2026-06-22 03:47 م

مقبرة المجاهدين الذاكرة المهددة ومسؤولية الحماية

2026-06-22

بقلم: نافذ عسيلة
تعد المقابر من اهم الفضاءات الاجتماعية والثقافية التي تختزن ارث الجماعات البشرية وتعكس منظومة القيم والمعتقدات التي تشكل وعيها الجماعي. فهي ليست مجرد اماكن مخصصة لدفن الموتى، بل سجل تاريخي يوثق تعاقب الاجيال ويحفظ مسيرة الافراد والعائلات والاحداث التي اسهمت في تشكيل ملامح المجتمع عبر الزمن. وبين شواهد القبور الصامتة تستقر مشاعر الفقد والحنين والوفاء، لتتحول المقبرة الى فضاء يستحضر الماضي ويجسد استمرارية الصلة بين الاحياء والراحلين. ومن هذا المنطلق تشكل المقابر جزءا من التراث المادي واللامادي في آن واحد، حيث تتداخل فيها الابعاد الدينية والاجتماعية والوطنية لتمنحها مكانة تتجاوز وظيفتها الجنائزية المباشرة.

وفي مدينة القدس، التي تتشابك فيها طبقات التاريخ مع معاني الانتماء والصراع على المكان، تكتسب المقابر اهمية استثنائية بوصفها شواهد حية على الوجود المتجذر لسكانها وعلامات مادية تحفظ أثرهم عبر العقود. فالمقبرة في السياق المقدسي ليست مجرد موقع للدفن، بل مكون اصيل من المشهد الحضاري والوجداني للمدينة، وعنصر راسخ في موروثها الجماعي الذي تتناقله الاجيال باعتزاز. كما تمثل هذه الاماكن ملاذا رمزيا تستعيد فيه العائلات حضور احبتها، وتجدد من خلاله ارتباطها بجذورها وامتدادها التاريخي.

وتبرز مقبرة المجاهدين في شارع صلاح الدين باعتبارها واحدة من هذه المواقع التي ارتبطت بمسيرة المقدسيين وسرديتهم الوطنية والاجتماعية. فهي ليست مجرد رقعة ارض تحتضن الموتى، بل فضاء يحمل في تفاصيله تجارب انسانية متراكمة وقصص عائلات تعاقبت على المدينة جيلا بعد جيل. غير ان هذا الموقع بات يواجه تحديات متزايدة تتمثل في انتهاك حرمته وظهور ممارسات يصفها السكان بتجارة القبور، وهي ظاهرة تثير مشاعر القلق والاستياء لدى كثير من المقدسيين لما تحمله من مساس بقدسية المكان وكرامة الموتى. كما تكشف هذه الممارسات عن تحولات اجتماعية واقتصادية تمس علاقة الناس بالموت والمكان، وتثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة ادارة المقبرة وحدود المسؤولية المؤسسية ومدى قدرة الجهات المشرفة على صون هذا الموروث من الاستغلال والتعديات.

ومن منظور معايش، لا يمكن النظر الى المقبرة باعتبارها ارضا فارغة او موردا عقاريا قابلا للاستثمار، بل باعتبارها حقلا اجتماعيا تتقاطع فيه العقيدة والقرابة والانتماء. فكل قبر يحمل حكاية انسان ترك اثرا في محيطه، وكل شاهد قبر يمثل وثيقة صامتة تختزن مشاعر الحب والفقد والاشتياق وتسهم في رسم ملامح الرواية التاريخية للمدينة. ولذلك فان الاعتداء على المقبرة او استغلالها اقتصاديا لا يقتصر على انتهاك حرمة الموتى، بل يمتد ليصيب الوجدان الجماعي ويضعف الروابط المعنوية التي تصل الحاضر بماضيه.

وتتخذ الانتهاكات اشكالا متعددة، من بينها تدمير بعض القبور، والتوسع غير المنظم في عمليات الدفن، والتعدي على حدود القبور القائمة، واستغلال المساحات المتبقية بصورة تفتقر الى المعايير المهنية والاخلاقية، اضافة الى غياب الشفافية في ادارة السجلات وتخصيص الاماكن. وتترك هذه الممارسات اثرا نفسيا واجتماعيا عميقا لدى ذوي الموتى الذين ينظرون الى المقبرة باعتبارها مكانا للسكينة والاحترام لا ساحة للمصالح الخاصة. كما يسهم ضعف الرقابة وغياب المعلومات الدقيقة في خلق بيئة تسمح بانتشار الشائعات وتراجع الثقة بالجهات المشرفة، الامر الذي ينعكس سلبا على مكانة المقبرة ودورها الاجتماعي والثقافي.

ويمكن فهم ظاهرة تجارة القبور في سياق اوسع يرتبط بالضغوط العمرانية والزيادة السكانية ومحدودية المساحات المتاحة للدفن داخل القدس، حيث يتحول القبر في بعض الاحيان من رمز ديني وانساني يعبر عن الكرامة والراحة الابدية الى سلعة نادرة تخضع لمنطق العرض والطلب. ويكشف هذا التحول عن حالة من التوتر بين قدسية المكان ومتطلبات الواقع الاقتصادي، كما يعكس مخاوف متزايدة من فقدان البعد الروحي لهذه المواقع التي ارتبطت تاريخيا بمعاني الاحترام والرحمة.

اما فيما يتعلق بمسؤولية الحراسة والحفاظ على المقبرة، فتقع بالدرجة الاولى على عاتق اوقاف القدس ولجنة المقابر المشرفة عليها، باعتبارهما الجهتين المسؤولتين عن تنظيم عمليات الدفن، وحفظ السجلات، وصيانة الموقع، وضمان عدم تعرضه لاي استغلال او انتهاكات تمس حرمته. وفي المقابل، يضطلع الاهالي والمؤسسات المحلية بدور محوري في دعم جهود الحماية من خلال الرقابة المجتمعية والتوثيق المستمر والابلاغ عن اي تجاوزات. وتؤكد هذه الادوار المتكاملة اهمية ترسيخ الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه هذا المكان، بوصفه جزءا اصيلا من الارث التاريخي والاجتماعي لمدينة القدس. ان حماية مقبرة المجاهدين لا تقتصر على الجوانب الادارية والقانونية، بل ترتبط بالحفاظ على أحد المكونات التاريخية والثقافية والانسانية للقدس. فالمقابر ليست اماكن للموت فحسب، بل فضاءات تعكس استمرارية الحياة الاجتماعية وتحفظ الشواهد التي تربط الحاضر بالماضي. ومن هنا تبرز الحاجة الى تبني سياسات أكثر شفافية وعدالة في ادارة المقبرة، وتعزيز المشاركة المجتمعية في حمايتها، والعمل على توثيق تاريخها ومعالمها باعتبارها جزءا من التراث المقدسي الذي ينبغي صونه للأجيال القادمة.

وفي ظل التحديات التي تواجه المدينة، تبقى المقابر من بين اخر الفضاءات التي تحفظ الاثر الانساني المتراكم وتحافظ على حضور من سبقوا في وجدان المكان. ولذلك فان الدفاع عن حرمة مقبرة المجاهدين لا يمثل دفاعا عن موقع للدفن فحسب، بل هو دفاع عن الحكايات التي صنعت تاريخ المدينة، وعن الانتماء والكرامة الانسانية، وحق الناس في صون ارثهم من التهميش او الاستغلال او النسيان.