تكشف الخسائر التي تكبدها القطاع الزراعي الفلسطيني في السنوات الثلاث الأخيرة، وبلغت 128 مليون دولار، عن حجم الحرب الإسرائيلية التي استهدفت هذا القطاع، وتشهد في كل عام تصعيدًا أكبر من سابقه، بالتزامن مع تأكيد مسؤولين إسرائيليين عزمهم تهجير الضفة الغربية.
وبينما وصفت الأمم المتحدة هجمات المستوطنين خلال موسم الزيتون الحالي بأنها "أداة تهجير وسلب للأرض"، فإن وزارة الزراعة تؤكد أن خسائر القطاع الزراعي خلال النصف الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري بلغت نحو 4.7 ملايين دولار، توزعت بين اقتلاع الأشجار وحرقها وتكسيرها، وسرقة المحاصيل، وتدمير المنشآت الزراعية وشبكات الري ومصادر المياه، وتجريف الأراضي، إضافة إلى منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وتداعيات شق الطرق الاستيطانية وإقامة البؤر وتوسيعها.
وخلال الفترة ذاتها، تسببت اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال في تضرر وتقطيع واقتلاع وحرق نحو 5,859 شجرة زيتون، كما رافق ذلك مصادرة وسرقة ما يزيد على 8,600 كيلوغرام من ثمار الزيتون، إلى جانب الاعتداء الجسدي بالضرب على المزارعين لمنعهم من جني محصولهم الذي يشكل مصدر رزق أساسيًا لآلاف العائلات.
وتزامن هذا التصعيد مع فتوى صدرت عن الحاخام الإسرائيلي "دوف ليؤور"، وهو أحد مراجع التيار القومي الديني والزعيم الديني للوزير إيتمار بن غفير، أباح فيها للمستوطنين جني ثمار الزيتون حتى في المناطق البعيدة عن المستوطنات.
واستندت هذه الفتوى إلى ادعاء أن الفلسطينيين "لم يشتروا الأرض أصلاً من اليهود"، وأن منعهم من الوصول إلى حقولهم لدواعٍ أمنية يجعلهم "فاقدين للأمل" في استرداد محصولهم، ما يبيح للمستوطنين السيطرة عليه باعتبار ذلك تعبيرًا عن الملكية وتطبيقًا لما وصفه بـ"فريضة احتلال الأرض".
الحواجز والعوائق العسكرية
وفي السياق ذاته، فرضت المؤسسة العسكرية للاحتلال قيودًا مشددة على وصول المزارعين إلى أراضيهم، حيث وقع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال أوامر خاصة تحظر على الفلسطينيين دخول نحو 88,300 دونم من الأراضي إلا بعد الحصول على "تنسيق مسبق". وتُشكل هذه القرارات زيادة بنسبة 30% مقارنة بعام 2025، حين بلغت المساحات المشروطة بالتنسيق العسكري نحو 69 ألف دونم.
في المقابل انخفضت مساحة الأراضي التي يمنع الجيش المستوطنين من دخولها تحت ذريعة "الحد من أعمال العنف" من نحو 10,700 دونم في عام 2025 إلى 6,890 دونمًا فقط خلال العام الحالي.
وفاقم من حدة هذه الكارثة الزراعية، زيادة الحواجز والبوابات العسكرية ليصل عددها إلى 942 حاجزًا وعائقًا عسكريًا، بحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا".
وتوزعت هذه العوائق بين 824 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة، و118 عائقًا خطيًا من السواتر والخنادق وحواجز الطرق التي امتدت على طول 107.7 كيلومترات، مما أدى إلى تقطيع أوصال المدن والقرى وتحويل الضفة عمليًا إلى "كانتونات" وجيوب محاصرة، وعرّقل حركة المزارعين وعزلهم عن أراضيهم، وحَرَم مئات العائلات من الوصول الآمن إلى حقول الزيتون.
أراضٍ معزولة خلف الجدار
تمنح سلطات الاحتلال أصحاب بعض الأراضي تنسيقًا أمنيًا مقيّدًا للوصول إلى أراضيهم لفترات محدودة طوال العام، ورغم ذلك فإن جنود الاحتلال لا يلتزمون بذلك.
جلال عزيز من بلدة دير الغصون شمالي طولكرم، يقول إنه وآخرين من بلدته يملكون نحو 2400 دونم من الأراضي الزراعية المعزولة خلف الجدار الفاصل، ولا يُسمح لهم بالوصول إليها سوى 14 يومًا فقط على مدار العام، وهي مدة يؤكد عزيز أنها غير كافية للعناية بالأرض وجني المحاصيل.
هذا العام، حتى الأيام القليلة لم تُتح لأهالي دير الغصون، إذ يقول عزيز إنهم توجهوا إلى البوابة العسكرية في الجدار بانتظار فتحها والسماح لهم بالوصول إلى أراضيهم، لكن ما حدث أن جنود الاحتلال أبلغوهم بتعذر فتحها، زاعمين تعطل النظام الإلكتروني المشغل للبوابة.
من جانبه، يؤكد المدير التنفيذي لاتحاد المزارعين الفلسطينيين، عباس ملحم، أن الخسائر التي يتكبدها المزارعون باهظة جدًا، خصوصًا أن موسم الزيتون بات يشكل مصدر الرزق الوحيد المتبقي لآلاف العائلات، بعد فقدان كثيرين وظائفهم في السوق المحلي أو داخل الأراضي المحتلة عام 1948.
ويوضح ملحم أن اعتداءات الاحتلال تسببت منذ بداية العام بتدمير أكثر من 15 إلى 20 ألف شجرة زيتون معمرة في مختلف أنحاء الضفة الغربية عبر التكسير والتجريف والحرق.
وتنعكس هذه الانتهاكات والقيود المشددة مباشرة على حجم إنتاج الزيتون للموسم الحالي، إذ كان من المفترض أن يتراوح إنتاج زيت الزيتون هذا الموسم بين 20 و21 ألف طن في الظروف الطبيعية، إلا أن تقديرات المختصين الزراعيين تُشير إلى احتمال تراجع الإنتاج ليصل إلى ما بين 14 و15 ألف طن فقط، وربما أقل، في حال استمرار القيود والاعتداءات، وهو ما يعني هبوطًا في كميات الإنتاج بنسبة تتراوح بين 25% و33% مقارنة بالمعدلات المتوقعة.
ولا تقتصر الأضرار على أشجار الزيتون، بل تشمل أشجار العنب واللوزيات والمحاصيل الحقلية، إلى جانب الثروة الحيوانية، والمعدات والبنية التحتية والمنشآت الزراعية في مختلف المناطق المستهدفة.
"الشريان الزراعي" يتجرع خسائر يومية
وخلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري، تكبدت سبع محافظات في الضفة الغربية خسائر مباشرة تصل إلى نحو 3.68 مليون دولار. وتصدرت محافظة جنين قائمة المحافظات المتضررة بخسائر زراعية مباشرة بلغت نحو 2.64 مليون دولار، تلتها محافظة رام الله والبيرة بنصف مليون دولار، ثم محافظة الخليل.
أمّا في الأسبوع الثاني فكانت الخليل الأكثر تضررًا بخسائر بلغت نحو 455 ألف دولار، تلتها جنين بنحو 452 ألف دولار.
وفي منطقة طوباس والأغوار الشمالية، التي تُعد سلة غذاء فلسطين، تتضاعف حدة المعاناة بفعل التضييقات الحادة والاستهداف المباشر للتجمعات الرعوية والزراعية، ما أدى إلى شل قدرتها الإنتاجية.
يقول مدير عام الغرفة التجارية والزراعية والصناعية في محافظة طوباس، معن صوافظة، إن "شريان الضفة الغربية الزراعي" يتجرع خسائر فادحة يوميًا جراء اعتداءات سلطات الاحتلال والمستوطنين، وسياسة الإغلاقات المتواصلة.
ويوضح صوافطة أبرز محاور الاعتداءات الإسرائيلية، وهي: مصادرة الأراضي وحرمان المزارعين من آلاف الدونمات الرعوية لصالح إقامة وتوسيع البؤر الاستيطانية، وفرض حِصار مشدد على نقل المحاصيل عبر الحواجز العسكرية والاقتحامات، ما يتسبب بإتلاف الخضار المجهزة للتسويق، وتكبيد المزارعين تكاليف نقل مضاعفة، إضافة إلى تدمير شبكات المياه لمنع الاستمرار في الزراعة ولدفع العائلات الرعوية إلى التهجير القسري.
ويؤكد أن هذه الممارسات أدت إلى تصحير مساحات زراعية استراتيجية وإجبار المزارعين على هجرها، مثل حرمانهم من الوصول إلى أكثر من 2,000 دونم في منطقة "بزيق" كانت تُزرع بالقمح.
وتشهد منطقتا "عاطوف" و"الرأس الأحمر" خصوصًا تصعيدًا استيطانيًا يتركز على قطع مصادر المياه، شمل مؤخرًا قطع المياه عن 1,000 دونم مزروعة بالموز لأكثر من شهر (32 يومًا متواصلة)، ما أدى إلى تلف المحصول وتكبيد المزارعين خسائر قُدّرت بملايين الشواكل.
ولا يمكن النظر إلى الحرب على قطاع الزراعة بمعزل عن تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين عن تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية، وأبرزهم الوزيران إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذان أكدا تبنيهما لمشروع تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، وعزمهما تنفيذ هذا المشروع في حال بقائهما في الحكومة بعد الانتخابات المقبلة.
الترا فلسطين

