بقلم: نبهان خريشة
الإعلان الدستوري الجديد الذي أصدره الرئيس محمود عباس ينص على أنّه في حال شغور منصب رئيس السلطة الفلسطينية، وفي ظل غياب مجلس تشريعي، سيتولّى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لـمنظمة التحريرالفلسطينية، نائب رئيس دولة فلسطين مهام الرئاسة مؤقتاً لفترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، يُجرى خلالها انتخاب مباشر لرئيس جديد وفق قانون الانتخابات، وإذا تعذّر الأمر لــ "قوة قاهرة"!! فتمدد هذه الفترة بقرار من المجلس المركزي الفلسطيني لمرة واحدة فقط، ويلغى بموجب الإغلان هذا الإعلان الدستوري رقم (1) لسنة 2024.
هذا الإعلان يأتي في إطار خطاب رسمي يعلن عن إصلاح، وعن ضمانات دستورية تحافظ على التتابع القيادي وتفادياً للفراغ، كما ينطوي على عبارات مثل "الفصل بين السلطات" و"الانتخابات الحرة والمباشرة" و"حماية النظام السياسي الفلسطيني" وَما إلى ذلك. لكن، وفي مقابل هذا الخطاب، ثمة جوانب عميقة تستحق النقاش والمساءلة، بل والنقد، إذا ما أردنا أن نكون صادقين مع طموحات شعبنا في دولة ذات مؤسسات حقيقية، لا أدوات لقائد أو قيادة واعادة تدويرالنظام القائم حاليا.
أولاً، وفي سياق الإصلاح والمكافحة المزعومة للفساد، فإن الإعلان الدستوري الجديد سيعيد عملياً إنتاج نفس النظام القائم حالياً. فالرئيس عباس ومنذ سنوات، يعلن للأميركيين والأوروبيين ولدول الإقليم أنّه بصدد إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، ومحاربة الفساد، وتحديث المؤسسات، وإشراك الشباب في الحكم، وتطبيق حكم القانون. لكن ما نلاحظه اليوم هو أن هذا الإعلان لا يفتح نافذة إصلاح حقيقية، بل يحتفظ بصيغة مركّزة للسلطة التنفيذية، مع هيئة تشريعية وسياسية مشلولة أوغائبة، ومع تغييب عمليّ للأفق التنافسي الحزبي والمجتمعي. وهكذا، فالوعود التي توجّه نحو الخارج – لأمريكا وأوروبا – لا تُترجَم في عدالة مؤسساتية أو على الأرض. الإعلان الدستوري يعمل على العكس، كغطاء خارجي لكبح الإصلاح الحقيقي، لأنه يضع إطاراً تشريعياً داخلياً يُرسّخ الوضع القائم بإعادة إنتاجه .
ثانياً، الإعلان الدستوري يُكرّس تآكل الشرعية الدستورية للمؤسسات الرسمية، ويحوّلها إلى أدوات في يد القيادة الحالية – والمقبلة – بدلاً من أن تكون أدوات للشعب والمؤسسات وللمساءلة. حين يُنصّ قانونياً أن نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير سيتولّى مهام الرئاسة في حالة الشغور، يتمّ عملياً تعيين وريث سياسي مفترض، وليس فتحاً لمسار انتخابي حر ومفتوح. بهذا المعنى، الإعلان الدستوري الجديد لا يضمن انتقالاً ديمقراطياً بل يُنظّم انتقالاً مؤسّساً ضمن النظام ذاته – أي من قائد إلى نائب، دون تغيير حقيقي في النظام أو آلياته. مستشهداً بالكلمات الشهيرة لـ أنطونيو غرامشي: "القديم مات، والجديد لم يولد بعد"، فهنا يبدو الأمر بوضوح: النظام القديم لم يمت، بل جرى إضفاء شكليّات جديدة عليه، وليس إحداث مولود ديمقراطي جديد.
ثالثاً، إذ ننظر إلى دور منظمة التحرير الفلسطينية، وهي المُعترف بها دولياً كمُمثّل للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، فإن هذا الإعلان يُضعف هذا الدور، بل يُختزله إلى "ممرّ لتثبيت شرعية لسلطة فاقدة لآليات المساءلة". فبما أن المنظمة تتحوّل من جهة تمثيل إلى جهة تمنح، عبر إعلان، تفويضاً مؤقّتا لرئاسة السلطة، فإنها تصبح أداة لترسيخ خيار القيادة وليس مساحة لحوار وطني شامل، أو فتح عملية انتخابية جدّية تضم جميع القوى السياسية. وهكذا، فالدورالتاريخي لمنظمة التحرير يتآكل، ويُحوّل إلى جزء من دائرة السلطة التنفيذية بدل أن تكون منصة للشرعية الشعبية، للتمثيل الوطني، والحوار الوطني.
رابعاً، من بين أبرز الثغرات في نص الإعلان العديد من المصطلحات الغامضة والقابلة للتأويل، وعلى رأسها عبارة "قوة قاهرة". هذه الصيغة التي تسمح بالتأجيل أو بتمديد المهلة الانتقالية من ثلاثة أشهر إلى فترة أخرى بقرار من المجلس المركزي – ومرة واحدة فقط – تفتح باباً واسعاً أمام التأويل والتمديد إلى أجل غير مسمّى. فعندما يكون النظام السياسي يهيمن عليه قطب واحد، فإن عبارة "قوة قاهرة" يمكن تفسيرها بمرونة كبيرة بحيث تُعدّ مبرّراً لعدم إجراء الانتخابات ضمن المهلة المُعلَنة. وهنا تصبح المهلة الانتقالية المفتوحة فعلياً أداة للمماطلة، أو لترسّخ سلطة دون مساءلة، أو لترميم السلطة بدلاً من تحديثها. وبما أنّ الإعلان لا يحدد معايير واضحة لـ "القوة القاهرة"، فإن الخشية حقيقية من أن تُصبح هذه الصيغة آلية لتثبيت استمرار النظام السياسي القائم حاليا بمسميات جديدة.
خامساً، الإعلان الدستوري الجديد القاضي بإلغاء الإعلان الدستوري رقم (1) لسنة 2024، هو من وجهة نظرالقانون االدستوري، ليس اكثر من هندسة سياسية تهدف إلى إغلاق الطريق أمام أي منافس حقيقي من داخل حركة حركة فتح أو من خارجها. بالإعلان الدستوري الجديد، يُعاد ترتيب اللعبة السياسية لصالح السلطة القائمة، بحيث يصبح التوريث السياسـي والهيمنة الحزبية أكثر وضوحاً. بعبارة أخرى، النظام أصبح – أو يرسم نفسه – كنظام إقطاع سياسي: قيادة قوية، نظام حكم وراثي، مؤسسات ضعيفة أو غائبة، والمجال العام محتجزا.
سادساً، من الناحية الخطابية، يظهر الإعلان بلغة وطنية مليئة بمفردات العدالة والتحرير والديمقراطية والمساواة، وهو أمر جيد مبدئياً، لكن هذه المفردات تتناقض في كثير من مضامين الإعلان مع مبادئ الديمقراطية التي يعلن عنها. فحين يُصبح نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحريرهو البديل الآلي للرئيس عند الشغور، وحين تُعلَن الانتخابات في ظرف ظرفيّ مؤقت لا يُؤمَّن جزئياً أن تكون حرة أو مفتوحة، يصبح خطاب الإعلان الدستوري هذا وسيلة لتدجين الجمهور، أكثر من كونه تعهداً حقيقياً بإطلاق الحرية السياسية. إن استخدام مفردات "الانتخابات الحرة والمباشرة" في سياق إعلان لا يضمن بنية تشريعية أو قضائية محايدة أو حق المنافسة الحزبية الفعلية، إنه استخدام شكلي يخفي استمرارالنظام ذاته.
وأخيراً، يمكن القول إن الإعلان الدستوري الجديد يُعدّ وثيقة هيمنة ترمي إلى منح الشرعية القانونية لوراثة القيادة داخل منظومة السلطة القائمة، ويُعيد إنتاج نفس النظام السياسي القائم، دون تغيير جوهري. إنه ليس توقيعاً على بداية عهد جديد، ولا نقلة حقيقية نحو نظام مؤسساتي، بل محاولة لإحياء نظام في حالة موت سريري، وإطالة أمده تحت مظلة ظاهر إصلاحي. وفي هذا الإطار، فإننا أمام استنساخ للنظام القديم، حيث القيادة العليا مركزية، المؤسسات ضعيفة، والانتخابات لا افق لإجرائها. وهذا تطبيق لقول غرامشيّ: "القديم مات، والجديد لم يولد بعد". النظام القديم لا يزال حاضراً، يُغيّر في الشكل لا في الجوهر، بينما الجسور إلى المستقبل الديمقراطي الحقيقي ما زالت لم تبنَ بعد.
في ضوء ما سبق، واجبنا الوطني اليوم أن نكون يقظين. إن إعلاناً كهذا لا يغني عن إصلاح حقيقي، ولا يشكّل بديلاً عن انتخابات شاملة، مستقلة، عابرة للأحزاب الحالية، تستند إلى قواعد دستورية واضحة ومحاسبة فعلية. وإن كان الهدف المعلن في اعلان الرئيس الجديد هو حماية الوطن والقضية، فإن السؤال أن يُطرح: أي نظام؟ ومن يحميه؟ ولمن؟ إذا لم يُعطَ الشعب الفلسطيني، في الضفة وغزّة والشتات، فرصة حقيقة للتمثيل، والمساءلة، والمنافسة، فإن هذا الإعلان سيُصبح مجرد غلاف لإبقاء السلطة كما هي، بوجوهها القديمة أو بأسماء جديدة، وليس بداية لتجديد سياسي يشكّل مكسباً للشعب وللمشروع الوطني.

