من الواضح ان المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في دافوس في سويسرا استخدم واستغل من قبل البعض للتنفيس عن حقدهم الدفين للدولة السورية بكل مكوناتها وتحت غطاء وذريعة معاناة الشعب السوري، الى جانب الغضب من الدول والتنظيمات التي وقفت الوقفة المبدئية والصلبة التي لا تعرف المساومة أو التردد بالرغم من كل الضغوطات والاغراءات، لأدراكها العميق بأن الهجمة البربرية الإرهابية العالمية والإقليمية على سوريا انما هي هجمة يراد لها أن تودي الى تركيع المنطقة بأكملها وتحويلها الى كانتونات وجزر أرخبيل طائفية ومذهبية متصارعة ومتناحرة فيما بينها حتى يسهل السيطرة عليها وبسط السيطرة الصهيونية على المنطقة وتحقيق الامن والسلام للكيان الصهيوني الغاصب.
من دافوس يصرح السيد كيري بأن المعارضة السورية لن تترك الحرب، ما دام الأسد في السلطة. وبناء عليه فأن السيد كيري ناشد الرئيس بترك منصبه باسم السلام وباسم مستقبل بلاده ويتابع فيقول " وإلا فان الاستقرار لن يعرف لسوريا سبيلا". والسؤال هنا عن ابة معارضة يتحدث السيد كيري والكل اصبح يعلم ويعرف حق المعرفة ان الصراع الدائر الان على الأراضي السورية هو صراع مع الارهاب والمجموعات القاعدية وبغض النظر عن مسمياتها والاعلام التي ترفعها، فالجبهة الإسلامية الوهابية التي جمعت على عجل قبل مؤتمر جنيف (2)، لا تقل تطرفا وإرهابا عن النصرة أو دولة الإسلام في العراق والشام ، والتي تغذى بها الساحة السورية من قبل دول أقليمية راعية وممولة له وتمده بالعتاد والسلاح والدعم السياسي والإعلامي محاولة وجاهدة لتبيض وجهه القبيح. ولم يعد خافيا على أحد ان القاعدة واخواتها هي صنيعة المخابرات المركزية الامريكية ووهابي الخليج الين أغدقوا الأموال الطائلة لتغذية الارهاب الدولي، وهذا باعتراف واضح وصريح لوزيرة الخارجية السابقة للولايات المتحدة هيليري كلنتون. هذه المجموعات القاعدية التي أصبحت تستخدم عند الطلب لزعزعة استقرار وتحطيم الدول التي تأبى بالانخراط الكامل بالاستراتيجية الامريكية الإقليمية والانصياع لاملاءاتها والتي تتعارض مع أبسط مفاهيم السيادة. وتصريح السيد كيري، يعني ببساطة أنه إذا لم تقبل الدولة السورية بالاستسلام والقبول بتسليم السلطة الى عصابة الائتلاف الصنيعة المسخ الذي نصب الممثل الشرعي للشعب السوري فأنه سيتكفل بإرسال المزيد من الإرهابيين الى الأراضي السورية ليحدثوا مزيدا من الدمار. المعارضة المتمثلة بالائتلاف الصنيعة المسخ والتي جيء بها الى جنيف (2)، لم تستطيع تقديم لائحة بأسماء المعتقلين في السجون السورية بالرغم من الزوبعة التي أثارها لوسائل الاعلام عن وجود نساء وأطفال وشيوخ في السجون السورية. الائتلاف الذي أوعز اليه بالتمسك بطلب وقف إطلاق النار في حي من أحياء حمص لإدخال المعونات اليها مع ان هذه الأمور تجري بالترتيب مع المنظمة الدولية والحكومة السورية، حتى يظهر ان الائتلاف يملك قرارا وان له امتداداته على الساحة السورية. لم يتحدث الائتلاف عن أية منطقة أخرى على الامتداد الجغرافي السوري المترامي الأطراف، ببساطة لأنه لا مكان لتواجده أو أنه لا يمون على المجموعات الإرهابية التي تتمحور في بؤر في الداخل السوري والتي تضرب يوميا من الجيش العربي السوري. الائتلاف لا يملك قراره وقراره في جنيف يأتي من روبرت فورد القابع في جنيف مع خط اتصال دائم مع أعضاء الوفد الذي يخرج بعضهم من غرفة الاجتماعات ليقدم تقريرا ويتلقى ما يجب أن تكون عليه مواقف الائتلاف. هكذا كانت الحال مع حمد بن جاسم فأين هو الان؟ مصيركم لن يكون بأفضل حال منه او بأميره السابق.
ومن دافوس أيضا يتحفنا الامير تركي الفيصل مدير المخابرات السعودية السابق ويهاجم الولايات المتحدة بسبب سياستها تجاه سوريا، ويسترسل الأمير وما أكثرهم هذه الأيام ويقول بأن العالم أصيب بخيبة أمل بسب تشوش السياسة الخارجية الامريكية. ما زالت قبيلة ال سعود وبطانتها وزبانيتها غاضبة على إدارة أوباما وتنعتها بالجبانة وبعدم الرجولة كما اتهمت زوجة ماكبيث زوجها ماكبيث عندما أبدى ترددا لاغتيال الملك دنكن للاستيلاء على السلطة فنعته بالجبن وبأنه ليس رجلا. السعودية ما زالت تترحم على الزمن التي كانت الولايات المتحدة تتحضر فيه للعدوان على سوريا بعد حشد الاساطيل والبوارج الحربية قبالة السواحل السورية، وهددت بإمطار دمشق بصواريخ سكود، وأبدت السعودية استعدادها لتغطية تكاليف الحرب والعدوان بشهادة وزير الدفاع الأمريكي أمام لجنة من الكونغرس، بالضبط كما فعلت لغزو العراق، وكما مولت العراق بحربها على إيران، فالسعودية تدفع لكل من يحارب حروبها. والسعودية ليست لوحدها المترحمة على الأيام الخوالي فصحيفة الواشنطن بوست التي زمرت وقرعت طبول الحرب مثلما قرعتها لغزو العراق، شاركتها بالترحم في افتتاحيتها قبل أيام (23 يناير) وحثت الرئيس أوباما أن يوجه تهديدا باستخدام الخيار العسكري إذا لم تذعن الدولة السورية بالإملاءات الامريكية وتسليم السلطة في سقف زمني محدد. ويدعو الأمير الى اصدار قرار من الامم المتحدة لإخراج ما وصفه بالمليشيات الشيعة اللبنانية والعراقية من البلد الذي مزقه الحرب. أنتم يا أيها الأمير مع حفظ الألقاب، كما قالها البعض مثل القرصان الذي لا يرى الا بعين واحدة وبالتالي فإنكم ترون الصراع من باب مذهبي وطائفي لان هذا هو البئر الفكري النتن الذي تنهلون منه مشاربكم وفلسفتكم حتى تبقوا رعاياكم في الظلام فهي الطريقة الناجعة بالنسبة لكم للبقاء بسدة الحكم والاحتفاظ بكل بخيرات البلد النفطية لشيوخ القبيلة وأمرائها وللمقربين من شيخ القبيلة الأكبر الذين ينالهم بين الفترة والأخرى مكرمة من مكارمه. أنتم لا ترون الالاف المؤلفة الذين توافدوا من ما يقارب من 80 دولة في العالم وتشكيل ما يقارب من 1200 مجموعة مسلحة تقاتل الدولة السورية والشعب السوري، وهذا بحسب التقارير الواردة من أجهزة الاستخبارات العالمية المختلفة بالإضافة الى المراكز السياسية والأمنية، مما جعل بعض الأجهزة الأمنية للعديد من الدول اجراء الاتصالات مع الدولة السورية والذهاب الى دمشق للحصول على معلومات عن مواطنيها اللذين يقاتلون مع المجموعات الإرهابية في الداخل السوري. والبعض يجتمع ويتصل بالسيد وليد المعلم في جنيف لهذا الغرض أو غيره. الذي يبدو أن أجهزة استخباراتكم قد غضت الطرف عن هذه الحقيقة أو على قول المصريين " نايمة على روحها" ، ولم ترى الى المليشيات "الشيعية" ان تواجدت بالشكل الذي ذكرتموه. لا عتب على ذلك فالقراصنة لا يروا الا من زاوية واحدة. نحن مع خروج كل المجموعات المسلحة من سوريا ...كل المجموعات دون استثناء وليذهب كل من حيث أتى لان بذلك وحده من الممكن ان ينعم الشعب السوري بالسلام ويستطيع ان يحل مشاكله داخل سوريا دون أية تدخلات اجنبية فهل يا ترى يوافق الأمير وشيخ القبيلة على ذلك؟
ولم يكتفي الأمير بهذه التصريحات فهو يريد من الأمريكيين التوجه الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار بنشر قوات لوقف القتال في سوريا، وان تعذر ذلك فعلى الأقل يتعين إقامة ممر انساني حتى لا يموت الناس جوعا. مسكينة الإدارة الامريكية هذه الأيام فقد أصبحت ملطة على قول جدتي " للي بيسوا واللي ما بيسوا" وحتى العملاء الين نصبوا بالسلطة من قبلهم أمثال كرازاي أصبح "يتنمرد" على صانعيه ومغذي شريان بقاءه وحياته طيلة هذه الفترة. القوات الدولية لا تستطيع دخول بلد ذات سيادة الا بأذنه والدولة السورية ذات سيادة فأرح نفسك يا أيها الأمير فهذا لن يكون، بالإضافة ان هناك أصدقاء وحلفاء لسوريا لن يسمحوا بهذه المهازل في مجلس الامن أو غيره. الحرب الدائرة في سوريا في سوريا ليست حربا أهليه كما هو الحال في الحرب الدائرة في جنوب السودان الذي عملت القوى الاستعمارية والكيان الصهيوني وبعض الأطراف الإقليمية على سلخه عن الوطن الام، الحرب الدائرة في سوريا هي حرب مع الارهاب بكل المقاييس والمتمثل بالمجموعات الإرهابية التي تنتمي الى القاعدة والفكر التكفيري الوهابي. أما ذرف دموع التماسيح عن معاناة الشعب السوري وموت الناس جوعا المعزوفة الدائمة لكم، نقول إذا كانت قلوبكم محروقة على الشعب السوري فالأولى بكم أن تعملوا على قطع التمويل والتسليح وعمليات التجنيد للإرهاب من كل صوب وحدب وارساله الى الداخل السوري وتمتنعوا عن إيجاد ورعاية البيئات الحاضنة، بدلا من الدعوات لحظر جوي أو بالعمل على الدعوات التي أطلقها مؤخرا الذي وصف ما شاء الله " المفكر والمحلل السياسي " السعودي مهنا الحبيل بان احد الحلول "المعتبرة" للقضية السورية ، هو تحالف (1+3) الذي يتكون من السعودية وقطر وتركيا إضافة لما يسميه بالثورة السورية ويعدد اطرافها بجبهة الثوار والجبهة الإسلامية والجيش الحر. الذي يبدو لم يرد المفكر المبدع والخلاق أن يذكر ان المقصود بجبهة الثوار هم دولة الإسلام في العراق والشام وجبهة النصرة. ونتساءل هل هناك شيء في جيناتكم ما يجعلكم تتلذذون برؤية الدم والدمار. نقول هذا لأنه يخالف كل من ينتمي الى الجنس البشري.
بين دافوس وجنيف (2)
2014-01-27
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني

