2026-10-21 02:21 ص

نحو فهم مختلف للانتخابات الإسرائيلية

2026-10-21

بقلم: رندة حيدر
ربما من الخطأ اعتبار الانتخابات القريبة للكنيست في إسرائيل حدثاً داخلياً إسرائيلياً، أو مجرد منافسة بين يمين قومي فاشيّ متطرف ويمين قومي مسياني أكثر تطرفاً، وبالتالي من غير المجدي، ومن "الجبن"، انتظار أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى تغيير جوهري في حرب الإبادة وسياسات التهجير التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية الحالية حيال الفلسطينيين. كما يخطئ من يعتبر أن نتائج هذه الانتخابات سيكون لها تداعيات كبيرة وعميقة وجوهرية على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني،  وعلى التوجهات الإسرائيلية حيال المنطقة. ففي الواقع، الانتخابات التي ستجري في إسرائيل أكثر تعقيداً وتشابكاً، ومن يتابع المعركة الانتخابية المحتدمة لا بد أن يلاحظ التشابك الكبير بين البعد الداخلي لإسرائيلي والبعدين الفلسطيني والإقليمي.
ظاهرياً قد تبدو المعركة صراعاً بين المعسكر الذي يقوده نتنياهو ومعسكر التغيير الذي يقوده أيزنكوت، حيث تشير الاستطلاعات (حتى اللحظة) إلى احتمال التعادل بينهما. في هذه الأثناء، تبرز السيناريوهات بشأن أن يسفر هذا التعادل عن  احتمال  تشكيل حكومة ائتلافية تجمع الحزبين الكبيرين،  وتؤمّن استمرار بقاء بنيامين نتنياهو في الحكم، فيما تنتشر تلميحات بشأن تفضيل الإدارة الأميركية مثل هذا السيناريو.

لكن المنافسة الفعلية ليست فقط في مدى قدرة نتنياهو على إقناع الناخب الإسرائيلي بالتجديد له لولاية جديدة، على الرغم من مسؤوليته عن أكبر إخفاق عسكري واستخباراتي شهدته إسرائيل منذ قيامها، والمتمثل بأحداث 7 أكتوبر (2023). وفي الواقع، الناخب الإسرائيلي في تصويته لصالح نتنياهو يصوت أيضاً لمفهوم "إسبرطة" القوية ونظرية الحروب الطويلة، وفكرة أن المشكلة الفلسطينية ليست مشكلة احتلال وشعب فلسطيني محروم من حقوقه الوطنية، بل مشكلة أمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا التصويت ليس فقط تجسيداً للسياسات الإسرائيلية في السنوات الثلاث الأخيرة، بل هو حصيلة السنوات الطويلة من حكم الليكود الذي عمل على إضعاف السلطة الفلسطينية ممثلاً شرعيّاً للشعب الفلسطيني وتعزيز الانقسام والتشرذم الفلسطيني وتجاهل وجود شعب فلسطيني. ولقد تفاقم هذا التجاهل لوجود مشكلة فلسطينية بعد الصدمة التي خلفها هجوم 7 أكتوبر في الوعي الجماعي الإسرائيلي، كما لو أن إنكار وجودها يمكن أن يؤدّي إلى اختفائها.
في المنقلب الآخر، يشكل التصويت لصالح معسكر أيزنكوت، بمعنىً من المعاني، تصويتاً احتجاجيّاً ضد نتنياهو وسياسات الائتلاف الحكومي الحالي، لكنه أيضاً يمثل رفضاً "لثورة الاستيطان" التي يقودها زعيم حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش، وعدم الموافقة على رؤاه الخلاصية، وهيمنة اليمين القومي المسياني على الحياة السياسية في إسرائيل. وفي المقابل، ما يقترحه أيزنكوت على الناخب الإسرائيلي في ما يتعلق بالمشكلة الفلسطينية التي يحاول الجميع تفادي التطرّق إليها خلال المعركة الانتخابية، ويؤجلون نقاشها إلى ما بعد الانتخابات، خوفاً من خسارة الأصوات، لا يتعدّى مفهوم "إدارة الصراع" الذي طبقه اليمين الإسرائيلي عقوداً وأثبت عقمه وعدم جدواه.
من هنا، التصويت في الانتخابات ذو بعدين: بعدٍ ظاهريٍّ داخليٍّ يتعلق بالصراع على القيادة السياسية لإسرائيل بين أطياف اليمين المتعددة بصورة خاصة، وبعدٍ ضمنيٍّ له صلة مباشرة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ويتأرجح الخطاب الإسرائيلي المضمر في ما يتعلق بالمشكلة الفلسطينية بين فكرة الضم والتهحير أو الهجرة الطوعية أو القسرية، وفكرة دولة قومية يهودية واحدة، والتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم رعايا تابعين لليهود، وبين صيغ أخرى غامضة تراعي الحساسيات الإسرائيلية من دون أن تغلق الباب أمام الأوهام والأضاليل. وقد أظهرت المعركة الانتخابية في إسرائيل عقماً وعجزاً فكرياً في استخلاص الدروس الحقيقية من أحداث 7 أكتوبر ومن الحروب المستمرة منذ ثلاث سنوات على أكثر من جبهة. كما تعكس فشل زعماء الأحزاب الصهيونية على مختلف توجهاتهم في بلورة رؤية لمستقبل الصراع مع الفلسطينيين وبالتالي لمستقبل إسرائيل في المنطقة. وهذا العجز ناجمٌ عن خللٍ حقيقي، وعن اعتلال سياسي في  بنية المنظومة التي تحكم إسرائيل حالياً. وهو خللٌ من الصعب أن تغيره انتخابات كنيست، أو يعالجه استبدال زعامة نتنياهو بزعامة أيزنكوت. 
وعلى الرغم من حملات التشهير السياسي، ومن التحريضين، العنصري والطائفي، وسعي كل حزب إلى جذب أكبر عدد من الأصوات من المعسكر الخصم، الناخب الإسرائيلي اليوم أمام خيارات مصيرية، تتجاوز بكثير اليمين واليسار، فهو يبحث عن مستقبل أكثر أمناً وحياة أكثر استقراراً، مع طغيان شعور عام بعدم اليقين والخوف من ألا تقدّم هذه الانتخابات جواباً على المخاوف الكبيرة على المستقبل التي تراود كل إسرائيلي بعد "7 أكتوبر". 
من هنا يمكن القول إن الانتخابات المرتقبة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري مخاض من الصعب أن يؤدّي إلى ولادة زعامة سياسية مختلفة عن الحالية، لكنها بالتأكيد ستشكل مؤشّراً مهماً وصورة عن التغيرات التي مر بها المجتمع الإسرائيلي في السنوات الثلاث الأخيرة، وستوضح خياراته. وهذا كله يجب أن يكون موضع درس معمّق من الفلسطينيين من أجل فهم ما حدث وعدم إطلاق الأحكام المسبقة، والعمل على وضع آليات جديدة للمقاومة والتصدي.