2026-09-14 01:54 ص

الارهاب المتنقل جغرافيا وسياسيا على الساحة اللبنانية

2014-01-24
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
ها هو الإرهاب المتنقل جغرافيا وسياسيا على الساحة اللبنانية يعود ليضرب بسيارة مفخخة صباح الثلاثاء أي قبل يومين فقط في وسط الضاحية الجنوبية في حارة حريك وعلى بعد 20 مترا تقربيا من مكان الانفجار الأخير الذي تعرضت له الضاحية الجنوبية. ولقد أدى الانفجار الى استشهاد أربعة مدنيين بالإضافة الى العديد من الجرحى الذين نقلوا الى المستشفيات المجاورة للعلاج والتي على حسب ما أوردته وسائل الاعلام قد غادر معظمهم المستشفيات باستثناء أربعة منهم الذين خضعوا لعمليات جراحية. ولقد تبنت "جبهة النصرة في لبنان" هذا العمل الإرهابي كما جاء في البيان الذي أصدرته من خلال تغريدة على حسابها الرسمي على موقع"تويتر" عقب ارتكاب هذه الجريمة النكراء بحق المدنيين الامنين. وذكر البيان "تم بفضل الله تعالى الرد على مجازر حزب إيران (في اشارة الى حزب الله) بحق أطفال سوريا وأطفال عرسال بعملية استشهادية أصابت عقر داره في الضاحية الجنوبية”. وكانت أن سقطت بعض القذائف الصاروخية من الأراضي السورية على عرسال الأسبوع الماضي والتي تحولت الى مرتع للمجموعات الإرهابية ومنطقة محظور الدخول اليها من قبل الجيش اللبناني، أو التعرض لأي من هذه المجموعات التي تعيث في الأرض اللبنانية فسادا وارهابا. هذا العمل الاجرامي الهمجي يأتي ضمن سلسلة من عمليات التفجيرات التي تعرضت لها الساحة اللبنانية وما تزال، والتي تستهدف زعزعة أمنه واستقراره ساعية الى تمزيق نسيجه الاجتماعي وتأجيج نار الفتنة الطائفية والمذهبية والدفع بلبنان الى حافة الهاوية على أمل اشعال الحرب الاهلية التي تحرق لبنان كشعب ودولة ومؤسسات، ولإشاعة الفوضى وفقدان السيطرة على البلاد والدخول في النفق المظلم. وفي محاولة للشحن والتأجيج المذهبي دعا البيان " ندعو أهل السنة في كل مناطق لبنان أن يرصوا صفوفهم لمواجهة حزب الشيطان". هذا هو التفجير السادس من نوعه والتي بدأت بتفجيرين في الضاحية الجنوبية مرورا بتفجير الجامع في طرابلس والتفجير بالسيارة المفخخة التي تعرضت له السفارة الإيرانية والتفجير الذي أدى الى استشهاد الوزير السابق محمد شطح من تيار المستقبل. ويأتي بعد اقل من اسبوع على تفجير في مدينة الهرمل الذي تبنته "جبهة النصرة في لبنان". ومن المعروف أن هذه المنطقة تعتبر من مناطق البيئة الحاضنة لحزب الله. لقد حذر الكثيرون من مغبة إنتشار المجموعات الإرهابية في الداخل اللبناني ومن ضمنهم وزير الدفاع اللبناني السابق، وكان أن تنادى عدد من الشخصيات والفعاليات الوطنية اللبنانية بضرورة أخذ الخطوات التي من شأنها التصدي للتيارات التكفيرية الإرهابية التي بدأت بالزحف والتموضع في الأراضي اللبنانية لضرب السلم الأهلي وزعزعة أمن المواطن اللبناني، وخاصة بعد ظاهرة الشيخ الأسير في طرابلس والتي اسفرت عن الاشتباكات بين العناصر الإرهابية والجيش اللبناني وقد تبين في حينها تواجد اعداد كبيرة من الإرهابيين والتكفيريين من خارج لبنان اللذين كانوا يتحصنون داخل المربع الأمني الذي فرضه الشيخ الأسير مع زعرانه من الإرهابيين، الذين قاموا بتخزين الأسلحة داخل المسجد وحفر الخنادق تحت الأرض في إشارة واضحة للنوايا العدوانية لهذه الجماعات. وحذرت القوى الوطنية الحريصة على السلم الاهلي بمحبة، أن الإرهاب وتمدده السرطاني على الأرض اللبنانية لن يوفر أحدا وان تهادن الارهابيون مع البعض لأسباب تكتيكية الا أن كل اللبنانيين مستهدفين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو السياسية. ولكن للأسف الشديد ذهبت هذه الدعوات المخلصة أدراج الرياح. فهناك أطراف فاعلة على الساحة اللبنانية رأت في هذه المجموعات الإرهابية سندا لها ويمكن استخدامها في صراعها المحموم والحاقد على المقاومة وعلى رأسها حزب الله. ولذلك قامت بإعطاء الغطاء الأمني لهذه المجموعات وبيئتها الحاضنة، كما قامت بإعطائها غطاء سياسيا من خلال تبرير أعمالها الاجرامية وإخلالها بالأمن اللبناني الداخلي فكم من مرة خرج علينا المتحدثين من قوى 14 آذار وما زالوا يرددون المعزوفة المقيتة وهي، أن السبب هو تواجد عناصر من حزب الله يقاتلون في سوريا، وهم يدركون تمام الادراك والمعرفة أن هذه المجموعات كانت متواجدة منذ سنوات على الساحة اللبنانية وحتى قبل بدء الازمة السورية. ولكن البعض يريد أن يتعامى عن الحقائق والوقائع ويحرفها بالشكل الذي يخدم أغراضه ومصالحه التي أصبحت واضحة ومكشوفة للقاصي والداني. ولطالما بقيت هذه الأطراف تتحدث من هذا المنظور المرتبط عضويا سواء عن وعي أو عن غير وعي بالمخططات الجهنمية للمنطقة والتي تسعى جاهدة لضرب محور المقاومة واشعال المنطقة بحرب طائفية ومذهبية لتحويل المنطقة بأكملها الى كانتونات وجزر أرخبيل طائفية ومذهبية متصارعة فيما بينها، بغرض تأمين وحماية أمن الكيان الصهيوني ومصالح الدول الاستعمارية، سيبقى الارهاب في لبنان بالتمدد والانتشار كالسرطان في الجسم وتتصاعد خطورته أكثر وأكثر يوميا. أن الملفت للنظر هي الوتيرة المتصاعدة لمثل هذه العمليات الإرهابية على الساحة اللبنانية والتقارب الزمني الذي يفصل بين عملية وأخرى وهذا بحد ذاته يؤشر الى تنامي خطر هذا الارهاب الذي يريد أن يحول الساحة اللبنانية الى شيء شبيه بالساحة العراقية التي تتأذى يوميا من هكذا تفجيرات والذي يذهب من جراءها عشرات القتلى والجرحى يوميا. ومن الواضح أن هذا المحرك لهذه المجموعات الإرهابية وأن تعددت أسمائها واشكالها والوانها والاعلام التي ترفعها، محركها واحد ولم يعد خافيا على أحد، هو الطرف الذي فشل في تحقيق مآربه القبلية في سوريا وفي تركيع الدولة السورية على الرغم من المليارات التي قام بضخها لهذا الغرض وارسال عشرات الالاف من المسلحين والمقاتلين الأجانب الى الداخل السوري، ولذلك تراه يرسل ويدعم الارهاب في الدول المجاورة كلبنان والعراق عله يسترجع بعض من رجولته الضائعة ونفوذه الذي ينحسر يوما بعد يوم أمام نظره سواء على الساحة الإقليمية أو الدولية. من حافظ ويحافظ على السلم الأهلي في لبنان هو الطرف الذي ما زال يعض على أصابعه ويتحمل الجراح ويرفض أن يرد او حتى يتهم بصورة مباشرة، وذلك لمنع تأزيم المواقف وتأجيج الحالة والساحة، هذا في الوقت الذي ما زالت الأدوات في الطرف المقابل تعلي صوتها وتتهم بدون وجود اية دلائل مادية وتغير وتبدل لوائح الاتهامات بين الحين والأخر كما هو الحال في "المحكمة الدولية" التي ما زالت تحقق في العملية الإرهابية التي أدت الى استشهاد رفيق الحريري طيلة هذه السنوات، وكذلك التصريحات التي أدلى بها مؤخرا رئيس تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري. هذا الطرف لا يترك أية فرصة لتأجيج الفتنة المذهبية الا واستخدمها وسعى اليها، محاولا من خلالها ابتزاز التنازلات من حلف المقاومة. وهناك الكثير من الأصوات التي بدأت تطالب بضرورة تسمية الأشياء بمسمياتها والاشارة بالأصابع العشرة لمن يقف مع الارهاب ومن يموله ومن يدعمه ومن يمهد ويوجد البيئات الحاضنة له، وهي أصوات محقة في مطلبها. ان قوى الامن اللبنانية تعلم جيدا من هم الارهابيون وأماكن تواجدهم والبيئات الحاضنة، ولم يعد من الممكن السكوت على عدم اتخاذ الإجراءات الأمنية والقضائية الضرورية لمجابهة هذا الارهاب المتنقل على الساحة اللبنانية جغرافيا وسياسيا، فالجميع في دائرة الاستهداف لضرب اللحمة والنسيج الاجتماعي اللبناني. أن الأوان لإسكات الأصوات التي ترتفع في الخطب في بعض المساجد وتحرض علنا على الفتنة والقتل، وتحلل دم الاخرين، وتكفير الغير الذي لا يتفق مع هذا الفكر التكفيري والإقصائي وبغض النظر عن المذهب أو الطائفة (نحن نمقت أن نتحدث بهذه اللغة ولكن أردناها للتوضيح) التي ينتمي اليها، كما حصل عند الاعتداء على مفتي لبنان في احدى المساجد بعد العملية الإرهابية التي أدت الى استشهاد الوزير السابق محمد شطح من تيار المستقبل. كل هذه المظاهر التي تضخ وتنفث سموم الفتنة المقيتة ومن يطلقها يوميا أصبحت معروفة لقوى الامن اللبناني، وإذا ما أردنا فعلا أن نجابه الارهاب ولا نكتفي بالتنديد وتصريحات الإدانة يجب أخذ الخطوات العملية والتنفيذ اليوم وليس غدا، والا فنحن نساهم في امتداد وانتشار هذا السرطان الذي بات ينهش في الجسم اللبناني. آن الاوان للجيش اللبناني أن يدخل عرسال المحرمة عليه والمصدرة للسيارات المفخخة التي تفجر هنا وهناك، فالجهة المسؤولة عن التفخيخ ومن يفخخ أصبحوا معروفين بالأسماء ويحق للجميع أن يتساءل عن سبب هذا التقاعس الأمني. وهنالك عدد من البيئات الحاضنة للإرهاب في المناطق الأخرى التي لم تعد خافية على الأجهزة الأمنية اللبنانية. أن مكافحة الارهاب هي مسؤولية الجميع وان لم تتكاتف جميع القوى والاجهزة القادرة والمعنية فأن النفق المظلم سيخيم على لبنان ولن يرحم أحدا. كل هذا يحتاج الى قرار سياسي واضح وتعليمات للجيش والقوى الأمنية كافة ببدء العمل على هذا، فهل ستتخذ الحكومة المزمع تشكيلها هكذا قرار أم سنغرق مرة أخرى في الخلافات والتباينات التي تبعدنا أكثر وأكثر عن البوصلة؟ هذا ما ستجيب عليه الفترات القادمة.