2026-09-13 11:38 م

جردة حساب لاتفاق أوسلو

2026-09-13

بقلم: نبهان خريشة

 في مثل هذا اليوم، 13 أيلول/سبتمبر 1993، وقف الفلسطينيون أمام شاشات التلفزة يتابعون توقيع اتفاق أوسلو في حديقة البيت الأبيض. كان الوعد أن تكون المرحلة الانتقالية قصيرة، وأن تفضي المفاوضات إلى تسوية نهائية. وبعد ثلاثة وثلاثين عاما، يحق للفلسطيني أن يفتح دفتر الحساب ويسأل: ماذا أخذنا، وماذا خسرنا، وأين وصلنا؟

الدولة الفلسطينية التي قيل لنا إنها باتت على مرمى حجر ابتعدت حتى كادت تختفي من الأفق. والأرض التي كان يفترض أن تقوم عليها هذه الدولة تقطعت أوصالها بالمستوطنات والطرق والحواجز والبؤر الاستيطانية. تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها، من دون القدس الشرقية، 540 ألفا مطلع عام 2026، فيما يعيش في القدس الشرقية نحو 233 ألف مستوطن إضافي. أي أن الاستيطان لم يتوقف في زمن "عملية السلام"، بل تحول إلى واحد من أهم الوقائع التي تهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.

أما الضفة الغربية، التي كان يفترض أن تكون نواة الدولة، فقد أصبحت جزرا فلسطينية تفصل بينها شبكة متزايدة من الحواجز والبوابات والعوائق. وفي نيسان 2026 أحصت الأمم المتحدة 925 عائقا أمام الحركة في الضفة بما فيها القدس الشرقية، وهو الرقم الأعلى خلال عشرين عاما. أصبح الانتقال من مدينة فلسطينية إلى أخرى رحلة لا يعرف المواطن متى تبدأ ولا متى تنتهي.

وعلى الجانب الفلسطيني، أنشأنا سلطة كان يفترض أن تكون مؤقتة فإذا بالمؤقت يصبح دائما. لا دولة قامت، ولا السلطة انتهت، ولا الاحتلال رحل. وبعد ثلاثة وثلاثين عاما نجد أنفسنا أمام نظام سياسي بلا مجلس تشريعي فاعل، ورئاسة انتهت ولايتها الانتخابية منذ سنوات طويلة، وتشريعات تصدر بالمراسيم، وسلطات تتركز بصورة متزايدة في يد الرئيس، فيما تتكرر الاتهامات بالفساد والمحسوبية وغياب الشفافية والمساءلة.

ثم جاءت غزة لتقدم أكثر فصول جردة الحساب دموية. مدن وأحياء سويت بالأرض، مئات آلاف المساكن دمرت أو تضررت، المدارس والمستشفيات والبنية التحتية أصابها خراب هائل، والاقتصاد انهار. وتشير تقديرات دولية حديثة إلى أضرار مادية بنحو 35.2 مليار دولار وخسائر اقتصادية واجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار، وإلى تراجع التنمية البشرية في القطاع بما يعادل عقودا طويلة إلى الوراء.

أما المواطن الفلسطيني، الذي كان يفترض أن يجني ما يسمى"ثمار السلام"، فقد وجد نفسه بعد ثلاثة وثلاثين عاما أمام اقتصاد هش، بطالة وفقر وغلاء، رواتب منقوصة أو متأخرة، حركة مقيدة، أرض تتناقص، ومستقبل سياسي يزداد غموضا. جيل ولد بعد أوسلو أصبح اليوم في الثلاثينيات من عمره من دون أن يرى الدولة التي وُعد بها آباؤه.

هذه ليست محاكمة للتاريخ بأثر رجعي، ولا ادعاء بأن كل ما جرى سببه اتفاق واحد. إسرائيل تتحمل المسؤولية الأساسية عن استمرار الاحتلال والاستيطان والحرب، والانقسام الفلسطيني أضاف إلى الكارثة كارثة أخرى. لكن من حقنا بعد 33 عاما أن نسأل عن حصيلة المشروع السياسي الذي قيل إنه سيقودنا إلى الحرية والاستقلال.

كانت المعادلة في أوسلو تقوم على انتقال من الاحتلال إلى الدولة. لكن ما حدث عمليا كان انتقالا من احتلال مباشر إلى واقع أكثر تعقيدا: احتلال باق، واستيطان يتوسع، وسلطة فلسطينية تدير شؤون السكان من دون سيادة حقيقية، ونظام سياسي فقد الكثير من شرعيته الديمقراطية.

وبعد ثلاثة وثلاثين عاما، ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل نجح أوسلو أم فشل؟

السؤال الأكثر قسوة هو: كم سنة أخرى نحتاج كي نعترف بأن الطريق الذي لا يقود إلى الدولة والحرية، بل يبتعد بهما عاما بعد عام، يحتاج إلى تغيير الطريق لا إلى تمديد الرحلة؟