حذر المدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" عزمي بشارة من أن المشرق العربي قد يصبح منطقة نفوذ إسرائيلية في حال لم يصدر رد عربي حاسم وجازم، بدليل ما تفعله إسرائيل حالياً في سورية وفي لبنان حيث إن واشنطن وتل أبيب قد تتسببان بتقسيم البلد الأول وهو ما يجدر أن يواجَه بدولة لجميع مواطنيها، وبحرب أهلية في الثاني، ناهيك عن الحاصل في فلسطين أكان في غزة أو الضفة الغربية. ورأى أن لدى العرب مصلحة بإرساء نظام أمني مشترك مع تركيا وإيران، متوقعاً أن تبدي طهران براغماتية في مفاوضاتها مع الأميركيين والتي تبدأ جولتها الأولى يوم السبت المقبل في سلطنة عُمان. أما عن خطة تهجير الفلسطينيين من غزة، فاستبعد بشارة أن تنجح ما دامت مصر غير موافقة عليها رغم ما يُشيعه وزراء إسرائيليون عن بدء تسيير طائرات تقلّ غزيين من مطار رامون، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدأ يتململ من حرب غزة.
الفزع واجب
وقال بشارة في مقابلة على شاشة "تلفزيون العربي" في قطر، مساء الثلاثاء، إن دول المنطقة يجب أن تنظر بفزع إلى التوسع الإسرائيلي الحالي لأن فيه نوعاً من سكرة القوة التي تؤدي، من دون ردود فعل عربية جازمة وحاسمة، إلى أن تصبح إسرائيل "سيدة المنطقة" التي تضع شروطاً على دول عربية مثلما هو حاصل في سورية ولبنان حالياً، "هذا من دون الحديث عن الفلسطينيين ذلك أنها لا تعترف أصلاً بسلطة فلسطينية ولا بأرض فلسطينية وقد بدأت بخطوات لضم المنطقة ب أو كل الضفة ناهيك عن الكتل الاستيطانية"، فضلاً عن وضع خطط تنفيذية لتهجير سكان قطاع غزة بوصفه أمراً واقعياً بالنسبة إلى الدولة العبرية، من دون أي استعداد لإبرام أي تسويات حقيقية، إنما التعامل حصراً بفرض إملاءات المنتصر الذي يطلب من الطرف الآخر الاستسلام والخروج من المنطقة، من دون أن يكون ثمن ذلك حلاً سياسياً.
ورأى بشارة أن ملامح منطقة النفوذ الإسرائيلية تظهر في القصف الإسرائيلي العبثي لسورية لتكون دولة الاحتلال سيدة جنوب سورية والإصرار الأميركي - الإسرائيلي على شروط مجحفة في لبنان قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية فيه. وبقراءة المفكر العربي، فإن الهدف الإسرائيلي الأول في سورية تحقق خلال رئاسة ترامب الأولى، أي جعل الجولان خارج أي تفاوض (من خلال الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الهضبة السورية المحتلة). وثاني الأهداف الإسرائيلية في سورية إنشاء منطقة منزوعة السلاح داخل هذا البلد، لا بل جعل كل سورية منزوعة السلاح وبلا جيش. ونبّه من أن هذا الأمر قد يقود في المستقبل إلى إحياء حلم إسرائيلي استعماري قديم يعود إلى إنشاء الانتداب الفرنسي 4 دويلات وهو ما يجب أن يتكرر اليوم ربما في المنظور الإسرائيلي. وفي وجه هذا الخطر، اعتبر بشارة أن سلوك الشعب السوري وحكومته يجب أن يكون نقيضاً لذلك، وتمسكاً بدولة وطنية واحدة لها أصول يشارك فيها الجميع، لا استبدال حكم ديكتاتورية أقلية طائفية بحكم ديكتاتورية أكثرية. وشرح أن تمسُّك السوريين بالجنوب السوري وبالساحل وبالشرق وبجميع المناطق، يفترض أن يشمل كل الأمور، ومن ضمنها مشاركة مواطني هذه المناطق بالسلطة والدولة. من هنا، شدد مؤلف كتاب "سورية: درب الآلام نحو الحرية" على ضرورة اعتبار السوريين الموضوع الإسرائيلي أساسياً لا قضية جانبية لأنه قد يعني تقسيم سورية. وفسّر أن رفض المحاصصة الطائفية والمناطقية يجب ألا يُستغل لعدم إشراك الآخرين من مختلف المكونات في السلطة والدولة بصفتهم مواطنين، كذلك فإن رفض الطائفية لا يعني عدم الاعتراف بجميع المكونات كمواطنين مجدداً، ولا يعني أيضاً اسثتناءهم من مؤسسات الدولة أو إشراكهم بتمثيل رمزي "وهو أسوأ أنواع المحاصصة" حسب تعبير بشارة. واستطرد في هذا السياق ليعرب عن خطورة ما حصل في الساحل وخصوصاً أن "بعض جوانبه مستمرة من ناحية الخوف والتمييز الطائفي وفي السؤال عن الطائفة" من قبل عناصر أمنيين. وخلص في هذا السياق إلى أن الإدارة السورية الجديدة "إما تكون جماعة، أو أن تدير دولة".
سورية بين تركيا وإسرائيل
ورداً على سؤال حول تعليقات ترامب في مؤتمره الصحافي مع بنيامين نتنياهو مساء الاثنين في البيت الأبيض، والتي أوحى فيها بترحيبه بتقاسم سورية بين نفوذ كل من إسرائيل وتركيا، أجاب بشارة، في مقابلته مع تلفزيون العربي، أن قناعة ترامب تقوم على عدم وجود حلفاء ولا خصوم ولا أعداء بل مجرد مصالح مع قادة أقوياء يمكن إبرام اتفاقات معهم وتكون لهم مناطق نفوذ شرط أن يعترفوا بـ"ملك الغابة" أي بأميركا، التي يجب تترجم نفوذها العسكري والسياسي اقتصادياً ومادياً، من خلال الرسوم الجمركية حالياً مثلاً. ووفق المنطق الأميركي نفسه، يتابع بشارة، فإن الشرق الأوسط يمكن أن يكون منطقة نفوذ لإسرائيل، ومن ضمن هذا الشرق الأوسط، لسورية جاران، إسرائيل التي أثبتت لإدارة جو بايدن أن القوة هي التي تحسم، وتركيا التي لا يزال ترامب مقتنعاً بأنها تقف خلف هجوم ردع العدوان الذي انتهى بسقوط النظام السوري، بالتالي فلتسيطر على شمال سورية وفق عقلية ترامب. ويتوقف صاحب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" عند حجم الخطر المحدق بسورية ليكرر أن على الإدارة السورية الجديدة إدراك أن الجواب عليه يكون بتوحيد المجتمع السوري لكي يرفض هذه الرؤية التقسيمية.
ضغط ولو تفجرت حرب أهلية في لبنان
أما في ما يتعلق بلبنان، فلاحظ مدير "المركز العربي" نهجاً أميركياً مشابهاً للشروط التعجيزية المعروضة على القيادة السورية، وهو ما ترجمته زيارة نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس قبل يومين إلى بيروت. نهج يقوم على التهديد والابتزاز الدائم بـ"ترك لبنان لمصيره" وعدم دعم الإصلاحات، في حال لم يوافق على الشروط والإملاءات المفروضة عليه، كالضغط الكبير على حكومة نواف سلام ورئاسة جوزاف عون لتنزع الدولة سلاح حزب الله. وبعدما شدد بشارة على أن هذا الحزب "ليس في وارد العودة إلى الحرب"، تساءل لماذا لا تترك واشنطن الدولة اللبنانية تتصرف في موضوع السلاح؟ وماذا لو كان تقدير الدولة أن نزع سلاح حزب الله قد يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية؟ وفي هذا السياق استعاد بشارة سؤالاً يطرحه دوماً في إطار تعليقه على الوضع الفلسطيني، وهو يتعلق بالسبب الذي يجعل دولاً عربية قادرة على دعم لبنان وسورية ومساعدتهما، تترك هذين البلدين للإسرائيليين والأميركيين؟ وعما تستطيع الدول العربية فعله في الساحات الفلسطينية واللبنانية والسورية، أوضح بشارة أن الحكام العرب لا يزالون يتنافسون في ما بينهم على من يكون الأقرب إلى أميركا وقد انتقلت الدول العربية "من حالة الانقسام إلى التشظي" حسب وصف بشارة. ووفق تعبير كاتب "في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي"، لم يتفق القادة العرب على حد أدنى مثل رفض تقسيم سورية وألا تكون المنطقة العربية منطقة نفوذ إسرائيلية. وختم في هذا الإطار بالقول إن "لدينا مصلحة عربية بألا تنشب حرب في المنطقة وأن ينشأ نظام أمني مشترك مع تركيا وإيران يُسكت إسرائيل وينهي الابتزاز الدائم بالحماية الأميركية".
مفاوضات طهران وواشنطن
على صعيد آخر، توقع بشارة أن تبدي القيادة الإيرانية في أولى جولات المفاوضات التي تستضيفها مسقط السبت المقبل، براغماتية لأنها لا تريد الحرب وقد تلقت بالفعل ضربات كافية في الفترة الأخيرة. وبتقديره، لم يُفاجأ نتنياهو بإعلان ترامب عن موعد جولة المفاوضات، ولفت إلى أن واشنطن وطهران توصلتا إلى تسوية تنص على جولة أولى من مفاوضات غير مباشرة، وإذا نجحت تصبح مباشرة وهذا يعتبره ترامب إنجازاً. وتوقع بشارة أن تستغرق المفاوضات وقتاً وخصوصاً أن بيد الطرفين أوراق قوة، مع ترجيحه أن تتخللها ضمانات لعدم استخدام الطاقة النووية الإيرانية وتصنيع سلاح نووي. ووفق تحليل بشارة ومعلوماته، سيكون الملف النووي الإيراني هذه المرة موضوعاً وحيداً على طاولة المحادثات، و"إذا نجحا تكون المنطقة قد جُنّبت الحرب وهو ما لا يستسيغه نتنياهو، لكنه كان يعرف والعالم كله يعرف أن ترامب يفضل الحل الدبلوماسي على الحرب ويعتبره ممكناً".
ما قيمة مفاوضات غزة؟
وعن إبادة غزة، شدد مؤلف "قضية فلسطين: أسئلة الحقيقة والعدالة" على أن الحرب الإسرائيلية طوّرت لنفسها أهدافاً خاصة لا علاقة لها بالرد على عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي أهداف تاريخية تتعلق بضم الضفة الغربية وتهجير الغزيين. أهداف "تطورت مع الوقت لأن إسرائيل أدركت حجم الدعم الأميركي مع الإدارتين السابقة والحالية، وأدركت حجم التراخي العربي إلى درجة يبدو معها أن هناك مسؤولين عربا ينتظرون أن تقضي إسرائيل على المقاومة". وكرر رأيه الذي يفيد بأن الحرب مستمرة لأنه لا يوجد من يوقفها "ولا أرى حالياً تسويات معقولة تقبلها إسرائيل"، والكلام لبشارة. ورداً على سؤال عن المقترحات المصرية والقطرية عن هدن من 50 يوماً مقابل إفراج عن 5 أو 9 إسرائيليين، وجميعها مقترحات رفضتها إسرائيل، جزم المفكر العربي بأن الأمر المطروح الوحيد الذي تقبله إسرائيل، هو احتلال غزة وتهجير سكانها.
وفي إطار متصل، اعتبر كاتب "العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل" أن المعنى السياسي الوحيد في المفاوضات المستمرة منذ انتهاء ولاية بايدن أنها تجرى مع أميركا لا مع إسرائيل. وأبدى خشيته من أن إمكانيات تنفيذ الخطة الإسرائيلية بتهجير الغزيين واحتلال كامل القطاع "تزداد إذا بقي السلوك العربي على حاله". لكنه توقف رغم ذلك عند أمرين رأى أن لهما قيمة، الأول أن الرأي العام يزداد ضغطه عربياً هذه الأيام، وثانياً اجتماع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبد الله الثاني في القاهرة واتصالهم بترامب، وهو لقاء واتصال وصفهما بأنّ "لهما معنى". ولاحظ بشارة أن ترامب كان منزعجاً خلال الاجتماع مع نتنياهو وخاطبه بأنه يجب أن ينهي الحرب بسرعة. ووفق تحليل بشارة ومعطياته، فإنّ هذا الانزعاج مردّه كثرة الاتصالات التي يتلقاها ترامب في الفترة الأخيرة على خلفية إبادة غزة، ثم لأن الحرب أعادت إحياء حركة التضامن العالمية حتى داخل أميركا. من هنا، أكد بشارة وجود ما سماها "بداية تململ أميركي" من حرب غزة، وتمنى أن يزداد الضغط في هذه المرحلة من حركة التضامن لكي تفهم أميركا أن حلفاءها العرب سيتضررون من ذلك لأن الغليان قد ينفجر في وجههم.
عن العربي الجديد