2026-06-25 11:37 م

فلسطين بين سقوط أوسلو وأزمة القيادة الوطنية ...

2026-06-25

بقلم: يونس العموري
لم تعد التصريحات الصادرة عن وزراء حكومة بنيامين نتنياهو في المرحلة الراهنة مجرد مواقف سياسية تعكس مزاج اليمين الإسرائيلي أو تخدم حسابات انتخابية داخلية، بل باتت تمثل تعبيرا مباشرا عن طبيعة المشروع الذي تعمل إسرائيل على ترسيخه في فلسطين التاريخية .. فعندما يدعو وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ومنح الجيش الإسرائيلي حرية أوسع للعمل في الضفة الغربية تحت عنوان منع تكرار أحداث السابع من أكتوبر، بالتزامن مع إعلان وزيرة الاستيطان أوريت ستروك عن إقامة عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة وإنشاء مدينة استيطانية للحريديم في محيط أريحا ضمن ما يسمى بخطة تعزيز الحدود الشرقية، فإننا لا نكون أمام مواقف منفصلة أو اجتهادات فردية، بل أمام رؤية سياسية واستراتيجية متكاملة تعكس التوجه الحقيقي للدولة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.

هذه التصريحات لا تتحدث فقط عن إجراءات أمنية أو مشاريع استيطانية جديدة، بل تكشف عن تحول نوعي في العقل السياسي الإسرائيلي . فالحكومة الحالية لم تعد ترى في السلطة الفلسطينية شريكا محتملا في عملية سياسية، كما لم تعد تنظر إلى اتفاقيات أوسلو باعتبارها إطارا يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية نهائية...على العكس من ذلك، يبدو أن إسرائيل وصلت إلى قناعة استراتيجية مفادها أن الظروف الإقليمية والدولية الراهنة تتيح لها الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة حسمه من جانب واحد عبر فرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة تنهي عمليا إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

لقد شكلت اتفاقية أوسلو في بداية تسعينيات القرن الماضي نقطة تحول كبرى في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر. فقد انتقلت الحركة الوطنية الفلسطينية من استراتيجية الصراع المفتوح إلى استراتيجية التسوية السياسية، انطلاقا من قناعة بأن موازين القوى الدولية والإقليمية تفرض البحث عن حلول سياسية تدريجية تفضي في نهاية المطاف إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وقد قبل الفلسطينيون آنذاك بتسويات مؤلمة على أمل أن تقود العملية السياسية إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية. غير أن ما جرى خلال العقود الثلاثة الماضية أثبت أن إسرائيل كانت تتحرك في اتجاه مختلف تماما. ففي الوقت الذي انشغل فيه الفلسطينيون بإدارة العملية التفاوضية وانتظار استحقاقات الحل النهائي، كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعيد تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي للضفة الغربية بصورة منهجية. تضاعف عدد المستوطنين مرات عديدة، واتسعت المستوطنات بشكل غير مسبوق، وتمت مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، فيما تعرضت القدس لعملية تهويد متواصلة استهدفت هويتها العربية والإسلامية والمسيحية .

ومع مرور الوقت تحولت السلطة الفلسطينية من كيان انتقالي يفترض أن يقود إلى الاستقلال إلى كيان دائم يعيش داخل حدود وظيفية وسياسية فرضها الاحتلال. وتراجعت العملية السياسية تدريجيا حتى وصلت إلى حالة الموت السريري، بينما استمرت إسرائيل في استثمار الوقت لتعزيز مشروعها الاستيطاني وفرض وقائع تجعل من فكرة الدولة الفلسطينية أمرا أكثر صعوبة مع كل يوم يمر.

اليوم لم تعد الحكومة الإسرائيلية تخفي أهدافها. فالحديث عن تفكيك السلطة الفلسطينية لا يهدف فقط إلى معاقبة القيادة الفلسطينية أو الضغط عليها، بل يعكس توجها أعمق يتمثل في إنهاء أي شكل من أشكال التمثيل السياسي الفلسطيني الذي يمكن أن يشكل مستقبلا أساسا لمطالبة الفلسطينيين بحقوقهم الوطنية. وفي الوقت ذاته يأتي التوسع الاستيطاني المتسارع ليؤكد أن إسرائيل لا تعمل على إدارة احتلال مؤقت، بل على تثبيت سيادة دائمة فوق الأرض الفلسطينية.

وتكتسب مشاريع الاستيطان الجديدة في الأغوار والحدود الشرقية أهمية خاصة لأنها تستهدف المنطقة التي تشكل العمق الاستراتيجي لأي دولة فلسطينية مستقبلية. فالأغوار ليست مجرد مساحة جغرافية، بل تمثل البعد الاقتصادي والأمني والسيادي للدولة الفلسطينية المنشودة. ولذلك فإن إقامة مدينة استيطانية جديدة قرب أريحا ليست مجرد مشروع إسكاني للحريديم، وإنما خطوة إضافية ضمن استراتيجية تهدف إلى إحكام السيطرة الإسرائيلية على الحدود الشرقية ومنع أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني يمتلك مقومات الاستقلال الحقيقي.

ومن الواضح أن أحداث السابع من أكتوبر شكلت بالنسبة للحكومة الإسرائيلية فرصة لإعادة صياغة خطابها السياسي تجاه القضية الفلسطينية. فقد جرى توظيف هذه الأحداث لتبرير سياسات أكثر تطرفا في الضفة الغربية، ولتسويق فكرة أن أي وجود سياسي فلسطيني مستقل يشكل خطرا أمنيا مستقبليا على إسرائيل. وبهذا المعنى لم يعد الحديث يدور حول مواجهة فصائل أو تنظيمات بعينها، بل حول إعادة تعريف العلاقة مع الشعب الفلسطيني بأكمله وفق مقاربة أمنية خالصة تنكر عليه حقوقه الوطنية والسياسية.

إن أخطر ما تكشفه هذه التحولات ليس فقط طبيعة المشروع الإسرائيلي، بل حجم الأزمة التي يعيشها المشروع الوطني الفلسطيني ذاته.. فبعد أكثر من ثلاثين عاما على انطلاق مسار التسوية تبدو الفجوة هائلة بين الوعود التي رافقت اتفاق أوسلو وبين الواقع القائم اليوم. فالدولة الفلسطينية لم تقم، والاحتلال لم ينته، والاستيطان تضاعف، والقدس تتعرض لعملية تغيير غير مسبوقة، وقطاع غزة مُدمر ووقائعه السياسية منفصلة تماما عن باقي ارجاء ما يسمى بالوطن في حدود الرابع من حزيران للعام 67 ، فيما يعيش النظام السياسي الفلسطيني حالة من الانقسام والتآكل وفقدان المبادرة.

لقد أصبح من الصعب إنكار أن الرهان التاريخي على التسوية السياسية بصيغتها التي نشأت بعد أوسلو قد وصل إلى نهايته العملية... فحتى إسرائيل نفسها لم تعد تتحدث عن عملية سلام أو مفاوضات أو حلول نهائية، بل تتحدث عن ترتيبات أمنية وإدارة للسكان الفلسطينيين وتوسيع للسيطرة على الأرض. أما المجتمع الدولي، فعلى الرغم من استمرار تمسكه الخطابي بحل الدولتين، فإنه لم ينجح في وقف الاستيطان أو فرض أي التزام حقيقي على إسرائيل.

غير أن تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية الانسداد التاريخي الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية لا يكفي لفهم المشهد الراهن بكل تعقيداته. فالمراجعة الوطنية الجادة تقتضي الاعتراف بأن القيادة الفلسطينية الرسمية التي قادت خيار التسوية طوال العقود الماضية تتحمل بدورها قدرا كبيرا من المسؤولية السياسية عن النتائج التي آلت إليها الأوضاع الفلسطينية. فهذه القيادة لم تكتف بالرهان على مسار سياسي أثبتت الوقائع فشله المتكرر، بل استمرت في التمسك به حتى بعد أن أعلنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عمليا موت هذا المسار على الأرض. كما أنها أخفقت في بناء بدائل وطنية قادرة على مواجهة التحولات المتسارعة، وتعاملت مع السلطة الفلسطينية بوصفها غاية بحد ذاتها بدلا من كونها أداة مؤقتة في خدمة المشروع الوطني. ومع تراكم سنوات الجمود والانقسام والتراجع، نشأت فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الفلسطيني وبين التحولات الفعلية التي يشهدها الواقع الفلسطيني، الأمر الذي أدى إلى تآكل الثقة الشعبية بجدوى السياسات القائمة وبقدرة المؤسسات الرسمية على قيادة مرحلة التحرر الوطني. من هنا فإن التحدي المركزي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لا يتمثل في كيفية إحياء عملية سياسية انتهت فعليا، وإنما في كيفية إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة تتناسب مع التحولات الجارية. فالأمم الحية لا تقف عند لحظة الفشل، بل تحاول استخلاص الدروس وإعادة صياغة استراتيجياتها بما يتلاءم مع الواقع الجديد. وإذا كانت المرحلة الراهنة تفرض إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني، فإن هذه المهمة لا يمكن فصلها عن السؤال المتعلق بطبيعة القيادة القادرة على حمل هذا المشروع. فالأزمة لا تكمن فقط في فشل السياسات، بل أيضا في البنية السياسية التي أنتجت هذه السياسات واستمرت في إعادة إنتاجها رغم سقوط مرتكزاتها الموضوعية. ولذلك فإن أي مشروع وطني تحرري جديد يحتاج بالضرورة إلى إعادة بناء المرجعية الوطنية الفلسطينية على أسس مختلفة، تستمد شرعيتها من قدرتها على تمثيل الإرادة الشعبية وتجديد مؤسسات الحركة الوطنية وإعادة تعريف أولوياتها. فالقيادة التي نشأت في ظل مرحلة التسوية ليست بالضرورة مؤهلة لقيادة مرحلة ما بعد التسوية، تماما كما أن الأدوات التي أفرزتها مرحلة الرهان على المفاوضات لم تعد كافية لمواجهة مشروع إسرائيلي انتقل بصورة علنية إلى سياسات الضم والاستيطان والحسم الأحادي. ومن هنا فإن تجديد المشروع الوطني يمر حتما عبر تجديد النخب والبرامج والمؤسسات وآليات اتخاذ القرار، بما يفضي إلى نشوء قيادة وطنية جامعة تمتلك رؤية تحررية واضحة وقادرة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المبادرة الوطنية ...

إن أولى خطوات هذه المراجعة يجب أن تتمثل في الاعتراف بأن مرحلة تاريخية كاملة قد انتهت. وليس المقصود بذلك التنكر للتضحيات أو الإنجازات التي تحققت خلال العقود الماضية، بل الإقرار بأن الأدوات التي استخدمت في مرحلة معينة لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية في المرحلة الراهنة. فالإصرار على التمسك بالسياسات نفسها رغم تغير الظروف لا يؤدي إلا إلى مزيد من الجمود والتراجع...

كما أن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني تتطلب استعادة مفهوم التحرر الوطني بوصفه الإطار الجامع للقضية الفلسطينية. فالقضية الفلسطينية لم تكن في جوهرها قضية سلطة أو إدارة ذاتية أو تحسين شروط الحياة تحت الاحتلال، بل كانت وما زالت قضية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة وتقرير المصير. ولذلك فإن أي رؤية مستقبلية ينبغي أن تنطلق من إعادة الاعتبار لهذا البعد التحرري الشامل... وفي هذا السياق تبرز الحاجة إلى بناء استراتيجية وطنية جديدة تقوم على توحيد الطاقات الفلسطينية في مختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية الجامعة على أسس ديمقراطية وتمثيلية، وإنهاء حالة الانقسام التي استنزفت القدرات الفلسطينية وأضعفت الموقف الوطني لعقود طويلة... كما تقتضي المرحلة المقبلة توسيع مفهوم النضال الوطني ليشمل مختلف أدوات الفعل السياسي والشعبي والقانوني والدبلوماسي والإعلامي والثقافي والاقتصادي. فالمعركة مع الاحتلال ليست معركة عسكرية أو أمنية فحسب، بل هي أيضا معركة رواية ووعي وشرعية وقانون وحقوق. وكلما نجح الفلسطينيون في بناء منظومة متكاملة من أدوات التأثير، ازدادت قدرتهم على فرض حضور قضيتهم على الأجندة الدولية ومواجهة محاولات تهميشها أو تجاوزها...

إن إسرائيل تراهن اليوم على عامل الزمن وعلى حالة الإنهاك التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني... وهي تعتقد أن استمرار الواقع الراهن سيؤدي تدريجيا إلى تآكل الهوية السياسية للقضية الفلسطينية وتحويلها إلى قضية سكانية أو إنسانية يمكن إدارتها أمنيا واقتصاديا. غير أن التجربة التاريخية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال تثبت أن المشاريع الاستعمارية مهما امتلكت من قوة لا تستطيع إلغاء إرادة الشعوب أو محو حقوقها الوطنية.

ولهذا فإن المطلوب فلسطينيا ليس فقط مواجهة السياسات الإسرائيلية الراهنة، بل بلورة رؤية استراتيجية جديدة للمستقبل. رؤية تنطلق من قراءة واقعية لموازين القوى، لكنها لا تستسلم لها. رؤية تدرك أن مرحلة التسوية بصيغتها التقليدية قد انتهت، لكنها ترفض في الوقت ذاته الوقوع في الفراغ السياسي أو الاكتفاء بردود الفعل. رؤية تعيد الاعتبار للوحدة الوطنية وللبرنامج الوطني الجامع وللقدرة على المبادرة بدلا من الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية.

إن التصريحات الصادرة عن وزراء حكومة نتنياهو ليست مجرد تصريحات عابرة، بل هي إعلان سياسي عن طبيعة المرحلة المقبلة. مرحلة عنوانها تكريس الاستيطان، وتوسيع الضم الزاحف، وتقويض ما تبقى من مرتكزات أوسلو، وتحويل فكرة الدولة الفلسطينية إلى احتمال بعيد المنال. وفي مواجهة هذا الواقع يصبح السؤال الحقيقي أمام الفلسطينيين ليس كيف يمكن إنقاذ عملية السلام، بل كيف يمكن إعادة بناء مشروع وطني تحرري قادر على حماية الحقوق الوطنية وصون الهوية الفلسطينية واستعادة المبادرة التاريخية في مواجهة مشروع استعماري يسعى إلى فرض نفسه باعتباره قدرا نهائيا لا يمكن تغييره.

وهنا تحديدا تكمن المهمة الكبرى للقيادة الفلسطينية والقوى الوطنية والمجتمع الفلسطيني بأسره. فالتاريخ يفتح أحيانا لحظات مراجعة كبرى تفرض إعادة التفكير في المسلمات القديمة وصياغة رؤى جديدة للمستقبل. وما نشهده اليوم قد يكون إحدى تلك اللحظات الفاصلة التي لا تحتمل التردد أو الاكتفاء بإدارة الواقع القائم. فإما أن تتحول الأزمة الراهنة إلى مدخل لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس أكثر صلابة وواقعية وقدرة على الفعل، وإما أن تستمر حالة المراوحة السياسية بينما تمضي إسرائيل في فرض وقائعها على الأرض. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل القضية الفلسطينية في العقود القادمة.