يتبدى مصطلح ” إعادة التوازن العسكري على الأرض” بوصفه آخر المصطلحات التي يتم الترويج لها من قبل قوى التحالف الامبريالي الصهيوني الرجعي التكفيري، بعد أن أمسكت الدولة السورية بزمام المبادرة وبدأت في طرد العصابات الإرهابية التكفيرية من مناطق تواجدها، خاصة بعد معركة القصير التي شكلت لحظة فاصلة في مسار الصراع بما أحدثته من تغيرات إستراتيجية على ارض الميدان. وتتلخص الدلالات السياسية لمصطلح “إعادة التوازن العسكري على الأرض” في عنوانين:
أولا: الاعتراف الضمني بعدم تحقيق النتائج المرجو تحقيقها من خلال عملية التسليح في صيغتها الأولى التي تم تغطيتها بمصطلح ” تمكين الشعب من الدفاع عن نفسه ” والتي تلخصت في إسقاط النظام أو جعله في الموقع الأضعف في عملية الصراع.
ثانيا: الإقرار بان العلاقة بين الدولة السورية والعصابات الإرهابية باتت محكومة بميل موازين القوى لصالح الدولة السورية. وفي ظل الحديث عن تسوية سياسية عبر مؤتمر جنيف الأمر الذي سيجعل القوى الإرهابية ومن يدعمها في الموقف الضعيف في المؤتمر.
وإذا كان ميل موازين القوى لصالح الدولة السورية يشكل حقيقة موضوعية لا يستطيع احد إنكارها فان مفاصل هذه الحقيقة تتمثل في مسألتين:
الأولى: على مستوى الحاضنة الجماهيرية المتمثلة في الاصطفاف الجماهيري المتزايد حول القيادة السورية وهي عملية متنامية منذ بداية الأحداث وبلغت حسب المصادر الأمريكية والأطلسية أكثر من سبعين بالمائة من الشعب السوري.
الثانية: على المستوى العسكري والمتمثلة في امتصاص الجيش العربي السوري لكل هجمات الإرهابيين على مدى شهور ليتحول بعد ذلك إلى الهجوم والإمساك بزمام المبادرة التي تم التعبير عنها بشكل واضح في معركة القصير.
وعلى ضوء هاتين المسألتين اللتين يتجلى من خلالهما نوعية ميل موازين القوى لصالح الدولة السورية يمكننا تحديد مفاصل عمل قوى التحالف من اجل إعادة التوازن على الأرض قبل الذهاب إلى مؤتمر جنيف في ثلاثة عناصر رئيسة:
أولا: العمل على استبعاد المستوى الجماهيري من التداول السياسي اليومي وعدم التركيز على جماهير الشعب السوري واختياراته السياسية، انطلاقا من تصور تلك القوى لمضامين ونوعية الحل الذي تريده والذي ينحصر في صيغة محاصصة سياسية يستدعي الوصول إليها جلوس وفد الدولة السورية المجرد من قاعدته الجماهيرية والشعبية لمحاورة الإرهابيين كند له. والى أن تحين تلك اللحظة يجري العمل باتجاه تصعيد العمليات الإرهابية ضد أبناء الشعب السوري لدفعهم بعيدا عن تأييدهم للدولة من خلال وضعهم أمام خيارين إما التخلي عن النظام أو الهلاك وعدم الاستقرار.
وبقدر ما يكشف هذا العنصر عن زيف وكذب حديث تلك القوى عن الديمقراطية ودعم حق الشعب السوري في الاختيار، فانه يتجاهل حقيقتين الأولى أن الاصطفاف الجماهيري حول الدولة السورية وقيادتها قد تم في معمعان المواجهة والصراع وعلى أرضية تقديم التضحيات من اجل مستقبل سوريا وانتصارها لذلك فان العمليات الإرهابية ستزيده اصطفافا وليس العكس وستساهم في تعرية وكشف حقيقة هذه القوى أمام القطاعات المترددة على محدوديتها، والثانية إن الدولة السورية قد حسمت أمرها بأنها ممثلة للشعب السوري صاحب الحق الأول والأخير في قبول آية صيغة لحل الأزمة ومن غير المنطقي التخلي عن هذه الخاصية بعد كل هذا الصمود، لاسيما وان الطرف الأخر إذا جاء للمؤتمر فسيأتي مجردا من كل ما يمكن أن يمنحه شرعية الوجود خاصة الأرض والشعب.
ثانيا: العمل على رفع مستوى الدعم للقوى الإرهابية بالعدة عن طريق مدها بالأسلحة النوعية والفاعلة ميدانيا، والعدد عن طريق مد ها بعناصر جهادية جديدة تعوض خسائرها وهو الأمر الذي تكفل به شيوخ الفتنة من خلال دعوات الجهاد، وفي هذا السياق تأتي الدعوة التي أطلقها اتحاد علماء المسلمين برئاسة القرضاوي من القاهرة والتي كررها الرئيس مرسي في خطابه الأخير. ويدخل في هذا السياق إمكانية فرض منطقة حظر جوي على بعض المناطق،أو توجيه ضربة عسكرية لبعض القطاعات العسكرية للجيش السوري، وهذا ما يمكن استنتاجه بشكل عام من قرارات مؤتمر الدوحة السرية وما تم كشفه عن زيارة الوفد السعودي إلى إسرائيل لحثها على التدخل العسكري في سوريا، وتواجد الجنود الأمريكيين في الأردن بعد دعمه بطائرات وصواريخ الباتريوت الأمريكية، وما تتناقله وسائل الإعلام عن شحنات أسلحة وصلت بالفعل إلى العصابات الإرهابية. ويتلخص الهدف من كل ذلك في مسألتين الأولى العمل على توسيع الرقعة الجغرافية التي يسيطر عليها الإرهابيون، والثانية إعادة افتكاك الأرض التي انتزعت منها أو تعويضها بأراض بديلة تساويها في الأهمية من الناحية الإستراتيجية.
وإذا تجاوزنا مستويات الخلاف والاختلاف بين قوى التحالف وفي داخلها حول موضوع التسليح وجدواه والاستعداد للمضي فيه حتى النهاية، فان العمل على مستوى هذا العنصر تواجهه مجموعة من العقبات والصعاب، أولها ان خيرة مقاتلي القوى الإرهابية تم دفعهم للميدان منذ اللحظات الأولى وكثير منهم تم سحقه، ومن سيأتي بعد ذلك سيكون محدود الفائدة من الناحية العسكرية. وإذا كان المقصود بالأسلحة النوعية مضادات الطيران المحمولة على الكتف فان تأثيرها سيكون محدودا لمحدودية استخدام الطيران من قبل الجيش السوري، وقد يقود ذلك إلى طريقين الأولى استخدامها ضد الطيران المدني فهل الولايات المتحدة قادرة على تحمل الأعباء الأخلاقية لذلك، والثانية إعادة تسريبها إلى ذات البلدان التي أرسلتها إلى العصابات الإرهابية بكل ما ينجر عن ذلك من مخاطر.إن عملية التسليح التي تنادي وتجاهر بها قوى التحالف لا تأخذ في الاعتبار قدرة الجيش العربي السوري على التعامل مع أية مفاجآت، إضافة إلى انه لم يستخدم حتى الآن كل قدراته على مستوى السلاح والتي يمكن تعزيزها بفتح ترسانات أسلحة الحلفاء وبطرقة شرعية بعكس السلاح المرسل إلى العصابات الإرهابية.
إن نوعية السلاح الذي يتم الحديث عن تزويد العصابات الإرهابية به وكميته ومهما بلغت درجته فلن يتجاوز حدود استطاعة الجيش العربي السوري على التعامل الفاعل معه، فالأسلحة النوعية الفائقة والفتاكة يبقى استخدامها مقيدا ببيئة المعركة وجغرافيتها، والكميات الهائلة من الأسلحة من نوع الحديث عن استلام الجيش الحر 100 دبابة عبر الحدود الأردنية تعوزه الدقة والمصداقية بسبب إمساك الجيش العربي السوري بخطوط الإمداد الفاعلة من ناحية، وعدم إمكانية استخدام هذا الكم من الدبابات في المواجهة المحدودة جغرافيا من ناحية ثانية، واستحالة القدرة على الدخول في معركة دبابات مع الجيش السوري من قبل العصابات الإرهابية من ناحية ثالثة.
كما ان إمكانية إحداث تغييرات ميدانية ذات طابع جغرافي لم تعد ممكنة، أولا لان القوى الإرهابية قد استنفذت خلال مرحلة معينة طاقتها وقدرتها على الانتشار على الجغرافية السورية بدليل عجزها شبه التام على التقدم في الشهور الأخيرة وفشلها في كل المعارك التي أعلنت عنها مثل معركة دمشق. وثانيا تحول الجيش العربي السوري إلى الهجوم المعاكس والبدء في استعادة الجغرافيات التي تم انتزاعها منه في مراحل سابقة، أو تلك التي تخلى عنها في سياق خطته الإستراتيجية وجعل منها فخا لاصطياد تلك العصابات.
ومن الجلي ان عملية ضخ السلاح وتزويد العصابات الإرهابية بالسلاح لم تتوقف يوما على امتداد الأزمة السورية، وكل قطعة سلاح يمكن ان تؤذي الجيش العربي السوري تم إدخالها إلى سوريا بعيدا عن الضجيج الإعلامي، بل كان التصرف يتم على قاعدة الكتمان والإنكار والتملص في لحظة الانكشاف، إذن ما الذي جعل هذه القوى تلجا إلى الجهر والتباهي بالذنب؟ إن عملية الإشهار الفاقعة والتي يوازيها بالتأكيد استمرار عملية التزويد بالسلاح، تكشف عن أن تلك القوى ونتيجة لإدراكها لحقائق الميدان الصلدة تسعى إلى تحقيق شعارها الداعي إلى إعادة التوازن العسكري من المدخل السياسي وليس العسكري المجرد وذلك عبر تحقيق ثلاثة أهداف هي:
أولا: ـ خلق بيئة ضغط معنوي ونفسي على القيادة السورية تدفعها إلى عدم الاستمرار في التقدم الميداني وبالنتيجة عدم الاستفادة على مستوى الإستراتيجية العسكرية من نتائج انتصاراتها الميدانية خاصة بعد معركة القصير.
ثانيا: ـ تجميد الوضع على ما هو عليه والذهاب إلى جنيف على أساس المحاصصة السياسية الطائفية المعزولة عن واقع موازين القوى العسكرية والجماهيرية المتجسدة على الأرض.
ثالثا: ـ الدخول في عملية مساومة إعلامية ومقايضة سياسية مع روسيا حول صفقة الأسلحة الروسية إلى سوريا ذات الطابع الاستراتيجي.
هذا هو حساب البيدر أما حساب الحقل فيقول أن الجيش العربي السوري بات يمسك بشكل حاسم بزمام المبادرة العسكرية، ويواصل عملية تقدمه مستفيدا من التداعيات النفسية لمعركة القصير على الإرهابيين، والقيادة السورية قوية بشعبها حاسمة وواضحة في مواقفها وخياراتها السياسية تجاه مؤتمر جنيف ومترتباته ، والقيادة الروسية لم تتردد في إعلان تسليحها لسوريا من منطلق الثقة بأنها تقوم بعمل شرعي يتفق والمواثيق الدولية بينما تقوم أمريكيا بعمل غير شرعي بتقديم السلاح للقوى الإرهابية.
*باحث وكاتب فلسطيني

