2026-03-07 05:22 م

سؤال الحق في تقرير المصير

2025-10-16

بقلم: طاهر تيسير المصري
 لم تقتصر معركة الشعب الفلسطيني يوماً على الميدان العسكري فحسب، بل كانت ولا تزال معركة وجودٍ وذاكرةٍ، وصراعاً على الرواية والحق. وقد أعاد العدوان على الأرض الفلسطينية المحتلة طرح الأسئلة الجوهرية التي شكّلت منذ البداية جوهر الصراع: سؤال الحق، والتحرر، والعودة، وتقرير المصير، وهي الأسئلة التي حاولت مشاريع التسوية طمسها أو تجاوزها تحت عناوين زائفة. فما يُحاك ضد القضية الفلسطينية لا يُمثّل مشروعاً سياسياً عابراً أو مبادرة مؤقتة، بل محاولة منهجية لتفريغ القضية من مضمونها التحرري الوطني والحقوقي، وتحويلها إلى ملف تفاوضي قابل للتصفية. إنّ ما يواجهه الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة هو أخطر من أي وقت مضى، لأنه يستهدف جوهر هويته وحقه في تقرير مصيره.

يدرك الاحتلال أن ظهور المقاومة بمظهر المنتصر يشكل خطراً وجودياً على مشروعه، وأن أي تقارب فلسطيني - فلسطيني أو مسار وحدوي جادّ كفيل بإسقاط خططه. ولذلك، يحرص على إبقاء حالة الانقسام قائمة، لأنها تُشكّل له أداة فعّالة لتحقيق أهدافه بأقل كلفة. فالوحدة بالنسبة للاحتلال ليست مجرد خطر سياسي، بل تهديد استراتيجي يبدد تفوقه، ويُعيد للشعب الفلسطيني زمام المبادرة.
وفي المقابل، تكشفت ملامح التواطؤ الدولي بصورة غير مسبوقة. فقد ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في خطابه أمام الكنيست شريكاً كاملاً في العدوان على قطاع غزة، مؤكداً أن تدخله لوقف "الحرب" جاء حرصاً على "إسرائيل" التي تواجه عزلة دولية متنامية، ما يهدد بامتداد هذه العزلة إلى الولايات المتحدة نفسها. كما أن الوثيقة التي طرحها ترمب تجاهلت جذر الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وتناولت القضية الفلسطينية بمنطق إداري لا سياسي، خالية من أي ضمانات أو جداول زمنية، خصوصاً فيما يتعلق بانسحاب الاحتلال من قطاع غزة، الذي يسعى إلى الاحتفاظ بشريط عازل يقتطع ربع مساحة القطاع تقريباً.
أما ما يُسمّى بـ "مجلس السلام" الجاري الحديث عن تشكيله، فهو ليس سوى صيغة جديدة للوصاية الخارجية على الشعب الفلسطيني، تنطلق من فرضية أن الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم، وتضع السلطة الفلسطينية أمام شروطٍ إذا ما التزمت بها، تفقد جوهرها الوطني وتتحول إلى أداة في المشروع الصهيوني. بل إنّ الطرح المتداول حول فترة انتقالية قد تمتد لثلاثة عقود يشكل ليس فقط تكريساً عملياً لانقسام الضفة عن غزة، وإعادة إنتاجٍ لسياسات الاحتلال بغطاء سياسي دولي، بل أيضاً انهاء أكيد للقضية الفلسطينية لصالح المشروع الصهيوني الإحلالي.

توقف العدوان، ولو مؤقتاً، على قطاع غزة، لكن معركةً أخرى لا تقلّ ضراوة بدأت في أروقة العدالة الدولية. فبينما تلاحق المحكمة الجنائية الدولية إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، تسعى تل أبيب، بمساعدة أمريكية مباشرة، إلى إسقاط هذه التهمة وتفريغها من مضمونها القانوني. منذ فتح الملف في لاهاي، شعرت "إسرائيل" بخطرٍ حقيقي لا لأنها تخشى العدالة، بل لأنها تدرك أن أي إدانة قضائية قد تزعزع صورتها وتُسقط عنها أقنعة "الديمقراطية" التي لطالما فاخرت بها.
لقد دخلت واشنطن بكل ثقلها في هذه المعركة، ليس دفاعاً عن "إسرائيل" فحسب، بل عن نفسها وعن منظومتها الإمبريالية التي ترفض مبدأ المحاسبة. رفضت التهم الموجهة إلى "إسرائيل" ووصفتها بأنها "باطلة ومضللة"، وهاجمت المحكمة الجنائية الدولية، بل وفرضت عقوبات على قضاتها، وكأن العدالة تصبح جريمة حين تقترب من تل أبيب. في المقابل، تواصل "إسرائيل" تنفيذ الجزء الآخر من الخطة عبر تقديم تقارير وتحقيقات شكلية لتطبيق مبدأ "التكاملية" في القانون الدولي، بزعم أنها تجري تحقيقاتها الداخلية، لتبرير تعطيل اختصاص المحكمة الدولية.
هذه المحاولات تسعى إلى طمس الحقائق وتحويل المجازر إلى أرقام بلا هوية، وإلى استبدال المساءلة القانونية بصفقات سياسية مؤقتة. غير أنّ الحقيقة تبقى ثابتة، وهي أن ما جرى في قطاع غزة لم يكن حرباً بل عملية إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة، وأن كل جُثة تحت الركام هي شهادة حيّة على عجز النظام الدولي وتواطؤ القوى الكبرى.

لكن الخطر الأكبر لا يأتي من الخارج وحده، بل من داخل الصف الفلسطيني ذاته. فاستمرار الانقسام يمنح الاحتلال ما لم يستطع تحقيقه بالقوة، ويحول المأساة الوطنية إلى حالة دائمة من الضعف والتنازع. لقد آن الأوان لأن يتخذ الفلسطينيون قرارهم التاريخي بالوحدة، وأن يصدروا إعلاناً وطنياً مشتركاً بالاتفاق على برنامج وطني جامع، وإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع والوطن المعنوي للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، وبمشاركة الكل الفلسطيني دون استثناء. كما يجب إعادة بناء العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية على أساسٍ واضح يكرّس أن السلطة هي الذراع التنفيذية لإدارة شؤون المواطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، في حين تبقى منظمة التحرير المرجعية السياسية العليا والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. إن تأجيل هذا القرار ليس سوى انتحار سياسي، وترك للآخرين مهمة صياغة مستقبلنا بأيديهم.

إن ما يُراد اليوم هو قتلٌ بطيء للوعي الفلسطيني، أما ما نريده نحن فهو استعادة المبادرة الوطنية الجامعة. الوحدة ليست خياراً سياسياً يمكن التفاوض حوله، بل شرط وجود، لأنها وحدها القادرة على تحويل الدم إلى نصر، والمأساة إلى مشروع تحرر، والذاكرة إلى سلاحٍ لا يُهزم. إن بقاء الانقسام هو الهدية الأكبر للاحتلال، أما وحدتنا فهي الردّ الوحيد القادر على إحباط ما يُحاك ضدنا، وإعادة الاعتبار لقضيتنا في وجه كل محاولات الطمس والتصفية.