2026-06-19 11:50 م

واشنطن تُعيد هندسة الشرق الأوسط بـ"الصفقات المجزأة"

2026-06-19

تختبر الولايات المتحدة، مع توقيع الاتفاق المؤقت مع إيران، نموذج "المراحل المتتالية"، والقائم على إنهاء الملفات العالقة في صفقات مجزأة، سعيًا لإعادة "هندسة" الشرق الأوسط، في ظل ارتباط طهران بتهديدات للمنطقة، لا تتوقف عند الخطر النووي فقط، ولكنها تؤثر أيضًا في الأمن الإقليمي عبر ورقة الميليشيات.

وقالت مصادر مطلعة على مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، إن تصور "المراحل المتتالية" الذي تريد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الانتقال به بين الملفات الشائكة مع إيران، والذي ينطلق من اتفاق الجمعة المقبل، سيفتح باب استئصال المشاكل المعقدة بشكل فعلي، في حال إزالة حاجز عدم الثقة، بمفاوضات الـ60 يومًا.


وأضافت المصادر  لـ"إرم نيوز"، إن واشنطن تسعى من خلال اتباع هذا النموذح، إلى المضي نحو تفاهمات محدودة حول الملف النووي أوّلًا، والوصول إلى جانب من نقاط الالتقاء المتعلقة بتعليق التخصيب ومخزون اليورانيوم مقابل حوافز اقتصادية، للانتقال إلى ملفات متأزمة في صدارتها الأمن الإقليمي. 

وكان نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، أشار إلى عمل الولايات المتحدة على تغيير الشرق الأوسط بشكل جوهري، سواء التزمت إيران بالاتفاق أو العكس، مشيرًا إلى أن إدارة ترامب لا ترى في التفاوض المباشر مع طهران مكافأة لها بل خطوة جادة تهدف إلى التوصل لنتائج. 


ووصف الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور سعد عبد الله الحامد، المسار التفاوضي الحالي بين طهران وواشنطن، على أنه انتقال من اتفاق مؤقت إلى هندسة إقليمية جديدة، تعكس فكرة أن واشنطن قد تختبر إمكانية تطبيق نموذج "المراحل المتتالية"، بدلًا من السعي إلى اتفاق شامل وكبير من البداية.

 وأضاف الحامد لـ"إرم نيوز"، أن هذا التصور تسعى من خلاله واشنطن، للمضي نحو تفاهمات محدودة حول الملف النووي أوَّلًا، ثم التفاهم حول تجميد إيران بعض الأنشطة، وفي صدارتها التخصيب وتعزيز الرقابة على البرنامج النووي.

وفي المقابل، فإنَّ هناك تخفيفًا جزئيًّا للعقوبات وإجراءات اقتصادية، من المفترض أن يبنى عليها الانتقال إلى ملفات أخرى أكثر تعقيدًا، كالأمن الإقليمي والممرات البحرية.

وما يجعل هذا النموذج، جذابًا لصناع القرار الأمريكي، بحسب الحامد، أن التجارب السابقة أثبتت صعوبة التوصل إلى صفقة شاملة تتناول كافة القضايا الخلافية دفعة واحدة، لذلك فإن الهدف يصبح إتمام تقدم تدريجي، يمكن التحقق منه في كل مراحله.

ولكن اختبار هذا النموذج مع الجانب الإيراني، يُواجه عقبات عديدة تتصدرها فجوة الثقة، حيث ينظر كل طرف للآخر على أنه سيتراجع عن التزامه عند تغير الظروف السياسية.   

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك اختلالات واختلافات في تصور هذا التفاوض، حيث ترى واشنطن المراحل المتتالية بطريقة تحمل قيودًا أطول وأوسع على السلوك الإيراني بينما تنظر طهران إليها وسيلة لرفع الضغوط الاقتصادية عنها. 

وأشار الحامد إلى أن هناك عاملًا مهمًّا يؤثر في هذا الاتفاق في الفترة المقبلة داخل البلدين، سواء الانتخابات القادمة بالكونغرس أو تبدّل موازين القوى في الداخل الإيراني أو أيّ حراك ضد النظام، الذي من الممكن أن يؤثر في المذكرة ومستقبل المفاوضات.

 وخلص إلى أن هذا الاختبار لا يقتصر على إمكانية إبرام اتفاق مؤقت، ولكن ما إذا كان متاحًا تحويله إلى عملية تراكمية تنتج قواعد جديدة للتعامل بين الجانبين، وربما تسهم في إعادة تشكيل بعض الترتيبات للأمن الإقليمي، لافتًا إلى أن نجاح النموذج أو فشله يعتمد على قدرة الطرفين على الاتفاق وليس فقط الخطوة الأولى.

وتعمل الولايات المتحدة في المرحلة الدبلوماسية الحالية مع هذا الاتفاق، على الدخول إلى عمق نموذج "المراحل المتتالية" مع المفاوضات المقبلة بعد توقيع مذكرة التفاهم، وذلك بعد ممارسة واشنطن الضغط الاقتصادي والعمل العسكري، لتخرج حاليًّا بورقة الحوافز الدبلوماسية والمالية والسياسية لطهران. 
ويؤكد الخبير في الشؤون الإقليمية، نبيه واصف، أن انتقال ترامب إلى المراحل المتتالية بعد ممارسة الضغوطات، يكمن في العمل على اختبار مدى تعامل الجانب الإيراني بسلوك سياسي دبلوماسي إيجابي، وهو يستهدف مصالح متبادلة للطرفين في ظل استهداف واشنطن تجنيب المنطقة مخاطر في مقدمتها المشروع النووي.

وأضاف واصف في حديث لـ"إرم نيوز"، أن تدخل إدارة ترامب في هذا المرحلة بمسعى العمل على إنجاح الاتفاق المؤقت، هدفه الحقيقي إنهاء الخطر الإيراني الخاص بتصنيع سلاح نووي بوثيقة سياسية، مقابل حوافز تنقل التفاهم الدبلوماسي إلى مرحلة أخرى تخص الأذرع التي تهدد استقرار دول المنطقة.

وبين أن مؤشر نجاح استخدام نموذج المراحل المتتالية الذي تسلكه واشنطن، غير مؤهل حتى الآن للاستغلال الإيجابي من النظام الإيراني الذي قد ينظر إلى استغلال الحوافز بشكل يعود بالجميع إلى نقطة الصفر، واختصارها في تنمية القدرات التسليحية.

ونبَّه إلى أن باقة الضمانات في الاتفاق الجاري، هي أهم البنود المطلوب الوقوف عندها، بشكل واضح ومحدد، لعرقلة أي رهان أو مواربة "متخفية" قد يلجأ إليها النظام الإيراني في مرحلة ما، مع اللعب بالوقت، وأن يُحوِّل الاتفاق والمفاوضات إلى عمل سلبي.