2026-06-19 11:50 م

حراك 26 يونيو المشبوه... على جراح غزة تُصنع الفتنة

2026-06-19

بقلم: اسماعيل الريماوي
في خضم حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبينما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني تحت القصف والحصار والتجويع والنزوح، عادت إلى الواجهة دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي للمشاركة فيما يسمى "حراك الغضب" المزمع تنظيمه في السادس والعشرين من حزيران/يونيو الجاري، ورغم أن حالة الغضب الشعبي في ظل هذه الظروف المأساوية تبدو مفهومة وطبيعية، فإن طبيعة هذه الدعوات وتوقيتها والجهات التي تتبناها تثير أسئلة جوهرية حول أهدافها الحقيقية والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها.

فغزة اليوم لا تواجه أزمة سياسية داخلية عادية، بل تعيش حربًا شاملة تستهدف الإنسان والأرض والبنية التحتية وكل مقومات الحياة، ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: إلى من يجب أن يتجه الغضب؟ وهل تكمن جذور المأساة في الداخل الفلسطيني أم في الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل عدوانه وحصاره وجرائمه بحق المدنيين منذ أكثر من عشرين شهرًا؟
اللافت أن جزءًا كبيرًا من الترويج لهذا الحراك يأتي من شخصيات وناشطين يقيمون خارج قطاع غزة، وبعضهم معروف بمواقفه العدائية تجاه المقاومة ، كما أن هؤلاء غابوا إلى حد كبير عن مشهد التضامن العملي مع سكان القطاع طوال أشهر الحرب الطويلة، فلم يظهر لهم دور بارز في دعم صمود الأهالي أو التخفيف من معاناتهم أو المشاركة في حملات الإغاثة والدعم، قبل أن يعودوا اليوم لتبني خطاب تعبوي يركز على تأجيج الساحة الداخلية واستثمار حالة الإرهاق والمعاناة التي يعيشها السكان.

وفي المقابل، تتجاهل هذه الدعوات حقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي هو المسؤول الأول والمباشر عن الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع، فالحصار الخانق وإغلاق المعابر ومنع إدخال الاحتياجات الأساسية واستهداف البنية التحتية المدنية وتعطيل عمليات الإغاثة والإعمار وتأخير إدخال المعدات اللازمة لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، كلها عوامل صنعت واقعًا مأساويًا غير مسبوق، كما أن الاستهداف المتكرر للأجهزة الأمنية والشرطية والعاملين على تأمين المساعدات والأسواق ساهم في زيادة حالة الفوضى التي يحاول الاحتلال نفسه توظيفها كورقة ضغط إضافية على المجتمع الفلسطيني داخل القطاع.
ومن أكثر المؤشرات إثارة للانتباه أن الدعوات إلى هذا الحراك حظيت بترويج ودعم واضحين من صفحات إسرائيلية رسمية ناطقة بالعربية، من بينها صفحات تابعة لمؤسسات حكومية وعسكرية إسرائيلية، وهذا الدعم العلني لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلًا هامشيًا أو عابرًا، بل يفرض تساؤلات مشروعة حول مدى توافق هذه التحركات مع الأهداف التي يسعى الاحتلال إلى تحقيقها داخل القطاع، وعلى رأسها إضعاف الجبهة الداخلية الفلسطينية وإشغال المجتمع بصراعات داخلية بعيدًا عن مواجهة العدوان المستمر.
وتبرز هنا مفارقة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في أن كثيرًا من الأصوات التي تقود حملات التحريض لهذا الحراك تلتزم الصمت تجاه ما يجري يوميًا في الضفة الغربية من اعتداءات منظمة ينفذها المستوطنون بحق الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، فعمليات إحراق المنازل والمركبات، واقتلاع الأشجار، والاعتداء على المزارعين، ومهاجمة القرى والبلدات الفلسطينية أصبحت مشهدًا يوميًا في مختلف مناطق الضفة الغربية، ومع ذلك لا تحظى بالاهتمام ذاته من قبل هؤلاء الذين يكرسون معظم جهودهم لمهاجمة المقاومة في غزة.

كما أن هذه الأصوات نادرًا ما تطرح تساؤلات حول الجهة التي تحمي المستوطنين أثناء اعتداءاتهم، أو حول الجهات التي يفترض بها حماية القرى الفلسطينية من هذه الهجمات المتكررة ، بعد ان انهت اي وجود للمقاومة في الضفة الغربية، فبدل توجيه الغضب نحو الاحتلال الذي يوفر الغطاء والحماية للمستوطنين ويشارك عمليًا في سياسات التهجير والاستيلاء على الأراضي، أو مساءلة الجهات التي تقف عاجزة أمام هذه الاعتداءات، يجري توجيه البوصلة بالكامل نحو غزة ، وهو أمر يدفع كثيرين إلى التشكيك في أولويات هذه الحملات ودوافعها السياسية، ويثير تساؤلات حول أسباب تغييب جرائم الاحتلال في الضفة الغربية من خطاب هؤلاء الداعين إلى الحراك.
لقد أثبتت تجارب الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظات المواجهة المصيرية هو انتقال بوصلة الصراع من المحتل إلى الداخل، فإسرائيل لم تخفِ يومًا سعيها إلى إضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة وإثارة الانقسامات الداخلية ودفع الفلسطينيين إلى تحميل بعضهم البعض مسؤولية المأساة التي يصنعها الاحتلال يوميًا، ولذلك فإن أي تحرك شعبي لا يضع الاحتلال في موقع الخصم الأول، ولا يحدد بوضوح أهدافه الوطنية، قد يتحول، سواء بقصد أو من دون قصد، إلى أداة تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تفكيك وانهاك  المجتمع الفلسطيني من الداخل.

إن الفلسطينيين اليوم بحاجة إلى النقد والمراجعة والمحاسبة الوطنية، لكنهم بحاجة قبل ذلك إلى الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية في مواجهة حرب تستهدف وجودهم الجماعي ومستقبلهم الوطني، فالمعركة الحقيقية ليست بين أبناء الشعب الواحد، بل مع الاحتلال الذي يواصل القتل والتجويع والتدمير والتهجير في غزة، ويواصل الاستيطان والاعتداءات المنظمة في الضفة الغربية.
وفي زمن الإبادة والحصار، يصبح الحفاظ على التماسك الوطني جزءًا من معركة الصمود نفسها، أما الغضب الحقيقي، فيجب أن يبقى موجهًا نحو الجهة التي تصنع المأساة وتديرها وتستثمر فيها، لا نحو شعب منكوب يقاتل من أجل البقاء تحت النار، فكل محاولة لتحويل الأنظار عن الاحتلال، أو استبدال الصراع معه بصراعات داخلية، لا تخدم سوى المشروع الإسرائيلي الذي يسعى منذ عقود إلى تمزيق الفلسطينيين وإشغالهم بأنفسهم فيما يواصل فرض وقائعه على الأرض.
وعلى مرِّ التاريخ، لم يكن الاحتلال احتلالًا للأرض وحدها، بل كان دائمًا احتلالًا للعقول والوعي والرواية، فالمحتل لا يكتفي بالسيطرة على الجغرافيا، بل يسعى إلى إعادة تشكيل وعي ضحاياه بحيث ينقلبون على أنفسهم، ويشككون في حقوقهم، ويبحثون عن أسباب مأساتهم بعيدًا عن الجهة التي صنعتها.
فكيف يمكن لاحتلالٍ اغتصب الأرض وهجّر أصحابها أن يقنع شعبًا كاملًا بأنه شعب بلا حق أو قضية؟ وكيف يمكن له أن يقنع شعبًا يعيش تحت القصف والحصار بأن الاستسلام هو الطريق الوحيد للخلاص؟ وكيف يمكن أن يقنع الفلسطينيين بأن وعود "السلام" التي لم تجلب لهم منذ عقود سوى المزيد من الاستيطان والتهجير والحصار ما زالت تستحق التصديق؟ والأخطر من ذلك كله، كيف يمكن له أن يقنع شعبًا يرزح تحت الاحتلال بأن الخطر الحقيقي يكمن في أبناء شعبه الذين يقاومون الاحتلال، لا في الاحتلال نفسه الذي يقتل ويهدم ويصادر ويستبيح الأرض والإنسان؟
لقد عُرف الشعب الفلسطيني عبر تاريخه بالوعي والثقافة والقدرة على التمييز بين الحق والباطل، لكن اللحظات المصيرية تتطلب قدرًا أكبر من البصيرة والوعي، فالحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُخاض أيضًا على مستوى الإدراك والوعي وتحديد العدو الحقيقي، ومن هنا تبرز أهمية عدم الانجرار وراء دعوات قد تبدو في ظاهرها تعبيرًا عن الغضب، لكنها قد تؤدي في نتائجها إلى خدمة الأهداف التي عجز الاحتلال عن تحقيقها بالقوة العسكرية.
فيجب ان يكون الكل أكثر وعيًا بخطورة هذه المرحلة، وأكثر إدراكًا لما يُحاك حولهم، ان يكون سندًا لاهل غزة وهم يواجهون الجوع والنزوح والقصف، وعونًا لأهلنا في الضفة الغربية وهم يتعرضون يوميًا لاعتداءات المستوطنين، قفوا إلى جانب الجريح والمشرد والمكلوم، ووجّهوا غضبكم نحو من صنع المأساة وما زال يواصلها. فغزة اليوم بحاجة إلى من يضمد جراحها ويجبر كسرها ويحمي وحدتها، لا إلى من يضيف إلى آلامها ألمًا جديدًا أو يفتح في جسدها النازف جرحًا آخر، او إلى من يستثمر جرح غزة لتصفية الحسابات السياسية أو خدمة أجندات مشبوهة.
في النهاية فان اللحظات التي تتعرض فيها الشعوب لحروب وجودية، يصبح التمييز بين العدو والضحية مسألة مصيرية لا تحتمل الالتباس، وغزة اليوم لا تحتاج إلى من يزرع الشكوك في ظهرها أو يفتعل معارك جانبية بين أبنائها.
فالتاريخ لن يتذكر من أطلق الشعارات في زمن المذبحة، بل سيتذكر من انحاز إلى الضحايا، ومن مد يده للمكلومين، ومن وقف إلى جانب شعبه وهو يواجه واحدة من أكثر الحروب وحشية في تاريخه، وإذا كان الغضب مشروعًا أمام هذا الحجم الهائل من الألم والمعاناة، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي أن يبقى هذا الغضب موجّهًا نحو الاحتلال الذي صنع المأساة ويواصل تعميقها كل يوم.
أما تحويل غضب الجائعين والمشردين والثكالى إلى وقود لصراعات داخلية في لحظة يتعرض فيها الشعب الفلسطيني لأخطر هجمة في تاريخه المعاصر، فلن يكون سوى خدمة مجانية للمشروع الإسرائيلي الذي لم يتوقف يومًا عن السعي إلى تمزيق الفلسطينيين وإشغالهم ببعضهم البعض، وبينما يسقط الشهداء في غزة وتحترق القرى في الضفة الغربية تحت اعتداءات المستوطنين، تبقى الحقيقة الأوضح أن الشعب الفلسطيني أحوج ما يكون اليوم إلى من يوحد صفوفه ويعزز صموده ويخفف معاناته، لا إلى من يفتح جراحًا جديدة فوق جراحه النازفة، فالوحدة في زمن الإبادة ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل شرط من شروط البقاء، لأن الاحتلال يدرك أن ما عجز عن كسره بالنار قد يحاول تفكيكه بالانقسام.