2026-06-22 04:59 م

إسرائيل تعيد هندسة قواعد الاشتباك في جنوب لبنان

2026-06-22

على الرغم من الاهتمام الدولي والإقليمي بالاتفاق الأمريكي-الإيراني، يبقى لبنان العقدة الأصعب، ولاسيما البند الخاص بلبنان الذي يثير جدلاً واسعاً، في ظل تأكيدات إسرائيلية بأن المنطقة الأمنية الممتدة بين شمالي إسرائيل وجنوبي لبنان أو ما تعرف بـ"الخط الأصفر" وكذلك "الخط الأزرق"، دون أن نُدرج ضمن مذكرة التفاهم.

وينعكس هذا التباين على مسار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، خاصة لجهة استغلاله من قبل حزب الله لتعزيز موقعيه الميداني والسياسي في المرحلة المقبلة.


ما هما الخطان الأصفر والأزرق؟
يمتد الخط الأزرق الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 2000 لنحو 120 كيلومتراً، فاصلاً بين لبنان وإسرائيل عقب الانسحاب الإسرائيلي. كما أعلنت إسرائيل خلال حرب 2026 عن ما بات يُعرف بالخط الأصفر، وهو منطقة أمنية تمتد في قطاعات حدودية داخل جنوب لبنان، يتراوح عمقها بين 5 و10 كيلومترات وفق التقديرات والتقارير الميدانية.

وتقع ضمن نطاق التصعيد الإسرائيلي 15 بلدة لبنانية، أبرزها الناقورة والضهيرة وعلما الشعب ويارين ومروحين وعيتا الشعب ورامية ومارون الراس وبليدا وميس الجبل وحولا وكفركلا والعديسة والطيبة والوزاني. 


وعلى صعيد الخسائر الزراعية، تضرر أكثر من 22 بالمئة من الأراضي الزراعية في جنوب لبنان، فضلاً عن تضرر أكثر من ألف وخمسمئة بيت بلاستيكي زراعي.

أما على الصعيد الإنساني، فقد نزح آلاف السكان من القرى الحدودية، وطالت الأضرار المنازل والبنية التحتية على نطاق واسع، في حين تتواصل جهود إعادة الإعمار وسط وقف إطلاق نار يوصف بالهش.


غموض المذكرة
ويرى خبراء أن غموض هذه الصياغة (مذكرة التفاهم) يفتح الباب أم تفسيرات فضفاضة، إذ تعتبره إسرائيل منفصلاً عن التفاهمات الكبرى؛ ما يجعل "الخط الأصفر" نقطة حساسة قد تؤثر بشكل مباشر على مسار التفاوض وتوازنات الميدان، لا سيما شمولها على أكثر من 30 قرية ومزرعة بعضها لم تسيطر عليه القوات الإسرائيلية.

في ظل هذه المعطيات، فإن استمرار التباين في تفسير هذا البند قد يحول الخط الأصفر من منطقة أمنية إلى عقدة تفاوضية تستخدمها إسرائيل بعنوان "السلاح مقابل الأرض" ما يرفع منسوب التصعيد على التهدئة.


وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري والاستراتيجي، هشام جابر، إن "البند الخاص المتعلق بلبنان في الاتفاق الأمريكي-الإيراني لم يتضمن تفاصيل دقيقة، وإنما شمل كل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك وقف العدوان على لبنان والانسحاب من الأراضي اللبنانية"، مشيراً إلى أن "إسرائيل أكدت أن هذا البند لا يشمل الخط الأصفر لعدم التطرق إليه تفصيلياً في الاتفاق".

الخط الأصفر "الفضفاض"
وأضاف جابر، لـ"إرم نيوز"، أن "الخط الأصفر يشمل بحسب ما ذكرته إسرائيل، نحو 30 قرية ومزرعة لبنانية، يمنع عودة الأهالي إليها، ومنها ما دمر بالكامل، ومنها ما تعرض لتدمير جزئي ومنها ما يقع تحت السيطرة، وأخرى غير محتلة أساساً، إلا أنها أدرجت ضمن نطاق الخط الأصفر، بدءاً من القطاع الشرقي مروراً بالأوسط وصولاً إلى الغربي".


وذكر أنه "من بين هذه المناطق بيت ياحون الواقعة بين تبنين وبنت جبيل، التي شملها الخط رغم عدم دخول القوات الإسرائيلية، وكذلك الغندورية القريبة من النبطية التي أدخلها الإسرائيلي ضمن الخط الأصفر".

وأوضح جابر أن "إسرائيل لا مصلحة لها في الالتزام بما ورد في الاتفاق الأمريكي-الإيراني، إذ إن الغارات لا تزال مستمرة، وحتى في حال الالتزام فإن بند حرية التحرك للجيش الدفاعي عند وجود تهديدات يجعل من هذا البند فضفاضاً، بما يتيح له توسيع نطاق عملياته متى شاء، حتى لو تعلق الأمر بمجرد الشكوك الأمنية".

وأشار إلى أن "إسرائيل ليست معنية بالتوقف في منتصف الطريق أو تجميد عملياتها العسكرية؛ ما يجعل مسألة الخط الأصفر أقرب إلى مسار تهرّب من الالتزامات، على غرار اتفاق إسلام آباد"، موضحاً أن "المباحثات مع الوفد اللبناني في واشنطن لن تحقق نتائج ملموسة، في ظل إدراك إسرائيل بأن الوفد اللبناني ضعيف وليس لديه أي أوراق للضغط".

المواجهة ستستمر ميدانياً
وبين أن "كل ما يجري على الأرض من تصعيد إسرائيلي يهدف إلى الضغط على الجانب اللبناني لتنفيذ التزاماته وتعهداته بنزع سلاح حزب الله من جنوب الليطاني، وانسحاب المقاتلين ضمن الموعد الذي وضعه رئيس الحكومة اللبنانية والذي تسرع في طرحه".


ومن جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي، علي حمادة إن "المقاربة الإسرائيلية تجاه الخط الأصفر لن تتغير، باعتبارها مقاربة أمنية طويلة الأمد ترتبط بالأمن وبوضع الحكومة الإسرائيلية الحالية في الداخل، إضافة إلى اعتبارات انتخابية وسياسية، وائتلاف قائم على معادلة الردع".

وأضاف حمادة، لـ"إرم نيوز"، أن "المواجهة ستستمر ميدانياً، وأن الجنوب اللبناني سيبقى ساحة احتكاك بين إيران وإسرائيل، مع استمرار العمليات العسكرية تتخللها فترات من وقف إطلاق النار الهش الذي لن يصمد طويلاً، قبل أن يتجدد التصعيد مجدداً".


وأوضح حمادة أن "المسألة الأخرى تتعلق بسلاح حزب الله، فإسرائيل تسعى لفرض معادلة السلاح مقابل الأرض، إلى جانب تعزيز معادلة الردع عبر تنفيذ ضربات قوية ومكثفة كرد على أي استهداف للأراضي الإسرائيلية".

واختتم حمادة حديثه بالإشارة إلى أن "حزب الله يحاول تحقيق مكاسب سياسة رغم خسائره الميدانية، بينما تسعى إيران إلى تعزيز نفوذها سياسياً على المستوى الإقليمي عبر الساحة اللبنانية، بما يشمل توظيف الملف اللبناني في الصراع الأوسع على النفوذ في المنطقة".