عندما جيء بالأمير بندر بن سلطان لاستلام الملف السوري وتصعيد الارهاب ضد الدولة السورية بعد الفشل التي منيت بها طموحات دولة قطر وأردوغان في تحقيق هذا الغرض، قيل أنه رجل المهمات الصعبة المشهود له وكيف لا وهو الذي تعلم على ايدي اعتى رجال المخابرات المركزية الامريكية وعمل أكثر من عقدين من الزمن في المشاركة بالتخطيط والتنفيذ لعدد من العمليات الإرهابية السرية مما اكسبه تجربة غنية في إدارة الارهاب وبناء علاقات وأواصر صداقة شخصية مع شخصيات في مراكز القرار الأمريكي في المؤسسات والدوائر السياسية والعسكرية والاستخباراتية الى جانب الدوائر والمجموعات الإرهابية في العالم، والتي قام باستخدامها على أفضل وجه. ربما كان من أشهر العمليات التي شارك بها مع المخابرات المركزية الامريكية تلك التي تناولتها وكالات الانباء العالمية والتي تضمنت العمل مع الكونترا وهي المجموعة الإرهابية التي عملت تحت إدارة المخابرات المركزية الامريكية لإسقاط الحكومة الثورية للحركة الساندانستية في نيكاراجوا وحيث شارك الأمير تمرير 32 مليون دولار للكونترا لشراء الأسلحة. ومما لا شك فيه أن هذا التاريخ الأسود الحافل هو الذي شجع دوائر صنع القرار في السعودية لتوكيله بالمهمة التي فشل فيها حمد بن جاسم وأردوغان في سوريا. وبالمناسبة ذكرت بعض التقارير أن بندر بن سلطان كان المرشح للعب الدور الذي لعبه بن لادن في أفغانستان ولكن السعودية رفضت آنذاك طلب المخابرات المركزية الامريكية خوفا من افتضاح مواقفها إذا ما شارك أحد المحسوبين على العائلة المالكة بشكل علني في هذا الإطار. على العموم في مايو من عام 2012 عين الأمير رئيسا للمخابرات العامة في السعودية وأوكل اليه الملف السوري. ولقد وصال وجال في بلاد الله الواسعة ليشتري ويجند ويدرب ويسلح الارهابيين والتكفيريين حتى أنه يقال بأنه وصل به الحال الى قرغيزيا. وفكك وشكل عدد من المجموعات الإرهابية في سوريا تحت أسماء ومسميات عديدة وتغيرت الولاءات وانقسم البعض على البعض الى أن وصلنا الى ما سمي بالجبهة الإسلامية والتي لا تختلف على الاطلاق في الجوهر الا في بعض الأمور البسيطة مع الفكر القاعدي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة. وأقام الأمير معسكرات تدريبية للمجندين في المناطق الحدودية بين سوريا والأردن ودفعت السعودية مليارات الدولارات للتدريب والتسليح واعداد عشرات الالاف من المقاتلين. وارسلت الدفعة وراء الدفعة الى الداخل السوري. وقام الأمير بزيارة الى روسيا وأجتمع مع الرئيس بوتين وحاول شراء الموقف الروسي بإغراءات مالية وعقد صفقات أسلحة بما يقارب من 15 مليار دولار وضمان الأمان للألعاب الاولمبية الشتوية في روسيا بضبط عناصر الارهاب الشيشانية مما يدلل على ارتباطاته بالمجموعات الإرهابية العاملة على الأراضي الروسية، هذا بالإضافة الى عقد صفقات في مجالات الطاقة وضمان عدم منافسة روسيا في ملف الطاقة وتصدير الغاز الى الدول الاوربية، كل هذا شرط تخلي روسيا عن سوريا. قصر الحديث بذل الرجل كل ما بوسعه وصرف النفيس والغالي ليدمر سوريا وبالتحديد الرئيس الدكتور بشار الاسد فشخصنة الصراع وشيطنة الاشخاص هي العملة السائدة التي يخصص لها مليارات الدولارات وتجند لها كل ما لديهم من وسائل اعلام اقليمية وعالمية...سقط مشروع رجل المهمات الصعبة ولم يحقق رجل الكونترا المهمة التي أوكلت اليه في الفترة والهامش الزمني المسموح به من قبل البيت الأبيض، وهي تلك الفترة ما قبل عقد مؤتمر جنيف (2) الذي أجل موعده لأكثر من مرة. سقط مشروع رجل المهمات الصعبة وتهاوت أحلامه الواحدة تلو الأخرى والتي بدأت بسقوط القصير المعقل الرئيسي للمسلحين والتي كانت تشكل مركزا لإدارة كافة العمليات على الأرض السورية بالإضافة لكونها محطة رئيسية لدخول السلاح بكل أنواعه وأشكاله ودخول المسلحين الى الداخل السوري، وكان أن تجمع في القصير أجهزة المخابرات العالمية للدول الداعمة للإرهاب في سوريا. وتوالت الهزائم وضرب المسلحين على أيدي الجيش العربي السوري فسقطت القلمون كما أحبطت كل المحاولات لتطويق العاصمة دمشق أو فك الحصار عن الغوطة الشرقية بالرغم من الالاف التي دفعوا اليها من منطقة الحدود الأردنية. ولقد شكلت كل هذه الضربات حالات احباط شديدة في أوساط المعارضة المسلحة. الى كل هذا تزايدت أعداد العناصر الإرهابية الوافدة الى الساحة السورية من جميع أنحاء العالم وأصبح من الصعب على الأمير السيطرة عليها ولجم جرائمها التي عرض بعضها على شاشات التلفزة أو الفيديوهات على شبكات التواصل الاجتماعي. ليس هذا فحسب بل أصبحت تتمدد الى دول الجوار وتضرب هنا وهناك، مما أثار حفيظة الأجهزة الامنية للدول الغربية وقلقها من عودة المقاتلين الى دولهم، لما قد يشكلوا من تهديد للأمن القومي والاستقرار لدولهم. لكل هذا ولغيره من الأسباب الموضوعية التي تتعلق بالمتغيرات الإقليمية والعالمية وربما التغير النسبي في مواقف الدول الأوروبية والولايات المتحدة (وقد سبقنا وأشرنا اليها في مقالات سابقة من على صفحات المنار)، كان لا بد من لجم الأمير الذي أصبح يتصرف بشكل منفرد والى حد ما يتحدى اسياده، ويهدد باللجوء الى أصدقاء وحلفاء جدد، ووجد ضالته في الكيان الصهيوني ونابليون الجديد المنبوذ حتى من قبل شعبه، كما بينت آخر استطلاعات الرأي. وكان لا بد من ازاحته من الطريق، ولم تشفع له شبكة علاقاته الأخطبوطية مع مراكز الاستخبارات العالمية، فالإرهاب الذي بناه ورعاه أصبح يهدد الامن القومي لهذه الدول. ومن هنا جاءت قصة ذهابه الى أمريكا للعلاج وأخذ إجازة طويلة ومفتوحة فقد انتهت خدماته كما انتهت خدمات وزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم من قبله، والذي لم نعد نسمع به على الاطلاق ومن المؤكد أن الشلة تتنادى الآن للثالث لكي يكتمل عدد الفرسان الثلاثة ولا أظن ان انضمام أردوغان لهم ببعيد، فلعنة القلعة الدمشقية لن ترحم كل من حاول أو يحاول النيل منها.
تهاوى رجل المهمات الصعبة ورجل الكونترا
2014-01-22
بقلم:الدكتور بهيج سكاكيني

