2026-06-12 08:46 م

من الحكم الذاتي إلى الإدارة البلدية: كيف يُعاد تشكيل الضفة الغربية؟

2026-06-12

بقلم: نبهان خريشة
منذ توقيع اتفاقية أوسلو وتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (A) و(B) و(C)، تعامل كثيرون مع هذا التقسيم باعتباره ترتيبات انتقالية مؤقتة يفترض أن تنتهي بقيام دولة فلسطينية مستقلة. لكن ما جرى على الأرض خلال العقود الثلاثة الماضية يشير إلى اتجاه معاكس تماماً؛ إذ تحولت هذه التقسيمات إلى إطار دائم تعمل “إسرائيل” من خلاله على إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة الفلسطينية بصورة تخدم مشروعها الاستراتيجي طويل الأمد.

في جوهر هذا المشروع تبدو إسرائيل وكأنها تنفذ خطة مترابطة ومتدرجة الأهداف والنتائج للسيطرة الكاملة على مناطق (C) أولاً، ثم توسيع نفوذها العملي داخل مناطق (B)، وصولاً إلى محاصرة التجمعات الفلسطينية في جزر سكانية مكتظة داخل مناطق (A).

قد لا يكون هذا المشروع معلناً بصيغته الكاملة في وثيقة رسمية واحدة، لكنه يظهر بوضوح من خلال تراكم السياسات والإجراءات الميدانية التي تتكامل مع بعضها بعضاً وتنتج واقعاً جديداً يوماً بعد يوم.

تشكل مناطق (C) ما يزيد على ستين بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وهي المناطق الأغنى بالأرض والموارد الطبيعية والمجالات الحيوية للتوسع العمراني والاقتصادي الفلسطيني. خلال السنوات القليلة الماضية، كثفت إسرائيل عمليات الاستيطان، وشق الطرق الالتفافية، ومصادرة الأراضي، ومنع البناء الفلسطيني، وهدم المنازل والمنشآت، وإقامة البؤر الاستيطانية الجديدة.

وبالتوازي مع ذلك، تعرض الفلسطينيون في العديد من المناطق الريفية والبدوية إلى ضغوط متواصلة جعلت البقاء في أماكنهم أكثر صعوبة وكلفة من أي وقت مضى. لكن الهدف لا يقتصر على السيطرة على الأرض فحسب.

فالأرض بلا سكان فلسطينيين هي النتيجة الأكثر ملاءمة للمشروع الاستيطاني. لذلك تبدو الضغوط الاقتصادية والأمنية والإدارية وكأنها أدوات لدفع السكان تدريجياً نحو الرحيل من مناطق (C) والانتقال إلى مراكز المدن والبلدات الواقعة ضمن مناطق (A) وعندما تتقلص القدرة على الزراعة أو البناء أو الاستثمار أو حتى العيش الطبيعي في الريف الفلسطيني، يصبح الانتقال إلى المدينة خياراً اضطرارياً لا اختيارياً.

المرحلة التالية من هذه العملية تظهر في مناطق (B) ، التي يفترض نظرياً أن تكون خاضعة لإدارة مدنية فلسطينية مع سيطرة أمنية إسرائيلية. إلا أن التوسع الاستيطاني وشبكات الطرق والحواجز والإجراءات العسكرية المتزايدة تجعل النفوذ الإسرائيلي فيها أكثر عمقاً واتساعاً من أي وقت مضى. وهكذا يتشكل واقع تتحول فيه مناطق (A) تدريجياً إلى المساحة الرئيسية المتبقية لتجمع الفلسطينيين. غير أن نقل السكان إلى مناطق (A) لا يحل المشكلة من وجهة نظر الفلسطينيين، بل ينقلها إلى مستوى جديد أكثر تعقيداً.

فهذه المناطق محدودة المساحة أصلاً، وتعاني من اختناقات عمرانية واقتصادية وبنى تحتية غير قادرة على استيعاب نمو سكاني متسارع. وكل موجة انتقال جديدة من الريف والمناطق المهددة إلى المدن تزيد من الضغط على الخدمات العامة وسوق العمل والإسكان والتعليم والصحة.

ومع مرور الوقت تتولد أزمات اجتماعية واقتصادية متراكمة. ترتفع معدلات البطالة، وتتراجع فرص الشباب، وتزداد المنافسة على الموارد المحدودة، وتتعاظم مشكلات الفقر والازدحام والتهميش. وعندما يشعر جيل كامل بأن الأفق الاقتصادي والسياسي مغلق، يصبح البحث عن فرصة خارج الوطن خياراً أكثر جاذبية من انتظار تغيير قد لا يأتي قريباً.

هنا تظهر النتيجة الأبعد مدى في هذه السلسلة المتدرجة من الأهداف. فإذا كانت المرحلة الأولى تتمثل في السيطرة على الأرض، والثانية في تركيز السكان الفلسطينيين داخل مناطق محدودة، فإن المرحلة الثالثة تتمثل في دفع جزء متزايد من هؤلاء السكان، وخصوصاً الشباب وأصحاب الكفاءات، إلى الهجرة الخارجية.

وعند هذه النقطة تكون إسرائيل قد حققت مكاسب مزدوجة: سيطرة أوسع على الأرض من جهة، وتقليص تدريجي للوزن الديموغرافي الفلسطيني من جهة أخرى. السلطة الفلسطينية تدرك بلا شك خطورة هذه التحولات. وهي تدرك أيضاً أن أي فراغ إداري أو سياسي داخل المجتمع الفلسطيني قد يسرع عملية التفكك التي يسعى الاحتلال إلى تكريسها. لذلك يمكن فهم بعض خطواتها الأخيرة باعتبارها محاولة لإعادة تنظيم الحضور الفلسطيني على المستوى المحلي وتعزيز البنية الإدارية للمجتمع.

في هذا السياق جاءت انتخابات المجالس البلدية التي أولتها السلطة أهمية استثنائية. فقد وضعت ثقلها السياسي والتنظيمي لضمان نجاح القوائم المحسوبة على حركة فتح أو القوائم العائلية والعشائرية القريبة منها. الهدف المباشر كان الحفاظ على شبكة واسعة من المؤسسات المحلية القادرة على إدارة شؤون المواطنين وتقديم الخدمات ومنع انهيار البنية الإدارية الفلسطينية في ظل الظروف الصعبة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذه السياسة، رغم دوافعها الدفاعية، قد تتقاطع بصورة غير مباشرة مع ما يبدو أنه الاتجاه الإسرائيلي المستقبلي.

فإسرائيل لا تخفي رغبتها في تقليص البعد السياسي للقضية الفلسطينية وتحويلها إلى قضية إدارية وخدماتية. ومنذ سنوات يتكرر الحديث الإسرائيلي عن “تحسين الظروف المعيشية” بدلاً من معالجة جوهر الصراع السياسي المرتبط بالاحتلال والسيادة والحقوق الوطنية. ومن هذه الزاوية تبدو البلديات نموذجاً مناسباً للرؤية الإسرائيلية؛ مؤسسات تقدم خدمات الماء والكهرباء والنظافة والتنظيم العمراني، لكنها لا تمتلك صلاحيات سيادية أو سياسية حقيقية.

وعندما يصبح النشاط السياسي الفلسطيني محصوراً تدريجياً في إدارة الشأن المحلي والخدماتي، بينما تبقى قضايا الأرض والحدود والموارد والسيادة بيد إسرائيل، فإننا نكون أمام عملية إعادة تعريف لوظيفة السلطة الفلسطينية نفسها. الخطر هنا لا يقتصر على تقليص صلاحيات السلطة، بل يمتد إلى إعادة صياغة الوعي السياسي الفلسطيني.

فالشعب الذي خاض نضالاً طويلاً من أجل الحرية والاستقلال قد يجد نفسه، بفعل الوقائع المفروضة على الأرض، محصوراً في نقاشات تتعلق بالطرق والمشاريع والخدمات، بينما تُحسم القضايا المصيرية المتعلقة بالأرض والحدود والمستقبل خارج إرادته.

لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى ما يجري باعتباره سلسلة من الإجراءات المنفصلة. فالاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتقييد البناء، ودفع السكان نحو المدن، وإضعاف الاقتصاد، وتشجيع الهجرة، وتقليص الدور السياسي للسلطة، وتعزيز البنى الإدارية المحلية؛ كلها حلقات في سلسلة واحدة تنتج واقعاً جديداً في الضفة الغربية.

يبقى السؤال الأهم: هل ما زال بالإمكان كسر هذا المسار؟ الإجابة تتوقف على قدرة الفلسطينيين على بناء استراتيجية وطنية تتجاوز إدارة الأزمات اليومية نحو مواجهة التحديات البنيوية التي تعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة الفلسطينية.

فالمعركة لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على الأرض اليوم، بل حول شكل المجتمع الفلسطيني ومكانه ومستقبله بعد عقد أو عقدين من الزمن. وفي مثل هذه المعارك الطويلة، قد تكون التحولات الصامتة أخطر من المواجهات الصاخبة، لأنها تغيّر الحقائق على الأرض قبل أن يدرك كثيرون حجم ما جرى بالفعل.