئياً خطراً على السكان، خصوصاً مع احتمال انهيارها بشكل مفاجئ. ولذلك يمثل تقييم السلامة الإنشائية للمباني المتضررة جزءاً أساسياً من عملية التعافي قبل السماح للسكان بالعودة إليها.

إزالة الأنقاض تعيد فتح الطرق والاقتصاد المحلي

ورغم حجم التحديات، بدأت إزالة الأنقاض تحدث آثاراً مباشرة في بعض المناطق التي جرى تنظيفها.

وقال إبراهيم دارادونا، وهو نازح من جباليا يقيم في تل الهوى بمدينة غزة، إن تنظيف الطريق أدى إلى اتساعه وتحسن حركة السيارات، كما خفف من مشكلة القوارض والحشرات، وقلل المخاطر التي كانت تهدد الأطفال.

كما ساهمت إزالة الأنقاض من أمام بعض المتاجر والمنشآت المتضررة في إتاحة المجال لإعادة فتحها واستئناف أنشطة اقتصادية محدودة.

وقال سيلييرز إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لاحظ عودة عدد من المتاجر والشركات إلى العمل بعد إزالة الأنقاض من أمامها، مشيراً إلى أن بعض الأنشطة التجارية تستأنف عملها خلال نحو 20 يوماً من تنظيف محيطها.

مهمة تمتد لسنوات

وتشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى أن إزالة أنقاض غزة لا تمثل مجرد مرحلة فنية من مراحل إعادة الإعمار، بل عملية إنسانية وأمنية معقدة ترتبط بانتشال الرفات، والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، وتقييم المباني، وإعادة فتح الطرق والخدمات.

ومع تقديرات وصول الركام إلى 61 مليون طن، ومحدودية المعدات والموارد المتاحة، تواجه فرق الإغاثة مهمة قد تمتد لسنوات قبل الوصول إلى مرحلة تسمح بإزالة معظم آثار الدمار وتهيئة المناطق لإعادة البناء.

وقال سيلييرز إن التقدم في مرحلة التعافي المبكر لا يزال بطيئاً، فيما تحاول الفرق مواصلة العمل رغم القيود المفروضة على إدخال المعدات والخدمات اللازمة إلى القطاع.