2025-04-05 09:19 ص

عملية السور الحديدي.. هل ستشهد الضفة الغربية حرباً موسعة؟

2025-02-05

سالي ابو عياش
بعد خمسة عشر شهراً من الحرب الإسرائيلية المدمرة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بصورة خاصة وفلسطين باسرها بصورة عامة، اجتمعت عوامل عدة للتوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، متضمنا وقف الإبادة الجماعية، وإبرام صفقة وفاء الأحرار، وعودة النازحين إلى ديارهم ، قام نتنياهو بالبدء بعملية عسكرية على مدينة جنين ومخيماتها في الضفة الغربية، والمطلع على البيت الداخلي الإسرائيلي يدرك أن نتنياهو يسعى لنقل الحرب إلى الضفة الغربية لإرضاء الأطراف اليمينية المتطرفة في حكومته خاصة بعد أن  رفض أحزاب “الصهيونية الدينية” هذا الاتفاق في غزة وما تلاه من استقالات لوزراء حكومته أمثال “إيتمار بن غفير” وتهديدات “بتسلئيل سموتريش” بالانسحاب من الحكومة في حال عدم استئناف الحرب مجدداً.
بناءاً على ذلك؛ أطلق الاحتلال عملية عسكرية بدأت بمخيم جنين ومن ثم امتدت إلى أماكن أخرى بالضفة الغربية كطوباس ونابلس وطولكرم، وأطلق عليها اسم “السور الحديدي”، لتكون العملية الأوسع منذ “السور الواقي” عام 2002 أثناء انتفاضة الأقصى، حيث تستهدف العملية مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، والتي تضم نحو 800 ألف لاجئ ، بدءاً من مخيم جنين، نظراً لكون اللاجئين يشكلون الحاضنة الشعبية للمقاومة، ويمثلون تحدياً للاحتلال بسبب توسع أشكال المقاومة داخل المخيمات وزيادة عدد الشبان المنخرطين فيها حتى من خارج الفصائل الفلسطينية. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التصعيد إلى توسيع رقعة المواجهة بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، مما يهدد بامتدادها من مدن ومخيمات شمال الضفة إلى وسطها وجنوبها، حيث تتركز المستوطنات الإسرائيلية بشكل كبير في الضفة الغربية بل وتحيط المدن والأراضي من جميع الاتجاهات. ونتيجة لذلك، فرض الاحتلال تشديدات أمنية واسعة، عبر إغلاق مداخل ومخارج المدن والقرى الفلسطينية بالحواجز العسكرية أو المكعبات الإسمنتية أو السواتر الترابية، ليبقى لكل مدينة أو قرية مدخل واحد فقط يمكن التحكم به، وذلك تزامناً مع تصاعد اعتداءات المستوطنين الذين يمارسون أعمالاً تخريبية إرهابية بحق الفلسطينيين بهدف فرض واقع استيطاني جديد، خاصة في المناطق المصنفة (C) التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، مما يسهم في تضييق الخناق على الفلسطينيين والحد من أنشطتهم العمرانية والزراعية، تأتي هذه السياسات الخانقة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه في تكامل واضح للأدوار فيما بينهم.
في ذات السياق؛ بعد عدة أيام من شن العملية العسكرية على مخيمات الضفة الغربية وتشديد الخناق على الشعب الفلسطيني وقيام الحكومة الإسرائيلية واصلت سلطات الاحتلال سياسة هدم المنازل،  حيث أصدرت قرارات بهدم 45 منزلاً في بلدة بيت أمر شمال الخليل، بحجة البناء دون ترخيص، كما أخطرت بهدم جميع منازل قرية النعمان شرق بيت لحم والتي يبلغ عددها 45 منزل، في محاولة لضمها إلى القدس المحتلة، ووفقاً لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد أصدرت سلطات الاحتلال خلال عام 2024 أكثر من 903 إخطاراً بهدم منشآت فلسطينية، ونفذت 684 عملية هدم استهدفت 903 منشآت في الضفة الغربية بما فيها القدس.
يبدو أن شن هذه العملية العسكرية بشكل متسارع، بعد يومين فقط من دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ، جاء لمنع معارضي نتنياهو من تقديم طلب لسحب الثقة من حكومته، أو ربما ضمن مخطط لتوسيع نطاق المواجهة لتشمل الضفة بأكملها، وهو ما لوحت به وسائل إعلام اليمين الإسرائيلي المتطرف التي أشارت إلى احتمال استمرار المعركة لعدة أشهر وامتدادها إلى مناطق أخرى.
يتضح أن عملية “السور الحديدي” ترتبط بعدة أهداف استراتيجية، أبرزها تعزيز الاستيطان والتمهيد لمخططات الضم، وتعويض الفشل العسكري الإسرائيلي في غزة ولبنان، ومحاولة فرض واقع سياسي جديد عبر إضعاف الإرادة الشعبية الفلسطينية، وصولاً إلى فرض سياسة التطهير العرقي، سواء بالإبادة الجماعية أو التهجير القسري، من خلال تشديد الضغوط الاقتصادية عبر السيطرة على أموال المقاصة الفلسطينية، وزيادة العزلة الجغرافية للمدن الفلسطينية، ورفع وتيرة التهديدات المستمرة من قبل المستوطنين، ولا يخفى أن أول ما يتبادر إلى الذهن من تداعيات هذه الحالة، لو استمرت أو تفاقمت هو التهجير والتطهير العرقي وذلك بفضل السياسات الإسرائيلية ضد الضفة الغربية ومدنها حيث تسعى هذه السياسة إلى  نزع شروط الحياة الممكنة ، هذه الأهداف تتماشى مع السياسات الإسرائيلية المتواصلة التي تسعى إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتصفية القضية الفلسطينية بشكل تدريجي، وهو ما ورد في خطط بتسلئيل سموتريتش المعروفة بخطط “حسم الصراع”، وكذلك في بنود “صفقة القرن”، فالحروب المتنقلة تهدف إلى تصفية المشروع الوطني الفلسطيني وأهدافه المشروعة وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية.
غير أن هذه السياسات، رغم تصاعدها، لم تفلح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، الذي أثبت بعد أكثر من عام ونصف من الحرب على غزة صموده وتمسكه بحقوقه، في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية التي استخدمت كل وسائل القمع دون أن تنجح في فرض الاستسلام. وعلى الرغم من أن الواقع السياسي يشير إلى انعدام أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية، أو الانسحاب من القدس الشرقية المحتلة، أو تفكيك المستوطنات، أو الاعتراف بحق العودة، وبالرغم استمرار موجات التطبيع العربي مع إسرائيل وتوسيع مشروع “إسرائيل الكبرى” من البحر إلى النهر، تبقى عزيمة الشعب الفلسطيني وإرادته في تحقيق حلمه بنيل الحرية وإقامة دولته المستقلة العامل الحاسم في استمرار النضال وإفشال المخططات الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية.
الخلاصة: إن التصعيد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية، وخاصة مع إطلاق عملية “السور الحديدي” يشير إلى توجه الاحتلال نحو توسيع نطاق المواجهة، لكنه لا يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة على غرار ما يجري في غزة. ومع ذلك، هناك عدة عوامل قد تدفع باتجاه تصعيد واسع في الضفة الغربية تتمثل في التوسع في العمليات العسكرية إذ يواصل استهداف مخيمات اللاجئين والمدن الفلسطينية، مما قد يؤدي إلى ردود فعل واسعة من المقاومة الفلسطينية، خاصة مع امتداد العمليات إلى مناطق جديدة ستؤدي إلى تزايد في عمليات المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، مع مشاركة أكبر من الشباب غير المنتمين للفصائل التقليدية، مما يزيد من احتمالية تصاعد المواجهات، ونضيف أيضا إجراءات الاحتلال القمعية المتمثلة في سياسة إغلاق المدن، وهدم المنازل، والاعتداءات الاستيطانية، وكذلك الضغوط السياسية الداخلية على حكومة نتنياهو من قبل اليمين المتطرف الذي يطالب بالمزيد من التصعيد، ومحاولة نتنياهو استرضاء شركائه السياسيين عبر عمليات عسكرية قد تمتد لفترة طويلة، هذه العوامل قد تدفع نحو انتفاضة أوسع أو حتى اندلاع حرب تمتد الى الضفة الغربية بأكملها.
في الوقت الحالي؛ المواجهة تتجه نحو تصعيد خطير، لكن تحولها إلى حرب واسعة يعتمد على رد الفعل الفلسطيني ومدى استمرار الاحتلال في نهجه التصعيدي، وعمليات الدعم الأمريكي والإقليمي. فإذا استمرت العمليات العسكرية وازدادت المقاومة قد نشهد صراعاً مفتوحاً في الضفة، وإن كان بشكل مختلف عن النموذج الغزي، نظراً لاختلاف الظروف الجغرافية والسياسية فيها.
كاتبة فلسطينية

المصدر: رأي اليوم