2026-07-19 02:01 ص

من التنديد بكارتر إلى حصار هرمز.. هل يسقط ترامب في المصيدة الإيرانية؟

2026-07-18

كان جيمي كارتر أحد الأهداف السياسية المفضلة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ اعتاد استخدام الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة مثالًا على ما يصفه بضعف الديمقراطيين، بما يتيح له الظهور بمظهر القائد القوي والحاسم.

لكن مشاعر ترمب تجاه كارتر أصبحت في الآونة الأخيرة أكثر تأملًا، مع مواجهته بعض التحديات ذاتها التي واجهها الرئيس الراحل.

هذه التحديات تشما الحرب مع إيران التي لا تلوح لها نهاية في الأفق، والتي تشهد الآن تصعيدًا مع تحرك الولايات المتحدة للسيطرة على مضيق هرمز، إلى جانب التضخم الذي لا يزال يثقل الاقتصاد الأميركي، رغم إصرار ترمب طويلًا على أن خبرته في عالم الأعمال ستقضي عليه.

«لن أكون كارتر»
ويبدو أن هذه المقارنة تشغل بال ترمب أيضًا، فعندما سُئل الشهر الماضي عن سبب عدم إرساله قوات أميركية خاصة إلى إيران للاستيلاء بالقوة على اليورانيوم عالي التخصيب، أجاب: «لم أرغب في أن أكون جيمي كارتر».

وكان بذلك يستحضر عملية الإنقاذ الفاشلة للرهائن الأميركيين عام 1980، التي أسفرت عن مقتل ثمانية عسكريين أميركيين. كما قال ترمب في مارس/آذار إن تلك العملية الفاشلة «كلّفتهم الانتخابات» أمام رونالد ريغان عام 1980، في إشارة بدت أكثر إدراكًا للحسابات السياسية مقارنة باستخدامه السابق لكارتر مادة للسخرية.

ويتزامن هذا التحول في الخطاب مع تزايد اهتمام ترمب بإرثه الشخصي، في وقت أصبحت فيه أوجه التشابه بين الرئيسين أكثر وضوحًا.

يقول جوناثان أدلر، مؤلف كتاب «His Very Best: Jimmy Carter, A Life»: «أعتقد أنه بدأ يُدرك، حتى وإن استغرق الأمر وقتًا، أنه أثار عش الدبابير، وأن رئاسته قد تُذكر ببعض السمات نفسها التي ارتبطت برئاسة جيمي كارتر».

من السخرية إلى المقارنة
ورداً على سؤال بشأن تغيّر نبرة ترمب تجاه كارتر ومواجهة الرئيسين تحديات متشابهة، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز إن «ترمب لن يسمح أبدًا لإيران بامتلاك سلاح نووي»، وإنه «لا يزال يركز بشكل كامل على تنفيذ أجندته الاقتصادية المثبتة لخفض التكاليف».

وأضافت في بيان: «الرئيس قائد فريد من نوعه، وسيواصل دائمًا الدفاع عن مصالح أميركا دون اعتذار. والإرث الوحيد الذي يشغله هو جعل أميركا أعظم من أي وقت مضى».

من جانبها، قالت كوري شاكي، العضو السابقة في مجلس الأمن القومي خلال إدارة جورج دبليو بوش، إنها لا تعتقد أن ترمب يعيد تقييم كارتر، مضيفة: «هو لا يربط الوقائع ببعضها ليبني نظريات».

ومع ذلك، فإن تصريحات ترمب الأخيرة تختلف كثيرًا عن خطاب حملته لإعادة انتخابه عام 2024، حين كان يصف جو بايدن باستمرار بأنه «الأسوأ»، ويقول إنه جعل كارتر يبدو «عبقريًا» بالمقارنة.

ولا يزال ترمب يذكر كارتر، الذي توفي قبل عامين عن عمر ناهز 100 عام، لكنه يفعل ذلك غالبًا للإيحاء، بصورة غير صحيحة، بأن الرئيس الراحل كان متحفظًا إزاء التصويت عبر البريد.

الفوارق لا تزال كبيرة
ظل كارتر متزوجًا من زوجته روزالين لمدة 77 عامًا، وكان متدينًا بشدة، وتعهد بأن «لا يكذب عمدًا على الشعب الأميركي». أما ترمب فقد تزوج ثلاث مرات وانتهى زواجان بالطلاق، ولا يتردد في استخدام الألفاظ النابية علنًا، كما يطلق باستمرار تصريحات مضللة.

وخلال رئاسته، وضع كارتر أعمال عائلته الخاصة بزراعة الفول السوداني في صندوق ائتماني مستقل. أما إدارة «منظمة ترمب» فقد انتقلت إلى نجليه، إلا أن الرئيس حقق العام الماضي نحو 1.2 مليار دولار من مشروعاته في مجال العملات المشفرة، كما لم يُخفِ استغلاله الرئاسة لتحقيق مكاسب شخصية بطرق أخرى.

وفي خطاب ألقاه عام 1977، قال كارتر: «لقد تحررنا الآن من ذلك الخوف المفرط من الشيوعية». أما ترمب فقد استغل انتصارات الديمقراطيين التقدميين في الانتخابات التمهيدية لإثارة المخاوف باستمرار من الشيوعية.

كما حصل كارتر على جائزة نوبل للسلام عام 2002، بينما لم يحصل عليها ترمب، رغم تأكيده أنه أحق بها من جميع الفائزين السابقين.

التضخم وإيران
رغم أن التضخم شكّل تحديًا لكلا الرئيسين، فإن كارتر واجه معدلات أعلى بكثير، إذ بلغ التضخم ذروته عند 14.7% في أبريل/نيسان 1980.

لكن مع ترمب، ارتفعت أسعار المستهلك في مايو/أيار الماضي بنسبة 4.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو أعلى مستوى خلال ثلاثة أعوام، ورغم انخفاضها الحاد بين مايو/أيار ويونيو/حزيران، فإن ذلك جاء مدفوعًا بتراجع أسعار الوقود عقب وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وهو اتفاق بات الآن على وشك الانهيار، مما أعاد دفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

وأشار ترمب إلى أنه لا يفكر كثيرًا في الأعباء المالية التي يتحملها الأميركيون عندما يتعلق الأمر بإيران، وهي الحرب التي بدأها بالتنسيق مع إسرائيل في فبراير/شباط. 

وفي الآونة الأخيرة، قلّل أيضًا من المخاوف المتعلقة بالتضخم، لكن التوصل إلى حل أثبت صعوبته، فيما تصاعدت الهجمات الأميركية مجددًا بعد الهجمات الإيرانية على السفن التجارية في مضيق هرمز.

وكما حدث مع ترمب، واجه كارتر أيضًا تحديات مرتبطة بالمضيق، إذ قال في خطاب حالة الاتحاد عام 1980 إن الوضع «يتطلب مشاركة جميع الدول التي تعتمد على نفط الشرق الأوسط وتهتم بالسلام والاستقرار العالميين».

ومن أوجه التشابه الأخرى أن كارتر درس إمكانية تنفيذ عمل عسكري للسيطرة على جزيرة خارك الإيرانية، لكنه تراجع عن الفكرة حتى لا يعرض الرهائن للخطر. 

أما ترمب فقد استهدف الجزيرة بضربات أميركية في بداية الحرب، في محاولة لعرقلة صادرات النفط الإيرانية، ولوّح باستهدافها مرة أخرى.

تقول شاكي، وهي زميلة بارزة ومديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في معهد أميركان إنتربرايز: «رغم أن إدارة كارتر درست بجدية مهاجمة جزيرة خارج، فإنها امتنعت عن ذلك لأنها لم تكن تريد الدخول في حرب مع إيران».

وأضافت: «أما نحن، فنحن بالفعل في حالة حرب مع إيران».

من جانبه، قال أدلر إن إيران سعت إلى الإضرار بفرص إعادة انتخاب كارتر، وطرح احتمال أن تحاول فعل الأمر نفسه مع الحزب الجمهوري بقيادة ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.

وأضاف: «هؤلاء دبلوماسيون بارعون، وقد أثبتوا ذلك خلال إدارة كارتر، وهم يثبتون ذلك مرة أخرى. إنهم يجيدون استنزاف خصومهم».

تجنب «الكارثة»
أصبح الرئيس الأميركي في الآونة الأخيرة يكثر من الإشارة إلى عدد من أسلافه، مشيدًا بدعم ويليام ماكينلي للرسوم الجمركية، وواصفًا ثيودور روزفلت بأنه «رجل عظيم».

كما قال ترمب إن أحد الأسباب الرئيسية للتوصل إلى وقف إطلاق النار مع إيران في يونيو/حزيران، والذي بات مهددًا الآن، كان تجنب «الكارثة الاقتصادية» التي شهدتها البلاد في عهد هربرت هوفر.

وقال هذا الأسبوع: «أنا طالب شغوف بالتاريخ».

وخلال ولايته الأولى، اعتاد ترمب مقارنة نهجه الشعبوي بنهج أندرو جاكسون، ولا يزال يمتدح جاكسون، لكنه أشاد مؤخرًا أيضًا بسجلات عدد من الرؤساء السابقين، بمن فيهم ديمقراطيون مثل فرانكلين ديلانو روزفلت.

بل إن ترمب أدرج بعض إنجازات كارتر على «ممر الشهرة» الذي أنشأه في رواق البيت الأبيض، في حين تضمنت اللوحات الخاصة بديمقراطيين آخرين، مثل باراك أوباما وجو بايدن، انتقادات لاذعة.

يقول جيمس بي. بفيفنر، الأستاذ الفخري في جامعة جورج ماسون ومؤلف عدد من الكتب، منها «عامل الشخصية: كيف نحكم على رؤسائنا»: «يفكر ترمب في إرثه، وربما اعتقد أن مهاجمة إيران ستعززه، لكنها في الواقع ستلحق به ضررًا بالغًا».

وبعد انتهاء رئاسته، قال أدلر إن كارتر طلب من ترمب التبرع للمساعدة في بناء مكتبته الرئاسية. وكتب ترمب لاحقًا أن كارتر طلب خمسة ملايين دولار، لكنه لم يرد عليه.

وخلال الولاية الأولى لترمب، بعث كارتر برسالة إلى الرئيس، فاتصل به ترمب لشكره، ثم ترك لديه انطباعًا بأنه قد يعينه مبعوثًا خاصًا إلى الصين، وهو عرض لم يتحقق في نهاية المطاف.

وقال بفيفنر عن الحرب مع إيران: «لو أنه تعلّم شيئًا من تجربة كارتر، وأصغى إلى التحذيرات بشأن مضيق هرمز، لتردد قبل الإقدام على ذلك. لكنه تجاهل دروس التاريخ والجغرافيا».

المصدر: أ ب