2026-09-14 10:21 م

الكيان الصهيوني ... نقطة القوة والمقتل

2013-04-28
بقلم: سمير الفزاع
كلنا يتفق على أن الكيان الصهيوني هو كيان صنيع وهجين في هذه المنطقة ، وأن له دورا وظيفيّاً يستمد منه قوته و" شرعيته " . وقد كان مفيداً جداً طوال عقود لخالقيه " بريطانيا ، وفرنسا ... " ومن ورث خالقيه " وهنا المقصود أمريكا تحديداً " ، وأثبت قدرة هائلة على تنفيذ - أو المساعدة - في تنفيذ السياسات الغربية على إختلافها سياسية كانت أو أمنية أو عسكرية أو إقتصادية أو إجتماعية ... . وهذا الكيان قام على أعمدة خارجية وأخرى داخلية ، إن إهتز أحدها بعنف شكل ذلك تحد وجودي لهذا الكيان المسخ . سأحاول هنا الحديث عن بعض تلك الأعمدة والثوابت التي قام عليها هذا الكيان ، ثم أطل منها على التهديدات بالحرب على سوريا إنطلاقاً من حجة إستخدام " الأسلحة الكيماوية " المزعومة . * بعض من أعمدة الهيكل : 1 - أن هذا الكيان هو أرض اللبن والعسل الموعودة للشتات المعذب من بني يهود . 2 - أن هذا الكيان هو الأرض الأكثر أمناً لبني يهود ، فليأتي كل شتاتهم إليه . 3 - أن جيش هذا الكيان هو الجيش الأقوى ، ويده هي اليد الطولى ، ولا غالب له . 4 - أن أي حرب سيخوضها هذا الجيش لن تمس أبداً بحياة ورفاه المدنيين في الداخل . 5 - لن يكون هناك حروباً تخاض ، أو أهداف تقصف على أراض هذا الكيان . 6 - أن جيش هذا الكيان قادر على شنّ الحروب متى شاء ، ولا بديل لديه سوى النصر . 7 - النصر مؤكد ، وسيتم إحرازه بين طرفة عين وأخرى . فلا مكان للحروب الطويلة هنا . لكن ومنذ حرب الخليج الأولى 1990 ، حيث تم قصف قلب هذا الكيان بقرابة الثلاثين صاروخاً عراقياً بدا وكأن شيئاً كبيراً تصدع ، وخلل كبير أصاب قلب هذا الهيكل . تنبه الكثيرون الى هذا التجربة العملية الغنية جداً جداً ، وتأكدت نجاعة الإستراتيجية التي عملت عليها سوريا بصمت بقيادة العبقري حافظ الأسد ، قبل قرابة العقد والنصف من حرب 1990 ، إسترتيجية الصواريخ . * حرب 2006 الهيكل يهتز بعنف : لم تكن حرب 2006 كغيرها من الحروب ، إنها " النموذج المبسط " لكل الحروب القادمة . تبلغ مساحة لبنان 10,452 كلم² ، وفي حرب 2006 كانت مساحة المعركة بين رجال حزب الله والكيان الصهيوني تمتد من الشريط الحدودي حتى نهر الليطاني أي قرابة الخمسين كيلومتراً طولاً . ومع ذلك وكما قال السيد حسن نصر الله " أن بضعة ألآف من الرجال قاتلوا جيش الإحتلال الصهيوني لأكثر من عشرين يوماً وهزموه " ، وكانت سوريا الحاضر الغائب الكبير تخطيطاً وتسليحاً وعملانياً . ما يهمنا الآن في هذه الحرب هو ذلك الخرق الإستراتيجي لمجمل أعمدة الهيكل على إطلاقها . فلم يبقى أي من هذه الأعمدة إلا وقد إهتز وبشدة ، فلنراجع تلك الأعمدة لندرك إلى أي مدى تضررت ، ولنعيد قراءة تقرير " فينوغراد " عن هذه الحرب ، لندرك عميقاً التحول الذي أفرزته هذه الحرب في طبيعة الصراع ووجهته ونهاياته . * الحرب القادمة وإحتراق الهيكل والخيم والنفط : منذ قرابة الأسبوعين ونحن نسمع بوتيرة متزايدة عن " نوايا " وخطط لغزو سوريا ، باتريوت هناك ونوايا لنشرها هنا ، الناتو هناك ومئتي جندي أمريكي على الجانب الآخر ، تحركات لجيش الإحتلال الصهيوني على الجبهة الشمالية والجولان ... ماذا يجري ؟ أهي الحرب ؟ هل حقاً أن أمريكا التي إنسحبت ذليلة من العراق في 2011 قادرة على خوض حرب مع سوريا في 2013 ؟ هل كيان العدو الصهيوني الذي إهتزت أعمدته الإستراتيجية في حرب 2006 مع رجال حزب الله قادر على غزو بلاد يحرسها الملايين من رجال الله ؟ هل الأردن قادر على تحمل أعباء وتبعات أن يكون قاعدة الغزو الأمريكي - إن كانت أمريكا قادرة عليه أصلاً - لسوريا ؟ إذا شنت أمريكا أو كيان العدو الصهيوني أو كلاهما حرباً على سوريا ، كيف ستتصرف سوريا ؟ وكيف سيتصرف حزب الله ؟ وكيف سترد ايران ؟ كم من الصواريخ سيطلق هؤلاء الثلاثة على كيان العدو ؟ ومن أي حجم ؟ وعلى أي أهداف ؟ هل سيبقى هناك شيء إسمه كيان العدو الصهيوني ؟ هل يحتمل الغرب القذر مثل هكذا نتيجة ؟ هل ستبقى تركيا خارج المشهد ؟ وماذا ستفعل روسيا ؟ هل سيكون النفط والغاز - إستخراجا وتجميعاً ونقلاً ... - بمنأى عن هذه الحرب ؟ وما هي النتائج الناجمة عن توقف 45% من نفط وغاز العالم ؟ أي كون يمكنه الإستغناء عن كلّ هذا الحجم الهائل من الطاقة ، ولفترة غير محددة ؟ هل سيتوقف النفط والغاز الروسي الذي يمد أوروبا بنبض حياتها ؟ الوطن العربي شريك في ثلاثة مضائق مائية كبرى تمثل حاجة حيوية لكل العالم ، وإغلاقها عمل سهل جداً ، هل هناك من هو قادر على إحتمال هذا الإغلاق ؟ ماذا سيحدث لأنظمة الخليج إن إندلعت الحرب ؟ هل ستخاض هذه الحرب بأسلحة تقليدية فقط ؟ أم سنرى أسلحة غير تقليدية ؟ ... جملة من الأسئلة الكبرى لأنها تتعلق بحرب كبرى ، ولأنها ستكون الأخيرة لكثير من الدول والأنظمة التي نراها اليوم ترغي وتزبّد ، تلوّح بالحرب ولا تستطيع أو تجرؤ على شنها . * القلق المبرر إنسانيّاً وغير الواقعي منطقيّاً : يعيش البعض قلقاً من إحتمال تكرار السيناريو العراقي لعام 2003 في سوريا 2013 ، وهو أمر يمكن تفهمه إنسانيّاً ونفسيّاً ، وخصوصاً مع الحرب النفسة الهائلة التي تدار ضد عقل ووعي الشعب العربي عموما والسوري خصوصاً . لكن هذا القلق غير مقبول علميّاً ولا واقعيّاً ولا منطقيّاً . إذا سأنطلق من فرضية تقول " لن تكون أمريكا ولا أدواتها ولا كلاهما معاً قادرين على شنّ حرب مباشرة على سوريا " ، فما هي الأدلة والبراهين على هذه الفرضية لتكون مقنعة ؟ إلى جانب كلّ تلك الأسئلة التي ذكرتها سابقاً ، وما هو على شاكلتها ، والّتي تشكل الإجابة عن كلّ سؤال منها تحد ضخم جداً لكل من يفكر بالحرب على سوريا ، يمكن التذكير بما يلي : 1 - في العام 1990 غزا العراق الكويت بعد حرب طاحنة مع إيران ، إستمرت لتسعة سنوات تقريبا . وفي العام 1991 تعرض الجيش العراقي لضربة قاسية جدا أضعفته إلى حدّ هائل ، وبقي العراق تحت الحصار المتواصل حتى لحظة الغزو ، بعد أن تم تقسيمه طوال فترة الحصار إلى ثلاثة أجزاء بين خطي العرض 32 - 36 . على العكس تماماً كانت تجري الأمور في سوريا ، حيث إنطلقت عملية تحديث واسعة جداً في كافة قطاعات الجيش العربي السوري وهي مستمرة حتى اللحظة ، وتم سحب كامل الجيش العربي السوري من لبنان في العام 2005 ، وتم إتباع طرق جديدة ومبتكرة في القيادة والسيطرة والتشكيلات الحربية ... فنحن هنا أمام جيش قوي ومتماسك ومعافى ، وهو ما أظهرته بوضوح الإنتصارات الكاسحة الأخيرة التي حققها . 2 - عندما هاجم صدام حسين الكويت إنهار بعدها بشهور الإتحاد السوفيتي ، وهكذا أصبحت أمريكا القطب الأوحد في العالم بلا أي منازع . أما اليوم فإن الفدرالية الروسية إستعادة مكانتها دوليّاً بفعل معدلات مرتفعة من النمو الإقتصادي ، والإكتشافات المذهلة من الغاز والنفط والمعادن النفيسة ، والإحتياطات الضخمة من الذهب والعملات الأجنبية ، والتطور التقني المتسارع ، والإمكانات العسكرية الضخمة ... . وفي الوقت عينه تعاني أمريكا الأمرين سياسياً وإقتصاديا وعسكرياً وإجتماعيّاً . أي أن الصورة معكوسة تماماً بين الحالتين . 3 - أن الدول التي كانت تدعم العراق في حربه على إيران - العربية والغربية على حدّ سواء - هي ذات الدول التي شنت حرب تدمير العراق ، " وإرجاعه للعصور الوسطى " كما قال أحدهم ، لقد كانوا يعرفون الكثير الكثير عن العراق قبل غزوه وتدميره . أمّا في الحالة السورية فإن هذه الدول بمجملها على علاقة متوترة في أحسن الأحوال ، وفي حالة إشتباك دائم في معظمها . فحجم معلوماتهم عن سوريا لا يقارن مع الحالة العراقية ، وهذا أحد أهم بواعث خوفهم . 4 - لم يكن للعراق حلفاء حقيقيين أبداً ، وعندما تم غزوه وإحتلاله لم يهرع لنصرته إلا الشعب العربي العاري من كلّ أدوات الفعل الميداني والسياسي . أما في الحالة السورية فهناك حلفاء عضويين ، مستعدون لمساندة سوريا في كل الأحوال ، والوقوف إلى جانبها حتى في أحلك الظروف ومن ضمنها الشراكة الفعالة في أي حرب أو عدوان محتمل . وهذه الشراكة تمتد بخطوط علنية من فلسطين إلى لبنان والعراق وايران وأخرى سريّة لا يعلمها إلا " الراسخون " في المقاومة . 5 - كان العراق يعاني من تقسيم فعلي " بالنار " بين خطوط الطول والعرض ، وكثير من أهله تخاذلوا عن الوقوف إلى جانب وطنهم لأسباب كثرة جداً . أما في الحالة السورية فلم يجرؤ أحد على وضع مثل هذه الخطوط ، ولن يجرؤ أحد على وضعها لأنه سيكون مجبراً على حمايتها والدفاع عنها . وأمّا الشعب العربي السوري فهو بمجمله يقف إلى جانب وطنه ، ويدرك طبيعة العدوان عليه . 6 - سوريا قريبة جداً من الكيان الصهيوني ، لذلك فهي تملك خيارات متنوعة لكيفية ضرب هذا الكيان والموقع الذي تريد ضربة والأدوات المستخدمة بالضربة ... وهو ما لم يكن متوفراً في الحالة العراقية . 7 - عندما تمّ غزو العراق كانت معظم الأنظمة العربية تعيش نوعاً من الإستقرار والهدوء ، أمّ اليوم فهي بالكاد تستطيع الحفاظ على توازنها وبقائها . فهل هي قادرة على تحمل زلزال يهز المنطقة بعنف ، مثل التفرج أو المساهمة في غزو أجنبي لسوريا ؟ . سأكتفي بما ذكرت لأثبت ما إفترضت ، دوماً هناك فارق بين الأمنيات والوقائع ، وبين الإحلام والمعطيات ، والضوضاء والصراخ لم يخلق " الحقائق " إلا في قلوب الضعفاء والمرجفين . لهم أن يحلموا أو يتمنوا ، وهم قادرون على الصراخ والكذب والإدعاء ، لكن غزو سوريا أو شنّ حرب عليها سيكون خطأهم الأخير .