2026-09-13 10:40 م

معاناة الشعب السوري والخفايا السوداء

2014-02-14
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
من واشنطن وباريس دعوات للتعاطي مع الأوضاع في سوريا، وهذه المرة مع الأوضاع الإنسانية المتردية هناك. التباكي على الاوضاع الانسانية في سوريا من قبلكم يا من اسهمتم بدخول كل زناة الارض الى حجرتها، بالتعاون مع عملائكم وادواتكم في المنطقة وعلى رأسهم السعودية وقطر وتركيا ودمرتم الصرح الحضاري والانساني والاقتصادي للدولة السورية، لا ينطلي على أحد حتى على المتخلف عقليا في السياسة، اللهم الا إذا كان من "ثوبكم" وقبلته بيتكم الاسود، ولا عجب انكم طليتموه باللون الابيض لكي تضفوا نوع من الطهارة على أفعالكم النجسة والسوداء على ممر العصور والازمان. لو كنتم فعلا تريدون تخفيف المعاناة عن الشعب السوري لما فرضتم عليه الحصار الاقتصادي الخانق والعقوبات التي ما انزل الله بها من سلطان الغير قانونية، والتي لا تتماشى مع أي عرف من الاعراف الدولية أو الإنسانية. لو كان لديكم ذرة من الاهتمام بمعاناة الشعب السوري، لما سمحتم للإرهابيين بتدمير معامل الادوية ومنعتم الشركات من ارسال المواد الاولية لصناعة الادوية. كم من مئات الاطفال العراقيين ماتوا نتيجة النقص الحاد في الادوية عندما ضربتم الحصار الاقتصادي ونظام العقوبات الجائر على العراق عندئذ؟ وماذا قالت عن موت الاطفال العراقيين السيدة مادلين أولبريت عندما سئلت عن هذا في احدى المؤتمرات الصحفية؟ ارجعوا الى صحفكم لتجدوا الجواب على ذلك ان كنتم لا تعلمون. لم تهتز شعرة منكم نتيجة اجرامكم بحق الأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين، فهذه كانت ضرورية لتحقيق مآربكم في تركيع الدول التي تقف حائلا أمام بسط هيمنتكم ونفوذكم على المنطقة دون منازع. والان تفعلون في سوريا ما فعلتم في العراق بل واكثر من ذلك. خيرات سوريا تنهب كل يوم، وهي جانب من حربكم الاقتصادية التي تشن من قبلكم في محاولة لتركيع الدولة السورية. مخازن الحبوب التي تكفي لإطعام الشعب السوري نهبت لتباع في تركيا وغيرها. مصانع حلب سرقت، فككت اجهزتها وبيعت وجمعت في تركيا لتعاود الانتاج هناك. المدن التي كانت تنتج لتطعم السوريون دمرت بالكامل على ايدي ارهابكم. سوريا كلن لديها اكتفاء ذاتيا حتى وهي تحت نظام حصار وعقوبات ظالم والذي امتد لسنوات طوال، ليس هذا فحسب بل كانت تصدر الفائض من انتاجها الى الخارج. سوريا البلد الحضاري هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي يتمتع اهلها بعناية طبية مجانية وكذلك تعليما مجانيا. سوريا هي البلد الوحيد في المنطقة وربما في العالم التي لم تمد يدها الى البنك الدولي لتشحذ وتستجدي وتتوسل، ولم يكن لها ديون خارجية على الاطلاق. سوريا ليست بحاجة الى مساعدتكم ولا مساعدة الافاعي الذين دفعوا المليارات لتدمير سوريا وقتل شعبها بإرسال الاسلحة والمقاتلين الارهابيين من كل ارجاء المعمورة وبشهادة المخابرات المركزية الامريكية من أكثر من خمسين دولة، وعندما "يتبرعون" للسوريين في المخيمات يقومون بالتبرع بعشرات الملايين، المبلغ الذي يوازي ما يصرفه أحد امرائهم في حفلة ماجنة من حفلاتهم في الغرب. ولا يقف كرمهم وحرصهم على معاناة السوريين في مخيمات الشتات سواء في الاردن وتركيا عند هذا الحد الإنساني، بل يذهبون الى أبعد من ذلك وخاصة كبار السن منهم ذو النفوس المريضة والشاذة الذين يشترون القاصرات من السوريات لممارسة البغاء تحت المسميات الدينية التي تصدر عن "مفتي" شاذ من هنا وهناك، مستغلين الحاجة المادية للعائلات المعدمة، هؤلاء أقل من انصاف الرجال وحثالة الامة، الذين يتباكون على الشعب السوري مثلكم. رجوعكم الى مجلس الامن لتقديم أو تسهيل المساعدات الانسانية لا يتأتى من باب الحرص على الشعب السوري فهذا كما ذكرنا لن ينطلي على أحد. ان هذا الرجوع ليس بريئا كما تريدون أن تعطوا الانطباع بأنه كذلك، بل هو عودة واضحة للتلويح باستخدام القوة والعدوان العسكري والتدخل المباشر من طرفكم بالتنسيق مع نابليون الجديد الساقط أخلاقيا، واجتماعيا، وسياسيا، وشعبيا ايضا بحسب اخر استطلاعات الرأي، والمتأمل بمزيد من المكرمات الملكية السعودية قبل أن يلفظه شعبه الى خارج الحلبة السياسية الفرنسية. وتأتي تهديداتكم وتحضيراتكم لعمل عسكري ربما يكون قريبا، بعدما فشلت كل محاولات ادواتكم وعملائكم في تحقيق الهدف المرجو، الا وهو اسقاط الدولة السورية بكل مكوناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، والاهم من كل ذلك هو محاولات اسقاط الشعب السوري وعناده وصلابته في مقاومة مشروعكم التصفوي للمنطقة بأكملها وتحويلها الى كانتونات طائفية ومذهبية وعرقية متحاربة فيما بينها وضمان الامن والسلام لربيبتكم الكيان الصهيوني الغاصب وضمان سيطرته وتفوقه في المنطقة. من هنا نستطيع أن نرى التحركات المحمومة بتسليح المعارضة حديثا بمزيد من الأسلحة عن طريق الأردن وبأموال سعودية، وتدريب ما يقرب من الفي مقاتل جدد على ايدي الخبراء العسكريين على الأسلحة المتطورة وأجهزة تنصت وتجسس حديثة، عل هذه المجموعة تحقق ما فشلت فيه المجموعات السابقة لزعزعة الاستقرار في العاصمة دمشق. ولن نستغرب إذا ما حاولتم تمرير قرار بفرض حظر جوي تحت حجة تأمين ممرات آمنة لتوزيع المعونات في الداخل السوري، تماما مثل المعونات التي أرسلت عن طريق تركيا بشاحنات محملة بالأسلحة تحت برنامج إيصال المعونات الإنسانية الضرورية الى الداخل السوري، ولم نسمع يوما أن الأسلحة يمكن ان تكون معونات غذائية، الا بقاموس السلطان العثماني اردوغان. ولا ندري اذا ما كان نصب اكثر من 15 الف خيمة على الجانب الأردني، والقيام ببناء وتعبيد طرق للتواصل مع الداخل السوري هي أيضا من ضمن ارسال المعونات الإنسانية الى الداخل السوري، ولكن خلافا لاستخدام الشاحنات لنقلها على الحدود التركية، فانها ستحمل هذه المرة ربما في الدبابات وسيارات الدفع الرباعي واليات عسكرية قادمة من الحدود الأردنية، والتي بالطبع تحتاج الى طرق معبدة جيدا. وكل هذا تحت شعار لإيصال المعونات الإنسانية للشعب السوري. زيارة أولاند الى الولايات المتحدة ليست زيارة بريئة بكل المقاييس، وهو الذي لم ينقطع عن التصريحات حول فشل الغرب في التعامل مع الازمة السورية، وان "المجتمع الدولي" كان من الضروري أن يكون "أشد حزما في التعامل مع نظام بشار الأسد". ومن ان كل الاستعدادات قد أخذت في فرنسا لما اسماه " لضرب النظام السوري" وانه كان بانتظار ساعة الصفر للتنفيذ، بعد استلام الأوامر من البيت الأبيض طبعا، ففرنسا بدون الولايات المتحدة لا شيء. وبخلاف بريطانيا، الحليف التاريخي الاوروبي المعتمد من قبل الولايات المتحدة والتي احجمت عن الدخول في المغامرة العسكرة والعدوان على سوريا بعد التصويت الذي جرى في البرلمان البريطاني، فانه كان على اتم الاستعداد لتحدى البرلمان الفرنسي، من اجل حفنة من الدولارات السعودية وبعض النفوذ في المنطقة. والذي يبدو أن السيد أوباما قدر عاليا موقف نابليون الجديد فهو رفع من شأنه عندما سؤل عن العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة وهل هي أكثر عمقا الان من تلك التي كانت بين الولايات المتحدة وبريطانيا وخاصة بعد أن خذلت بريطانيا البيت الابيض. عندها رد سيد البيت الابيض بان فرنسا وبريطانيا مثل ابنتيه لا فارق بينهما، مما اثلج صدر نابليون. المهم ما نشتمه الان هو اننا قد نكون مقدمين على مدخلا جديدا قديما للتعامل مع الازمة السورية، وربما تكون المحاولة الأخيرة ولكنها من المؤكد انها ستكون أخطرها وأشدها شراسة، وخاصة وانهم يرون ما يحققه الجيش العربي السوري من انتصارات على الأرض ويفرض معادلات جديدة تتكامل وتتقاطع مع ما يحققه الوفد الحكومي المنقطع النظير في اداءه في جنيف، وتم تسديد الضربات العسكرية والدبلوماسية والسياسية في تناغم متكامل، بينما الطرف الاخر يخسر على الأرض ويخسر في التفاوض ويكشف عورته وهزيمته وارتهانه لصانعيه وخضوعه التام لقصاصات الأوراق التي تصله بين الحين والأخر والتي تحدد له ما يجب قوله بالحرف والتمسك به وترديده كالببغاء، حتى ولو لم يكن منطقيا أو عقلانيا. الذي تسعى اليه الولايات المتحدة وفرنسا بالتحديد تسييس معاناة الشعب السوري والأوضاع الإنسانية المؤلمة لأغراض باتت واضحة ويتم التحضير لها الا وهي شن مزيد من العدوان على سوريا والشعب السوري، والدفع لاستخدام البند السابع الذي يتيح لهم العدوان العسكري "والتدخل المحدود"، في محاولة يائسة لتحسين الوضع التفاوضي في جنيف. ولهذا فهم يريدون فترة زمنية ليتاح لهم فرصة لتحقيق ذلك، وبالتالي يقومون بتعطيل المؤتمر بشتى السبل، من الإصرار على إبقاء الاتئلاف الصنيع المسخ "ممثلا شرعيا للشعب السوري" ، في الوقت الذي حتى تمثيله للائتلاف مشكوك في أمره بحسب نظامه الداخلي، نظرا لانسحاب العديد من عناصره من الاجتماع الأخير الذي عقد في تركيا ،بحيث فقد الاجتماع نصابه القانوني، بالإضافة الى الإصرار على مناقشة بند واحد يتيم الا وهو تسليم السلطة لحكومة انتقالية تحت امرتهم ليفعلوا ما يريدون في الوطن السوري، الحلم الذي لن ينالوه مهما حاولوا. وما زال الصنيعة المسخ يصر على رفض ادانة الارهاب او الاعتراف بوجوده في سوريا ورفض محاربته، ويعزو كل هذه المجازر الى أعمال فردية هنا وهناك، ويتهم الدولة السورية بتشكيل داعش. بالله عليكم هل سمعتم أسخف من هكذا إقتراح، منذ أن بدأت الازمة السورية؟. في النهاية نقول، ان المخططات الجهنمية والحرب الكونية على سوريا لم ولن تنقطع، وستتخذ اشكالا والوانا وسبلا متعددة تبعا للظروف والمعطيات الإقليمية والدولية، ولكن وكما اثبتت سوريا على ممر العصور والتاريخ البشري، أنها كانت عصية على الغزاة، وستبقى كذلك بوحدة شعبها الابي وجيشها المغوار وقيادتها السياسية الحكيمة، هذا الثالوث المقدس الذي دافع ويدافع بعناد وصلابة وايمان بعدالة قضيته الانسانية والحضارية، قبل أن تكون دفاعا عن هويته الوطنية والقومية، هذا الدفاع المسنود من القوى والدول المحبة لتحقيق السلام العالمي وتحقيق العدالة للشعوب وحقها في العيش بكرامة وحرية وديمقراطية حقيقية كما تحددها شعوبها، دون تدخلات اجنبية من أي طرف كان.