بقلم : محمد بكر*
لم يكد يمض أسبوع على ولادة المحادثات في جنيف حتى أسدلت الستارة عن المسرحية الهزلية المسماة زوراً " حل سياسي" ساقت خلالها الأيادي الأمريكية عن " سبق إصرار وترصد" مؤتمر جنيف2 إلى "المغتسل" تمهيداً لتشييعه ودفنه إذ تساقطت الأقنعة تباعاً عن وجوه كل من كيري ووفد "الائتلاف" والمبعوث الأممي الأخضر الابراهيمي الذي أشاد " بالجهود" الأمريكية لجهة إيجاد حل سياسي للأزمة السورية في الوقت الذي وافق فيه الكونغرس الأمريكي على إرسال أسلحة للمجموعات المسلحة في سورية ,إذ لم تنفع المساحيق التجميلية التي تلبدت بها الوجوه الموغلة في القبح في التستر على النيات الطافحة بالكذب وأبت إلا أن تظهر على حقيقتها التي لاتحتاج للكثير من البينات والتحليل لإدراك التذبذب الأمريكي في تعاطيه مع الملف السوري لطالما تأصلت ازدواجية المعايير في سلوك العم سام وتشربت أفعاله بالنفاق حيال ملفات المنطقة ولعل ذريعة " سلاح الدمار الشامل" التي تذرع بها الأمريكي لشرعنة غزوه واحتلاله للعراق تعد خير دليل حيال ذلك.
لم يكن مستغرباً على الإطلاق أن تعود " حليمة " لعادتها القديمة في التملص من الحلول السياسية للأزمة السورية وأن يمتنع " السيناريست " الأمريكي عن إنهاء مسلسل " التحشيد والتعويل" وأن يتعمد إطالة الحلقات والخواتيم على الطريقة " المكسيكية" لطالما كان التنبؤ الأمريكي حاضراً منذ البداية لجهة توصيفه للمفاوضات "بالشاقة والصعبة" ولطالما أن مشهد الحريق المستعر في الداخل السوري يلبي الطموح الأمريكي في إسقاط الدولة السورية ولاسيما أن ذلك الحريق تنتفي منه أي آثار اقتصادية وعسكرية تهدد الولايات المتحدة و تالياً تكون الحافز لإعادة الحسابات وتغيير المواقف في تكريس فاعل في اعتقادنا لرؤية سيلفان شالوم وهنا تعود بنا الذاكرة قليلاً إلى الوراء وتحديداً في العام 2011 عندما سئل سيلفان شالوم عن فشل إسقاط "النظام " في سورية ضمن الجدول الزمني الذي تم تحديده فأجاب شالوم : حتى ولم يحدث ذلك فإن إسرائيل تكسب في كلتا الحالتين, لطالما أن الاقتصاد الذي يُدمر ليس الاقتصاد الإسرائيلي والقتلى الذين يتساقطون على الأرض السورية ليسوا إسرائيليين والمال الذي يُغدق على تلك الحرب هو المال الخليجي .
اللافت أن " نغمة" المزيد من العسكرة التي تواردت بزخم على لسان الأمريكي جاءت بعد التصريحات الإيرانية النارية التي جاءت بدورها رداً على تصريحات كيري الذي اعتبر أن الخيار العسكري يبقى خياراً مطروحاً في حال عدم التزام إيران بتعهداتها فيما يتعلق بملفها النووي الأمر الذي يعكس التعاطي الأمريكي " المتوازي " مع الملفين السوري والإيراني وإن تواردت بعض الصور التي تظهر سياسة " الشد والحل " عندما أعلن أوباما أنه سيستخدم الفيتو إذا ما فرض الكونغرس عقوبات إضافية على إيران خلال المفاوضات إلا أن ذلك يصب في إطار الإبقاء على " شعرة معاوية " وتالياً الإيهام بأن الحل السياسي لايزال قابل للحياة .
في اعتقادنا أن الكباش السياسي بين الروسي والأمريكي لايزال مستمراً وفي أعلى درجات احتدامه إذ أكد بوتين أن عملية إطلاق جنيف 2 عملية صعبة إضافة لما تحدث عنه لافروف فيما يتعلق بضرورة إعادة هيكلة المحادثات الحالية لجهة إشراك المزيد من القوى السياسية المعارضة في الداخل السوري التي لم تحضر المؤتمر وكذلك التأكيد على ضرورة إشراك إيران في أي عملية سياسية مقبلة في حين أن الأمريكي يدرك تماماً مدى الضعف المتغلغل في جسد "الممثلين" الحاليين للمعارضة في المؤتمر وتالياً غياب الثقل النوعي الذي يعزز الموقف الأمريكي ويجعل من اليد الأمريكية " اليد العليا" في المحادثات ومن هذا الجانب نفهم القرار الأمريكي بتسليح "المعارضة" , ذلك القرار الموغل في السذاجة لجهة اعتباره أن السلاح سيسلك هذه المرة وجهته الصحيحة ويصل إلى ماسماه " المعارضة المعتدلة" وعليه فإن الفاتحة ربما ستُقرأ قريباً على "روح" جنبف 2 بانتظار جنيف 3 ومن يعرف ربما جنيف 4 وبالتأكيد للحديث صلة.
*كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية

