2026-09-13 11:38 م

الأمر الملكي السعودي والإرهاب والهروب الى الامام

2014-02-06
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
المنطقة العربية وما حولها باتت تشهد انتشارا وتمددا للإرهاب كالسرطان، الى جانب تعاظم خطورته لأن من أنتجه وموله ورعاه ووفر له البيئة الحاضنة ودعمه بشكل مباشر او غير مباشر قد فقد السيطرة عليه، وبات بالتالي يهدد المنطقة برمتها، الى جانب الدول الأوروبية والتي انطلق منها مئات الشباب للانضمام الى المجموعات الإرهابية التي تقاتل في سوريا والمرشح ان يعود البعض منهم على الأقل الى بلدانهم، بعد ان خبروا فنون القتال وتحضير العبوات الناسفة وربما السيارات المفخخة أيضا، وبالتالي تهديد الامن الداخلي لهذه البلدان. ومن هنا أتت الدعوات التي أطلقها لافروف وزير الخارجية الروسي للتصدي للإرهاب على المستوى الإقليمي والدولي، وأهمية التعاون في هذا المجال ووضعه كبند على طاولة المفاوضات في جنيف (2)، وهي نفس الدعوات التي أصر عليه وفد الدولة السورية في جنيف (2). ولم يعد خافيا على الكثيرين من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العالمية والإقليمية الدور الي تلعبه السعودية في رعاية هذا الارهاب الدموي وتوظيفه لأجندات إقليمية أو عالمية. وان كانت هذه الأجهزة قد التزمت الصمت أو غضت النظر على الرعاية السعودية لهذا الارهاب الدموي التكفيري، عندما كان يتقاطع ويتماهى مع مصالحها وأجنداتها، فان الوضع قد اختلف الان حيث أن هذا الارهاب قد بدأ يقرع عواصم هذه الدول ويهدد أمنها الداخلي بشكل جدي. وصوبت الأنظار على السعودية بالتحديد، لمعرفة هذه الأجهزة ان السعودية تلعب دورا محوريا في انتاج هذه العناصر الارهابية ودعمها بكل المستلزمات التي تضمن بقائها بالتمويل المالي والتسليح عبر شراء الأسلحة بمليارات الدولارات، بالإضافة الى الدعم السياسي والإعلامي المستمر. والأهم من ذلك هو إقامة ورعاية المدارس الدينية والتكفل بكل مستلزماتها لتعليم الفكر الوهابي وهو فكر تكفيري بامتياز. وتشير بعض الاحصائيات الى وجود ما يقرب من 2500 مدرسة من هذا النوع أغلبها في باكستان والتي خرجت منها عناصر طالبان والعناصر القاعدية التي حاربت السوفييت وحكومة نجيب في أفغانستان في الثمانيات من القرن الماضي، الى جانب ذلك تخرج منها عناصر قيادية التي قادت الحركة السلفية الجهادية في داغستان ومناطق الشيشان بعد تشربها للفكر الوهابي التكفيري. وهذه المدارس المنتشرة في العديد من البلدان ما زالت قائمة ليومنا هذا. هذا عدا عن المدارس التي تدار داخل الأراضي السعودية والتي يفد اليها العديد من الشبان لتلقي العلوم الدينية القائمة على الفكر الوهابي والسلفية الجهادية، أو تعلم اللغة العربية. الى جانب كل هذا فان السعودية تتكفل بدفع رواتب للعديد من الخطباء وأئمة المساجد الذين ترسلهم لكي يشرفوا على المساجد المتواجدة في الدول الغربية، ومن الطبيعي أن يلتزم الخطيب بنهج الفكر الوهابي الذي ترعاه السعودية حتى يضمن وظيفته. ولقد بدأت العديد من الدول الغربية للتنبه لهذه الظاهرة وتعمل أجهزتها الأمنية على متابعة ما يدور من أنشطة دينية وغسل الادمغة بهذه الأفكار المسمومة، التي تولد التعصب الديني. وهذا ما قد يفسر الظاهرة التي تشهدها الدول الأوروبية من تزايد أعداد الشباب المسلم في هذه البلدان التي تذهب للقتال في سوريا الى جانب المجموعات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة أمثال جبهة النصرة والتي وضعت على لائحة الارهاب من قبل الولايات المتحدة، والدولة الإسلامية في العراق والشام. مما لا شك فيه أن السعودية الان تتعرض الى ضغوطات مباشرة وغير مباشرة لقضايا متعلقة بالإرهاب وخاصة وان العديد من العناصر المتورطة بالإرهاب تبين اما أنها سعودية أو لها ارتباط بالسعودية وتعمل تحت امرة أجهزة مخابراتها، وربما زاد من افتضاح امرها علنيا خاصة بعدما ان استلم الأمير بندر بن سلطان الملف السوري، والذي لقب بحق أمير الارهاب والقاعدة الجديد، قبل أن يتم تنحيته تحت حجة مرضه واختفاءه عن الساحة. ويجدر أن نذكر هنا بما قاله بندر بن سلطان وما تناقلته وسائل الاعلام في أول زيارة قام بها الأمير لروسيا والتي حاول من خلالها اغراء روسيا بالتخلي عن سوريا، عندها قال الأمير بأن السعودية تستطيع أن تضمن سلامة دورة الالعاب الأوليمبية الشتوية في سوتشي من أي عمل إرهابي لمقاتلي الشيشان، نظرا لعلاقاته معهم وعلى أنهم لم يذهبوا الى سوريا الا بعد التشاور مع الطرف السعودي. ومن المؤكد أن الدولة السورية بما تجمع لها من معلومات عن الارهاب التي تمارسه المجموعات التكفيرية الوهابية وارتباط هذه المجموعات بالسعودية، انها عازمة على رفع قضية أمام المحكمة الدولية الجنائية على الدولة السعودية التي ارتكبت المجموعات الإرهابية التي تعمل تحت إمرتها بمجازر ترقى الى جرائم ضد الإنسانية، وكل هذه المعلومات تم توثيقها وقد قامت الدولة السورية وعبر ممثلها الدكتور بشار الجعفري بتقديم معلومات موثقة ومدعومة بالدلائل المادية التي تثبت تورط السعودية كنظام وقيادة سياسية بمثل هذه المجازر. ومع تزايد الدعوات الإقليمية والعالمية على محاربة الارهاب رأت العائلة المالكة في السعودية أن الامر قد يطالها فعلا وأن الدائرة بدأت تضيق عليها، وخاصة وان أصابع الاتهام لها تأتي من أكثر من طرف إقليمي ودولي. ولقد تبين مؤخرا وتبعا لأجهزة الاستخبارات الروسية أن التفجيرين الكبيران اللذان وقعا في مدينة فولغوغراد الروسية والذين نفذهما انتحاريين وأسفرا عن مقتل ما يقرب من خمسين شخصا، ان المنفذين كان لهما ارتباط وعلى علاقة مع الاستخبارات السعودية. ولقد هدد الرئيس بوتين بأن من كان يد وراء تنفيذ هذه العمليات الاجرامية سينال العقاب، والجميع فهم أن المقصود هي السعودية. ولقد طلبت السعودية الاجتماع مع الطرف الروسي لتوضيح الموقف ولكنها قوبلت بالرفض، ولم تفلح الوساطة الفرنسية ولا الامريكية في تهدئة غضب بوتين من السعودية والقبول بمقابلة وفد سعودي، واجابهم بقسوة بأن هذا الامر مرتبط بالأمن القومي الروسي ولا نقبل من أحد التدخل به. ومن هنا نستطيع ان نتفهم الحملة التي يقودها النظام السعودي من خلال وسائل اعلامه ضد من يحرض أو يدعو الشباب الى الذهاب للقتال في سوريا من الائمة والدعاة أمثال الشيخ العرعور التي فاحت رائحته وغيره ممن أطلقوا الصيحات من على المنابر والمحاضرات بتحليل إراقة الدم السوري وتكفير الغير والدعوات الى القتل والتشنيع بالجثث، وحث الشباب السعودي للذهاب لقتل الكفرة والمرتدين والنصارى والمجوس...الخ من الدعوات المقيتة والممجوجة التي تنفث السموم في عقول البسطاء من الناس ووعدهم بالجنة والحوريات الذين ينتظرونهم هناك. والذي يبدو أن الضغوطات على السعودية كانت تتطلب موقفا أكثر مما قد نشر مؤخرا في وسائل الاعلام السعودية، فجاء الامر الملكي الذي أصدره العاهل السعودي الملك عبدالله قبل أيام فقط والذي قرر بمقتضاه معاقبة كل من يشارك في أعمال قتالية خارج المملكة بالسجن بين ثلاثة سنوات الى عشرين سنة وذلك انطلاقا من " سد الذرائع" ومنع الاخلال بالأمن و" الضرر بمكانة المملكة". والكلمات هنا تبين بوضوح الاتهامات التي وجهت الى المملكة من قبل الأطراف الدولية والتي من خلالها تريد العائلة الحاكمة أن تحمي نفسها من أية محاكم دولية تتهمها بالإرهاب. ولا شك ان الخوف السعودي من رجوع جحافل الإرهابيين الى أراضيها قد شكل أيضا عاملا مهما في اصدار البيان الملكي. ويذهب المرسوم الملكي ليؤكد أن "العقوبة" ستطال كل من يؤيد الجماعات الإرهابية أو يتبنى فكرها أو الإفصاح عن التعاطف معها، بأي وسيلة كانت أو دعمها ماليا أو التحريض على الدعم أو التشجيع عليه أو الترويج له بالدعم أو الكتابة". وهذا كله ما كانت تقوم به المملكة وزبانيتها ودعاتها ورجال اعمالها ووسائل اعلامها بالعلن، وهو ما أدى على حسب أكثر التقارير تواضعا من أرسال ما يقرب من 12000 مقاتل سعودي الى الأراضي السورية. هذا بالإضافة الى عشرات الالاف من الإرهابيين التي جمعتهم من بقاع العالم وقدمت لهم وما زالت كل الدعم والامكانيات لقتال الجيش العربي السوري ومحاولة ترويع السكان المدنيين الأمنيين بشتى الوسائل الهمجية التي فاقت أعمال التنكيل الذي مارسته جحافل المغول والتتار. قد يرى البعض ان هذا قد يشكل إنعطافة جادة في الموقف السعودي وخاصة مع الفشل الذريع التي منيت به محاولاتها المستميتة لإسقاط الدولة السورية بكل مكوناتها. ربما يشكل هذا الموقف من الارهاب بعض الاستدارة واعادة تموضع في الموقف السعودي والخطاب السياسي الرسمي المعلن نتيجة الخوف من المعطيات الإقليمية والدولية الجديدة، وإمكانية انعكاسها على الأوضاع الداخلية في السعودية وخاصة وأن الرهانات الغربية على اسقاط الدولة السورية قد فشل فشلا ذريعا، كما انه لم يعد أولوية على لائحة الولايات المتحدة بالتحديد، كما تشير العديد من الدراسات ومراكز الابحاث الغربية. ولكن السعودية لم تسقط رهاناتها بعد وستعمل بكل امكانياتها وطاقاتها وليس حصرا على الساحة السورية، بل تمتد كما هو واضح على الأقل الى الساحة اللبنانية والعراقية حيث تعمل على تشجيع الارهاب والعمليات الإرهابية، ومنع أي استقرار أمني داخلي في الدولتين، هذا عدا عن التدخلات الإقليمية الأخرى في اليمن والبحرين ومصر على سبيل المثال. الفارق قد يكون أن السعودية الان بات عليها أن تلعب الدور القذر بالخفاء كما كانت تفعل سابقا وربما في إطار وهامش زمني حدد لها، وعليها أن لا تتجاوزه.