2026-09-14 12:42 ص

لماذا لن يفضي مؤتمر جنيف(2) عن اي مضمون

2014-01-30
لبقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
مع دخول "المفاوضات" يومها الخامس دون تحقيق أية تقدم يمكن التعويل عليه لاستمرار عملية التفاوض المتعثرة أطلق الابراهيمي نداءات استنجاد من الروس والامريكيين على أمل لحلحة الوضع القائم لما هو عليه. القضية الأساسية التي يجب أن تطرح لماذا لم تحقق الاجتماعات التي تجري في جنيف الى أية لحلحة في مسار الازمة وهل من الممكن تجاوزها؟ وفي تقديري المتواضع ان هذه المباحثات او المفاوضات الجارية الان وضمن المناخات والتركيبة السائدة شئت لن تسفر عن أي مضمون يمكن الركون اليه. وهذا نابع من العديد من الأسباب الموضوعية التي تساهم في هذا الإطار، والتي سنتناولها هنا ليس بالضرورة بترتيب أهميتها. أول هذه الأسباب هو أن الائتلاف لا يمثل (إذا ما أردنا ان نعطيه صفة التمثيل) الا جزءا ضئيل جدا من المعارضة السورية. فقد انسحب من هذا الائتلاف أكثر من أربعين عضوا وهم أعضاء ما يسمى بالمجلس الوطني السوري بناء على التوجيهات والتعليمات التي مررت لهم من قبل قطر، بالإضافة الى عدم النجاح الذي كان يأمل ان يحققه في الانتخابات التي أجريت مؤخرا في الائتلاف المعارض في تركيا وقبل الذهاب الى مؤتمر جنيف (2) بقليل. ولكن الأهم من ذلك كله غياب المعارضة الوطنية في الداخل السوري وهي المعارضة الوازنة بالمقارنة مع معارضة الفنادق كما وصفوا من بعض القادة العسكريين لما كان يسمى بالجيش الحر الذي يحاول البعض إعادته الى الحياة واستخدام ورقته في جنيف. وهنالك المعارضة الكردية التي رفضت الانضواء والذهاب تحت مظلة الائتلاف المعارض، كما رفضت لجنة التنسيق وغيرها. وإذا ما نظرنا الى واقع الائتلاف ضمن "المعارضات" السورية فانه ومن الناحية العقلانية من الخطأ الفادح اعتباره ممثلا للمعارضة السورية لا كما ولا نوعا. ومن هنا كان اعتباره الممثل الشرعي للشعب السوري ونفخ هذا الجسم الهلامي المسخ ليتولى تشكيل وفد المعارضة والذهاب الى جنيف (2) تحت مظلته الواهية بمثابة الدفع لإفشال اية مفاوضات حتى قبل البدء بها. النقطة الأخرى المتعلقة بهذا الائتلاف أنه ذهب الى جنيف دون برنامج ودون رؤية واضحة لما ستكون عليه المفاوضات، ولقد أجمعت العديد من الصحف على ضحالة وسطحية ما طرحه الائتلاف في الكلمة التي القاها الجربا والتي ليس فقط لكونها لم تحتوي على أي شيء ذو مضمون أو جديد حيث أعاد معزوفة أن الرئيس الأسد لن يكون لديه أي دور في مستقبل سوريا، بل جعل من نفسه أضحوكة للمؤيد والمعارض على حد سواء بعنترياته الجوفاء مصورا نفسه وزبانيته أنهم قادمين لتسلم السلطة والافضل أن يتم ذلك بسرعة، هكذا ببساطة، هم الذين لا يملكون أو يسيطرون على شبر من الأراضي السورية، ولا يملكون قرارا، وليس لهم امتداد شعبي في الداخل السوري. والأنكى من ذلك أنه عندما سئل على ماذا يعول الائتلاف؟ وماذا إذا ما رفضت الدولة السورية تسليمكم السلطة؟ رد قائلا أن أصدقاء سوريا والمجتمع الدولي سيعملون على تفعيل البند السابع في مجلس الامن، بمعنى العدوان على سوريا. ردود أثارت السخرية ودللت على سخافة وحماقة متناهية، بالإضافة الى مدى ارتباطاتهم وتعويلهم على الغير لخوض معاركهم السياسية والعسكرية. وهذا ليس بالغريب عندما تعلم من صنعهم ويمولهم ويغذي شريان حياتهم لضمان بقائهم على قيد الحياة الى حين، فالسعودية دفعت وما زالت تدفع للجيوش الأجنبية لحمايتها وضمان أمنها مقابل مليارات الدولارات. الائتلاف لديه برنامج مكون من نقطة واحدة وواحدة فقط يتيمة، وهي المعزوفة الممجوجة التي أصبحت تتردد في كل زمان ومكان وهي أن الأسد يجب أن يسلم السلطة ولن يكون له دورا في مستقبل سوريا. وأن السلطة يجب أن تسلم الى هيئة حكم انتقالي للمعارضة وعناصر من الحكومة السورية التي بحسب عضو الائتلاف المفاوض أنس العبدة حددها الائتلاف ولديه قائمة بهذه الأسماء التي يمكن ترشحها للهيئة الحاكمة و"لكننا لن ننشر أسمائهم لأنهم يقيمون في الداخل السوري". السبب الثاني يعزى الى ما قد يسميه البعض بحالة التخبط التي لازمت الإدارة الامريكية في التعاطي مع العديد من الملفات في المنطقة، وهذا ربما يعود الى وجود تيارين ضمن الإدارة الامريكية ذوي رؤيا مختلفة في كيفية التعاطي مع هذه الملفات وهذا لا ينحصر في المنطقة العربية بل يتعداها لتشمل العديد من الملفات الدولية. واذا جاز لنا ان نسمي فإننا نقول انه صراع بين التيار الواقعي الليبرالي الذي استخلص ان التدخلات العسكرية المباشرة الامريكية في العديد من المناطق في العالم وعلى وجه التحديد في أفغانستان والعراق قد انعكس سلبا على الولايات المتحدة ولم يحقق ما كانت الولايات المتحدة تصبو اليه سواء من الأهداف المعلنة أو الخفية، بالإضافة الى التكاليف الباهظة لهذه الحروب والتي أوجدت ضغوطا غير مسبوقة على الخزينة الامريكية مما أدى الى امتعاض شديد على المستوى الشعبي لهذه السياسة الخرقاء، حيث رأت الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي أنه كان الأولى أن تصرف هذه المبالغ في القطاع الصحي والتعليمي المتردي في أمريكا بالمقارنة مع العديد من الدول الغربية كما أوضحت دراسات حديثة. ولعل الضغط الامريكي الشعبي لعدم الانجرار للعدوان على سوريا كان أحد الأسباب لتراجع الإدارة الامريكية لشن حربها على سوريا بعد ان قامت بحشد اساطيلها وقواتها مقابل السواحل السورية لشن عدوانها. وهذا التيار يرتئي أنه من الأفضل على الولايات المتحدة أن تنحى منحى التعامل سياسيا مع الملفات وحل النزاعات بالطرق السلمية والمباحثات. أما التيار الاخر فهو تيار صدامي تصعيدي بكل معنى الكلمة ويسعى الى الهيمنة وبسط السلطة والنفوذ الامريكي على العديد من المنطق، وبالتالي يدفع باتجاه التدخلات العسكرية غير آبه لما قد يتسبب ذلك من ارتدادات وتداعيات. وهذا التيار له ارتباطات وثيقة بمجمع الصناعات العسكرية التي تعتاش وتزدهر وتحقق الأرباح الطائلة بإشعال الحرائق وخلق بؤر توتر هنا وهناك ولو وهمية في بعض الحالات لزيادة بيع الأسلحة. وربما خير مثال على ذلك مبيعات وصفقات الأسلحة الى دول الخليج العربي التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات والتي تصاعدت بشكل ملموس في الفترة الأخيرة. وبين هذين التيارين تتأرجح السياسية الخارجية الامريكية ولكنها في المحصلة تبدو مع تيار التصعيد الا إذا ما الجمتها الظروف القائمة ولو الى حين، فالنزعة العدوانية قد تخبو في فترات ولكنها تبقى بانتظار وحالة تأهب للانقضاض. والتصرفات والمواقف الامريكية تجاه الازمة في سوريا ربما مثال ساطع على هذا التناقض، فهو يتميز كما ذكرنا في مقال سابق بظاهرة انفصام في الشخصية. فالسيد كيري يجتمع مع نظيره الروسي لافروف ويتم الاتفاق على شيء وترى نبرة العقلانية والواقعية في المؤتمرات الصحفية التي تعقد عندما يكون الجانبين معا، ليعود السيد كيري وينكث بكلمة يلقيها هنا وهناك كما حصل في مؤخرا في دافوس وجنيف كما أشرنا في مقال سابق بعنوان "بين دافوس وجنيف (2)" من على صفحات المنار هنا. والموقف الذي اتخذته الإدارة الامريكية وتصويت الكونغرس الأمريكي لتسليح المعارضة بأسلحة "غير فتاكة" مؤخرا، والتي ذكره كيري قبل عدة أيام فقط بينما المباحثات في جنيف ما زالت جارية تدلل مرة أخرى وبشكل صارخ وفاضح هذا التخبط وعم وضوح في الرؤيا والصراع ما بين الاجنحة داخل الإدارة الامريكية والبنتاغون والكونغرس الأمريكي. هذا الموقف الأخير قد يهدف الى نسف مؤتمر جنيف وعملية السلام كلية لأنه يأتي متناقضا مع ما يفترض ان يكون توجه ومسعى نحو خلق البيئة السياسية الملائمة لانطلاق العملية السياسية. القضية لم تتوقف عند هذا الحد فما زالت الجهود الامريكية منصبة على اقناع الجبهة الإسلامية أو أطراف منها بالانضمام الى العملية السياسية في جنيف وذلك لتحسين موقع الائتلاف، فهي تريد اظهاره وكان له امتداد عسكري وجغرافي على الأرض السورية وهو ما يفتقده، وهذا ينعكس على مركزه ووزنه التفاوضي في جنيف. وتنصب الجهود الامريكية ومعها الإقليمية لتحسين صورة الجبهة القبيح على أنها تتكون من تيارات إسلامية معتدلة وهي تحارب المجموعات الإرهابية مثل دولة الإسلام في العراق والشام، هذا على الرغم من أن المنهل الفكري والأيدولوجي للطرفين متطابقين. وما زال بريمر سوريا، السفير الأمريكي السابق لسوريا روبرت فورد الذي طرد من دمشق وأصبح شخصا غير مرغوب فيه يتابع هذا الموضوع بالإضافة الى ادارته للمباحثات في جنيف التي يجريها وفد الائتلاف من مكان اقامته في فندق الانتركونتينتال مع فريقه الخاص من الدبلوماسيين والخبراء الامريكيين الذي يتجاوز عددهم عن العشرين. هذا الفريق أيضا يحتوي على خبراء اللغة والصياغة للأوراق التي تدفع لوفد الائتلاف لتقديمها للمبعوث الاممي الاخضر الابراهيمي باللغة الانجليزية بين الحين والأخر، فالائتلاف كما أشرنا لا قرار له ولا استقلالية فهو مجرد وسيط وحامل للرسائل الامريكية تارة والسعودية تارة أخرى والتركية وهكذا دواليك. ألم يكن من الاجدر مناقشة السيد بدلا من مناقشة العبيد؟ نتساءل. من الواضح أن الاستراتيجية الامريكية في المفاوضات والتي يرددها الببغاء المدعو بالائتلاف المعرض تتمحور في دفع المفاوضات لتشمل نقطة أساسية واحدة وهي التركيز على المرحلة الانتقالية وهيئة الحكم الانتقالي "وتسليم السلطة" ومنع اجراء اية انتخابات رئاسية في مواعيدها لقطع الطريق على ترشح الرئيس الدكتور بشار الأسد وذلك لمعرفتهم التامة وبحسب تقارير دوائر استخباراتهم بأنه سيفوز بنسبة أكثر من مريحة، وبالتالي فان هذا سيسقط كل مخططاتهم ومشاريعهم البائسة. ومن هنا يأتي اصرارهم على ضرورة تنحي الرئيس الأسد عن السلطة أو التعهد بأنه لن يرشح نفسه مستقبلا. أما السبب الثالث فهو تواجد الارهاب الإقليمي والعالمي على الساحة السورية بكل أشكاله والوانه الذي يخضع وينهل من نفس الفكر الوهابي التكفيري وان تمايز ظاهريا عن بعضه البعض، فهو يتمايز من حيث الجهة الممولة، وتقاسم الغنائم والصراع على مناطق النفوذ في الداخل السوري. لقد أصبحت المجموعات الإرهابية تتصرف بشكل منفرد ومستقل عن الجهات التي جندتها ومولتها وما زالت تمولها، والتي لم يعد لها اية سيطرة عليها، ومن هنا تكمن الخطورة مما يستدعي تكاتف الجهود لدحر هذا الارهاب المتفشي في الجسد السوري والذي أصبح يتمدد وينتشر كالسرطان الى دول الجوار والمرشح وصوله الى العالم الغربي ان لم يكن قد بدأ بالوصول فعليا اليه كما تشير بعض التقارير. وبالتالي إذا لم تعطى مكافحة الارهاب الأولوية فيما يختص بالوضع السوري فأن الحلول السياسية لن يكون لها أي معنى وستبوء بالفشل. فالمجموعات الإرهابية همها إقامة الامارة أو الامارات الإسلامية على أية بؤرة تسيطر عليها كما هو الحال في الرقة. ان اية حلول سياسية يمكن التوصل اليها لن تجدي وستكون عديمة الفائدة إذا لم يتم التصدي لهذه الآفة التي تنهش في الجسد السوري وكل طرف لا يضع محاربتها في أولوياته يكون شريكا ان لم يكن ضالعا في سفك المزيد من الدم السوري وما دموعه التي يذرفها الا دموع التماسيح. في النهاية نود أن نؤكد ان إيجاد الحلول السياسية للازمة السورية يتطلب قبل أي شيء محاربة الارهاب وتجفيف مصادر تمويله ووقف الدعم العسكري والسياسي له وعدم توفير البيئات الحاضنة له وتسهيل عمليات انتقاله الى الداخل السوري، وإيقاف الحملات التحريضية المذهبية والطائفية التي تنطلق من وسائل الاعلام التي تحرض ليلا ونهارا على الفتنة وتعطي غطاء إعلاميا وسياسيا للإرهاب ورعاته. ومحاربة الارهاب تستدعي مسؤولية من دول الجوار لضبط حدودها وعدم السماح بتهريب الأسلحة او المقاتلين القادمون من المنطقة أو بقاع العالم للداخل السوري. لقد بات من الضروري ان يكون هنالك تعاونا إقليميا ودوليا لمحاربة الارهاب الجاثم على الأراضي السورية وغيرها من الدول كالعراق واليمن ومصر ولبنان الخ. هذا ان أردنا توفير الامن والاستقرار الى شعوب المنطقة والعالم. والى حين أن نرى سياسة أمريكية في هذا الاتجاه وضاغطة على بعض الدول الإقليمية وبالتحديد السعودية وقطر وتركيا الذين لهم الضلع الأكبر في رعاية الارهاب بغطاء امريكي واضح مباشر أو غير مباشر، فان الأوضاع في سوريا والمنطقة ستبقى مشتعلة في المدى المنظور. كما أن الحل للازمة السورية لن يتأتى الا بالحوار السوري-السوري دون تدخلات أجنبية او املاءات ونصوص خارجية التي لا تخدم مصالح الشعب السوري. ان من يقرر مستقبل سوريا وقياداته السياسة وشكل الحكم فيه هو الشعب السوري وحده من خلال انتخابات حرة نزيه وشفافة. وكل من يرى غير ذلك فهو لا يهدف لمصلحة الشعب السوري وامنه واستقراه، وهؤلاء هم أعداء الوطن.